رغم تنامي المقاومة العمالية والنقابية .. هل يسلم السيسي حاويات الإسكندرية للاحتلال الإماراتي؟

- ‎فيتقارير

حالة من الاستنفار الشديد تواجه به الأوساط العمالية والنقابية في قطاع النقل البحري مع تجدد مساعي الاستحواذ الإماراتي على الحصص الحاكمة في الشركات اللوجستية الوطنية.

وجاء هذا التحرك العمالي من (غرفة الملاحة البحرية) مدفوعاً برفضٍ حكومي سابق وموثق أعلنته "الشركة القابضة للنقل البحري والبري" للتنازل عن حصص إضافية في شركة "الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع"، بعد أن حاولت جهات استثمارية إماراتية عبر شركة "بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدنغ" تقديم عرض شراء إجباري للوصول بنسبة ملكيتها إلى 90% من أسهم الشركة.

ويرى عمال الشحن والتفريغ والملاحون والخبراء أن التمسك بالرفض الحكومي السابق هو خط الدفاع الأول لمنع تحويل الموانئ المصرية إلى روافد تخدم قوى منافسة في المنطقة، معتبرين أن اتساع رقعة الخصخصة تحت وطأة الديون يمثل تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية والأمن القومي والاقتصادي للبلاد.
 

أهمية استراتيجية

وتُصنَّف شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع كأكبر وأهم مشغل لمحطات الحاويات في ميناءي الإسكندرية والدخيلة، اللذين يمثلان أكبر بوابتين بحريتين لحركة التجارة الخارجية والدولية في مصر. وتمتلك الشركة رصيفاً يمتد بطول 1571 متراً، وهو ما يعادل 39% من إجمالي أرصفة الحاويات بالميناء و10% من إجمالي الأرصفة المختلفة.

وتستند المقاومة العمالية والنقابية إلى حقيقة اقتصادية راسخة؛ وهي أن الشركة لا تعاني من تعثر مالي أو تراجع في الأداء يبرر بيعها أو خصخصتها، بل هي أصل تشغيلي ناجح ومستقر يدر أرباحاً سنوية طائلة ومباشرة لدعم الخزانة العامة للدولة. وقد وثقت التقارير المالية قفزة نوعية في صافي أرباح الشركة بنسبة بلغت 153% خلال الفترات المالية الأخيرة، مدفوعة بنمو الإيرادات بنسبة تخطت 82%. هذا الأداء المالي المتميز يجعل العاملين والخبراء يتساءلون عن الجدوى الاقتصادية من التنازل عن شركات رابحة تمثل قيمة استراتيجية طويلة الأجل وقادرة على التطوير الذاتي من فائض أرباحها.
 

الموقف العمالي

وشهدت كواليس لجان العمل في ميناءي الإسكندرية والدخيلة تحركات مكثفة من قِبل العاملين والنقابيّين لرفض مساعي الاستحواذ وزيادة الحصص الإماراتية في الإدارة والتشغيل. ويستند العمال في حراكهم الحالي إلى الموقف الرسمي الذي أعلنته الدولة في مطلع هذا العام حيث أعلنت حكومة السيسي رفضها الرسمي لبيع الحصة المكملة لشركة "بلاك كاسبيان" الإماراتية، بل وتوجهت مصلحة الشركات لنقل حصة تبلغ 6.01% إلى مظلة الشركة القابضة للنقل البحري والبري لضمان بقائها تحت الرقابة الحكومية المباشرة.

وتسود حالة عارمة من القلق بين الموظفين والعمال من أن يؤدي استحواذ الإدارة الأجنبية الحاكمة إلى إعادة هيكلة جذرية قد يترتب عليها تسريح جزء من العمالة المحلية، أو المساس بالمكتسبات المالية والحوافز التي حققها العمال بجهودهم على مدار عقود.

وتطالب اللجان العمالية بالاعتماد على الخبرات والكوادر المصرية التي أثبتت جدارتها في إدارة الموانئ وتشغيلها، بدلاً من تسليم مفاتيح الإدارة اللوجستية لشركات خارجية.

