تبقى سيرة المهندس عبد الفتاح محمد إبراهيم السيسي محفورة في الوجدان كرمز من رموز الثبات والتضحية والعمل الخيري الصامت، وبعد مرور عقد كامل من الزمان، تظل دماؤه الطاهرة شاهداً حياً على بشاعة الاستبداد، ويبقى أثره الطيب ووصاياه خالدة في قلوب عائلته ومحبيه، بانتظار عدالة السماء والأرض التي لا تضيع فيها حقوق المظلومين.
وفي فجر اليوم الأول من شهر يوليو لعام 2015، شهدت مدينة السادس من أكتوبر في محافظة الجيزة بمصر واحدة من أبشع الجرائم الدموية خارج إطار القانون؛ حيث أقدمت قوات أمن الانقلاب على ارتقاء وتصفية تسع شخصيات بارزة من رموز العمل الخيري والسياسي والاجتماعي، وعلى رأسهم المهندس عبد الفتاح محمد إبراهيم السيسي، الذي شغل موقع: مسؤول لجنة دعم أسر المعتقلين والشهداء على مستوى الجمهورية.
وللرجل مسيرة إنسانية، ونضالية، ودعوية، ولكن المفارقة المأساوية والتشابه القسري في الأسماء بينه وبين قائد الانقلاب العسكري الحالي، فضلاً عن الغوص في تفاصيل الخصوصية الإنسانية والروابط الأسرية الوثيقة التي جمعته بالمفكرة والناشطة أسماء سلطان وباقي أفراد عائلته ومحبيه، مستنداً في ذلك حصراً إلى الوثائق، والشهادات الحية، والمنشورات الموثقة عبر منصات التواصل الاجتماعي والبيانات الرسمية التي رصدت تفاصيل الحادثة منذ وقوعها وحتى مرور عقد كامل عليها في ذكراها العاشرة.
المجد الصامت
وولد المهندس عبد الفتاح محمد إبراهيم السيسي في محافظة الغربية، وعاش حياته نموذجاً فريداً للرجل العصامي الذي صنع نفسه بنفسه، لم يكن طامعاً في جاه، ولم يسعَ يوماً خلف أضواء الشهرة أو الظهور الإعلامي والفضائيات، بل آثر أن يكون جندياً مجهولاً من جنود الدعوة والوطن.
حسبما توثقه شهادات أصدقائه والمقربين منه (مثل ما روى الناشط بلال هشام)، فقد كان المهندس عبد الفتاح شخصية محبوبة للغاية، يتمتع بقبول واسع وقدرة فريدة على التأثير الإيجابي، ورغم أن ظروفه المهنية والتجارية كانت تتيح له العيش في رفاهية وسعة من العيش، إلا أنه اختار طريق الشوكة والتضحية مفضلاً عدم ترك أسر الشهداء والمعتقلين في مواجهة الجوع والضياع.
وفي هذا السياق، أسس لجنة مركزية استهدفت جمع التبرعات، وتوفير الاحتياجات المعيشية الأساسية، والتكفل برعاية آلاف الأيتام والمكلومين في أصعب الفترات التاريخية التي مرت بها مصر، هذا الدور الإنساني العظيم جعل منه هدفاً مباشراً للملاحقات الأمنية؛ فقد تعرض للاعتقال مرتين مبكراً في عهد المخلوع حسني مبارك بسبب مواقفه الصلبة، وزادت شراسة هذه الملاحقات أضعافاً مضاعفة بعد أحداث عام 2013، حيث جمدت السلطات أمواله وصادرت ممتلكاته بالكامل، واضطر للتخفي والتنقل المستمر مع أسرته بين 15 منزلاً في غضون عامين فقط، عائداً إلى عزلة تامة بلا هواتف أو إنترنت حرصاً على حماية الأمانات وحفظ أرواح المحيطين به.
خصوصية العلاقة الأسرية والروابط الإنسانية
وتتألق إنسانية الشهيد بوضوح من خلال عمق العلاقات الأسرية التي ربطته بمحيطه؛ فقد كان زوجاً وفياً وأباً حنوناً وصديقاً صدوقاً، وقد تجلت هذه الخصوصية بصدق بليغ في كلمات ورثاء (أسماء سلطان) شقيقة الدكتور صلاح سلطان وزوجة الشهيد بإذن ربه عبدالفتاح محمد السيسي، التي وثقت ألم الفراق عبر منشوراتها المتعاقبة في ذكريات ميلاده واستشهاده:
"هاج الحنين إلى رؤياك ملتهباً، والدمع يسقط في الوجنات منسكباً… كنت تجهزني للطرق الموحشة بدونك ومازلت واقفة بين ماضيك الجميل وحاضري الذي يخلو منك… ياليتك تعلم صعوبة إكمال حياة أنت لست فيها فقد هزمني الزمان ومزقني."
وفي مرور 10 سنوات على عملية الاغتيال في يوليو 2025، كتبت "كانت الحياة حياة بوجودك فكنت لي نعم الزوج الوفي المحب والأخ السند والصديق الصدوق والأب الحنون .. إن غبت عن عيوننا فنحن نراك بقلوبنا .. رحلت وبقيت معنا وصاياك في عقولنا ،وروحك في قلوبنا ،وصوتك في آذاننا .. مازال يؤنسني خيالك ،وترافقني نصائحك طالما كنت تصدقني النصح .. فاللهم عليك بمن ظلمنا وظلمك .. وأرنا فيهم عجائب قدرتك ".
