بعد إقرار رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي قانون صلاحيات «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة» تجسيداً حياً للمسار الذي ينتقده خبراء الاقتصاد والمؤسسات الدولية، حيث يمثل هذا القانون خطوة جديدة نحو تعميق «عسكرة الاقتصاد» وتوسيع نفوذ الهيئات التابعة للمؤسسة العسكرية على حساب القطاع الخاص والموازنة العامة للدولة.
يأتي هذا التقرير ليفكك أبعاد هذا القرار، استناداً إلى التحليلات النقدية التي قدمها خبراء بارزون عبر منصاتهم الرقمية، مستعرضين الخلل الهيكلي في تخصيص الموارد، وأزمة استدامة المشروعات الزراعية في الأراضي الصحراوية، والتبعات العميقة لغياب الحوكمة.
القانون والمليارات التريليونية
تتجاوز خطورة جهاز «مستقبل مصر» مجرد كونه مشروعاً زراعياً، بل تحول بموجب الصلاحيات الجديدة إلى إمبراطورية اقتصادية مستقلة، تُسند إليها مليارات الجنيهات من أموال دافعي الضرائب والقروض السيادية.
وفي هذا السياق، يقدم الخبير والأكاديمي محمد الشريف (@MhdElsherif) تفكيكاً مالياً صادماً لحجم الإنفاق على هذا الكيان، يشير الشريف إلى أن «إنفاق 800 مليار جنيه على مشروع واحد ستصل إلى 1 تريليون جنيه، في ظل ديون مصر الضخمة يمثل ضغطاً كبيراً»، محذراً من أنه «إذا لم يتحقق العائد المرجو بما يكفي من الإنتاج والتصدير، سيشكل هذا الجهاز عبئاً شديداً على الأجيال القادمة».
ويرى الشريف أن هذا النموذج من الأجهزة الاقتصادية التابعة للجيش قد يكون مقبولاً فقط كأداة استثنائية مؤقتة لبناء البنية التحتية، وليس بديلاً دائماً للاقتصاد الحر، ويوضح أن هذا التوجه «ليس نموذجاً مستقبلياً مستداماً في عصر الابتكار والمنافسة والحوكمة الرشيدة، يقود إلى تنمية حقيقية بنمو مستدام وإنتاجية عالية وفرص عمل جيدة وتقليل الفقر".
ويعتبر أن الإصرار على تحويل الأجهزة العسكرية إلى مستثمر أبدي يخنق الأسواق، ويقوض فرص بناء مؤسسات استثمارية قوية قادرة على المنافسة دولياً.
الأرقام الرسمية تفضح وهم التوسع الأفقي وأزمة المياه
تركز الدعاية الرسمية للنظام على الإنجازات الرقمية للمساحات المستصلحة، لكن القراءة المتأنية للبيانات الصادرة عن الجهات الحكومية نفسها تكشف عن تواضع العائد الاقتصادي مقارنة بحجم الإنفاق التريليوني.
وبالعودة إلى البيانات التي حللها الخبير محمد الشريف عبر تغريدته، نجد أن:
المساحة المزروعة: بلغت عام 2016 نحو 9.1 مليون فدان، وصعدت تدريجياً بفعل مشروعات الاستصلاح لتصل إلى 10.4 مليون فدان في موسم 2023-2024، بزيادة تقدر بنحو 1.3 مليون فدان فقط.
المساحة المحصولية: طبقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS)، بلغت المساحة المحصولية 15.8 مليون فدان عام 2016، ووصلت إلى 17.0 مليون فدان في عام 2024، وفقاً للنشرة الصادرة في أكتوبر 2025، أي بزيادة طفيفة بلغت 1.2 مليون فدان فقط، بنسبة 7.5% على مدار ثماني سنوات كاملة.
وتفتح هذه الأرقام الهزيلة الباب للسؤال الجوهري: هل تستحق زيادة بنسبة 7.5% في المساحة المحصولية إنفاق تريليون جنيه على جهاز تابع للجيش؟
يجيب عن ذلك الناشط والخبير محمود شعبان (@shaaban77)، موضحاً أن التوسع الأفقي في الصحراء يعاني من عقبات بنيوية قاتلة، ويعلق شعبان قائلاً: «يعني ذلك ببساطة أن الاستصلاح لم يقدم زيادة في الإنتاج المطلوب، وهو المحاصيل، بسبب ما قاله الخبراء قبل صرف المليارات على الفاضي، أزمة المياه».
ويضيف شعبان، محاكياً المقاربة العلمية الغائبة عن عقلية النظام: «مصر لا تحتاج إلى مزيد من الأراضي الصالحة للزراعة، ولكن تحتاج إلى تحسين الإنتاجية الزراعية، ودور العلم ومراكز البحوث وليس دور القوات الجوية".