ويطالب العمال بوقف سياسات بيع الأصول كوسيلة سريعة لتوفير السيولة، مؤكدين أن التنازل عن أصول الموانئ يحرم الأجيال الجديدة من أهم مصادر الدخل القومي والسيادي المتمثلة في عوائد الجمارك والضرائب والخدمات البحرية.

آراء النشطاء والمحللين

وفتحت الصفقات المتتالية لبيع الأصول والشركات اللوجستية نقاشاً حاداً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر محللون وسياسيون عن مخاوف عميقة تتعلق بالآثار المترتبة على هذه السياسات، فينتقد الإعلامي والناشط أحمد رجب (@Ragab) الطريقة التي تُدار بها عمليات البيع، مشيراً إلى مفارقة تثير الدهشة؛ حيث إن الحصة البالغة 19.3% التي استحوذت عليها مجموعة موانئ أبوظبي مؤخراً بـ 13.2 مليار جنيه، كانت قد بيعت قبل ثلاث سنوات فقط بنحو 3 مليارات جنيه للصندوق السعودي.

ويوضح رجب أن تحقيق الصندوق السعودي لأرباح تتجاوز 10 مليارات جنيه في 36 شهراً فقط من إعادة بيع الأسهم يعكس غياب التقييم العادل للأصول المصرية عند البيع الأول، متسائلاً: "مين قيّم؟ ومين وافق؟ ولماذا تُباع أصول مستقرة تشغيلية تنمو بنسب طبيعية بهذه الأسعار المتواضعة؟".

وتصف الناشطة غادة نجيب (@Ghadanajeb) عمليات بيع الأصول بأنها النتيجة المباشرة للعجز عن سداد الديون المتراكمة. وترى أن الدول المشترية باتت تختار بعناية الأصول الحيوية والرابحة للاستحواذ عليها، لافتة إلى حدوث عمليات إعادة بيع من الباطن بجرائم فروق أسعار ضخمة، مما يحرم الاقتصاد المصري من القيمة الحقيقية لأصوله.

ويطرح المحللون، ومنهم أعضاء بغرفة الملاحة البحرية مثل محمد شيرين النجار (عبر صحيفة العربي الجديد)، بعداً أمنياً وقومياً بالغ الخطورة؛ حيث يوضح أن سعي المجموعات الإماراتية (مثل موانئ أبوظبي وموانئ دبي) للسيطرة على 9 منافذ بحرية مصرية رئيسية يتزامن مع توجهات إقليمية لبناء خطوط نقل برية وبحرية دولية بديلة تربط الهند والخليج بالموانئ الإسرائيلية في أسدود ويافا وإيلات.

ويرى الخبراء أن منح جهات خارجية منافسة حق الهيمنة المطلقة على الموانئ المصرية يحول هذه المرافق الحيوية إلى مجرد "روافد" للموانئ المنافسة، ويمنح تلك الأطراف القدرة على تخريب صناعة النقل البحري المصرية وتهميش دور قناة السويس الاستراتيجي.

ويضع الحقوقي جمال عيد (@gamaleid) محددات حاسمة للمشهد، معتبراً أن كل من يساهم في هدم التراث الوطني أو بيع الشركات والممتلكات الاستراتيجية الرابحة للدولة يرتكب ممارسة تفسد بنية الاقتصاد الوطني وتفرط في حقوق الشعب، مؤكداً أن حماية مقدرات الأمة هي واجب قومي لا يقبل المساومة.

ويجمع المشهد الحالي في مصر بين رفض عمالي ونقابي صلب في الميدان، وتحذيرات استراتيجية يطلقها خبراء الاقتصاد والملاحة البحرية.

ويرى هؤلاء أن استمرار سياسة منح الامتيازات بعيدة المدى وحصص الأغلبية المطلقة للشركات الأجنبية في قطاع النقل واللوجستيات يحمل مخاطر اقتصادية تفوق بكثير المكاسب الدولارية المؤقتة.

ويطالب الحراك العمالي بضرورة تفعيل الرفض الحكومي بشكل دائم، ووضع أطر رقابية صارمة تضمن بقاء الموانئ والمنافذ البحرية تحت مظلة السيادة الوطنية الخالصة لحماية الأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد للبلاد.