فالتوسع في الصحراء محفوف بمخاطر رداءة التربة، والكلفة الطاقية الباهظة لسحب المياه، وعدم استدامة المخزون الجوفي، وهي أمور تقنية تتطلب حلولاً أكاديمية لا أوامر عسكرية.
الدولة العميقة وغياب العدالة القانونية
إن تمكين أجهزة مثل «مستقبل مصر» من مفاصل الاقتصاد لا يمكن فصله عن البنية السياسية والشبكية للنظام الحاكم.
وفي هذا الإطار، يضع الإعلامي والحقوقي هيثم أبوخليل (عبر حسابه @haythamabokhal1) الإصبع على الجرح البنيوي لهذه الأزمة، واصفاً إياها بمعضلة المصالح المتشابكة. يقول أبوخليل: «معضلة الدولة العميقة أن لها جذوراً وسلسالاً من الفساد والمحسوبية يستفيد منه ملايين. توريث في الجيش والشرطة والقضاء والجامعات وتزوير في البرلمان".
ويرى أن إقرار مثل هذه القوانين التي تمنح امتيازات استثنائية للهيئات السيادية يعزز من اقتصاد المحاسيب، ويخلق طبقة مستفيدة تدافع عن بقاء النموذج الحالي بصرف النظر عن جدواه الاقتصادية، مستطرداً بأسف: «القانون لا يحمي الشعب ولا يطبق إلا على من هم خارج منظومة الفساد والإفساد! سلطة ونفوذ وعطايا ومرتبات هائلة".
عكس اتجاه الخبراء والمؤسسات الدولية
يظهر إقرار هذا القانون أن رئيس الانقلاب السيسي يتعمد التحرك في الاتجاه المعاكس تماماً لنصائح الخبراء الدوليين والمحليين. ففي الوقت الذي يطالب فيه صندوق النقد الدولي بضرورة تخارج الدولة والجيش من الاقتصاد، وإلغاء الإعفاءات الضريبية والجمركية الممنوحة لشركات القوات المسلحة لتهيئة «بيئة تنافسية عادلة»، يأتي قانون «مستقبل مصر» ليمنح جهازاً عسكرياً جديداً صلاحيات استثمارية واحتكارية أوسع.
هذا العناد الاقتصادي يتطابق مع التحذيرات التاريخية التي أطلقها باحثون اقتصاديون مصريون ودوليون، والذين أكدوا مراراً أن إدارة المشروعات المدنية بعقلية عسكرية تؤدي إلى تشويه الأسواق، وتطفيش الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتعميق أزمة الديون السيادية، نظراً لأن هذه المشروعات لا تخضع لرقابة برلمانية أو محاسبية شفافة، وتعتمد على القروض لتمويل مشاريع ريعية أو ذات عائد إنتاجي منخفض على المدى القصير والمتوسط.
عرقل الجيش!
في المقابل، يمثل هذا التمدد الاقتصادي ترجمة مباشرة للعقيدة السياسية التي يتبناها السيسي، والتي عبّر عنها علانية في مناسبات متعددة دفاعاً عن دور القوات المسلحة في الأسواق والمشروعات القومية.
يرى السيسي أن أموال الشركات العسكرية وأنشطتها ليست استنزافاً للموارد أو هدراً للعدالة التنافسية، بل هي نتاج لـ«عِرق الجيش» وانضباطه، معتبراً أن المؤسسة العسكرية تمثل الذراع التنفيذية الوحيدة القادرة على الإنجاز بسرعة قياسية تتجاوز البيروقراطية الحكومية المترهلة وعجز القطاع الخاص.
هذا الإصرار الرئاسي ينطلق من قناعة راسخة بأن عسكرة الاقتصاد هي الضامن الأساسي للأمن القومي والاستقرار السياسي للبلاد؛ فحينما يدافع النظام عن مشروعات كـ«مستقبل مصر» أو «العاصمة الإدارية»، فهو لا يقيمها بمعايير الربح والخسارة الرأسمالية أو استدامة الموارد المائية والمالية التي يحذر منها الخبراء، بل يراها أدوات سيادية لفرض السيطرة وبناء شرعية الإنجاز العمراني.
ووفقاً لهذه الرؤية، يصبح تفكيك «اقتصاد الجيش» أو الاستجابة لشروط صندوق النقد الدولي بمثابة تفريط في أدوات القوة ومخاطرة أمنية قد تهدد تماسك النظام وشبكة مصالحه، مما يفسر استمرار السيسي في تعظيم مساحة العسكرة، ضارباً بكافة التحذيرات العلمية عرض الحائط.