واعتبرت تقارير أن الروابط الأسرية التي جمعت الشهيد عبد الفتاح من القيادي د.صلاح سلطان ضاعف من حجم الاستهداف الأمني الممنهج لبيته وعائلته، لتتحول أسرته الصغيرة بفعل الغدر الأمني إلى واحدة من أسر الشهداء والمعتقلين التي لطالما سعى طوال حياته لكفالتها ورعايتها.
شهيد الواجب وزعيم الانقلاب
يمثل تقاطع الأسماء بين المهندس عبد الفتاح محمد إبراهيم السيسي وبين قائد الانقلاب العسكري (عبد الفتاح السيسي) مفارقة درامية ومأساوية تستوقف كل من يتأمل مسار التاريخ المصري الحديث.
وفي كفة الشهيد: يقف رجل كرّس حياته لخدمة الأيتام، وحمل أموال الصدقات في فجر يومه الأخير لإيصالها إلى مستحقيها، وعاش مطارداً محروماً من أبسط حقوق الحياة الآمنة.
في الكفة المقابلة: يقف رأس السلطة العسكرية وقائد الانقلاب الذي تسبب في إراقة الدماء وتعطيل المسار الديمقراطي.
وقد عبرت منصة "جِوار" الحقوقية بليغ العبارة عن هذه المفارقة في بيانها التوثيقي: "شتان بين الشهيد عبد الفتاح وشبيهه في الاسم.. المؤكد أن المصير مختلف.. من 2015 إلى 2025 وبعد مرور 10 سنوات، لا تزال قوات النظام المصري تنتهج سياسة التصفية الجسدية والتنكيل، دون تفرقة بين قيادي سياسي، أو مواطن بسيط.. تعددت الأسباب والضحايا، ولكن القاتل واحد."
تفاصيل جريمة الاغتيال الميداني (1 يوليو 2015)
في فجر يوم الأربعاء 1 يوليو 2015، ودع المهندس عبد الفتاح زوجته وبناته بابتسامته المعهودة، حاملاً مظروفاً يضم أموال الأيتام، متوجهاً لإيصال الأمانات لأصحابها، وفي تلك اللحظات، داهمت قوات أمن الانقلاب شقة في مدينة السادس من أكتوبر تضم اجتماعاً لـ 13 قيادياً، لتنفذ جريمة دموية خارج إطار القانون أسفرت عن تصفية 9 منهم ميدانياً.
ووفق الرواية الأمنية الرسمية للإنقلاب زعمت "وزارة الداخلية " عبر تغطيات eXtra news) أن الأمن استهدف خلية مسلحة، مدعية العثور على أسلحة آلية وذخائر وأموال ومطبوعات تنظيمية، ومعتبرة الشهيد عبد الفتاح السيسي هو المحرك الأساسي للجان العمليات النوعية.
وبالمقابل، كذبت التقارير الحقوقية والطب الشرعي الرواية الأمنية جملة وتفصيلاً؛ حيث أثبتت المعاينات أن الضحايا تم اعتقالهم أحياء ثم تصفيتهم بدم بارد، وتعذيب المهندس عبد الفتاح بطعنات غائرة في ظهره، وإعدامه ميدانياً بست رصاصات استقرت إحداها القاتلة في عنقه، بعد أخذ بصماته قسراً لتلفيق التهم، ليرتقي شهيداً طاهراً.
شهادات الوفاء والرثاء من رفاق الدرب
وتخليداً لذكراه العطرة، تبارى الزملاء والأصدقاء في توثيق مناقب الشهيد كانت شهادة النائب السابق والقيادي بجماعة الإخوان أ.محمد العزباوي، الذي شهد بحسن خلق الشهيد وسأل الله أن يجمعهم مع الصديقين والشهداء، مبلغاً سلام زوجته لزوجة الشهيد.
و"أسماء غزال" على موقع فيسبوك (Asmaa Ghazal) والتي استحضرت مقولة المفكر الشهيد سيد قطب عن الحاجة إلى "زعماء بلا مجد وبلا شهرة وبلا بريق، وجنود مجهولين وفدائيين حقيقيين لا يعنيهم تصفيق الجماهير"، مؤكدة أن المهندس عبد الفتاح أمينا عاما للجماعة (ربما قصدت بفضل عمله الدؤوب) كان تجسيداً حياً لهذه المعاني السامية.
وعبد الفتاح محمد إبراهيم السيسي (الشهير بالمهندس عبد الفتاح السيسي) ولد في 22 ديسمبر 1963 وترعرع في محافظة الغربية بجمهورية مصر العربية ببسيون واستشهد في 1 يوليو 2015 (الموافق 14 رمضان) من ذلك العام، وكان عمره عند الاستشهاد: 51 عاماً قضاها في العمل العام والخدمة المجتمعية.
ونختم بأبيات كتبها بلال هشام Bilal Hisham وهو ابن أحد ضحايا شقة أكتوبر في رثائه:
إن العقيدة والجهاد للجنة كالمفتاح
بها يعم في بلادنا الخير والصلاح
وإن نحن يوماً هجرناها فبئس لنا
ولأصابنا الخزي ولا نلنا الفلاح
فلنقتدي بشهدائنا في ذلك السبيل
أمثال قائدنا المهندس عبدالفتاح
https://www.facebook.com/mohmad.m.elezbawy/posts/pfbid024H5QR77r789XVbtfADXFji1jjhS41AU7x5gmNj1QQbrBrAQLLBwXdVyXJRhAKgbjl
https://www.facebook.com/photo/?fbid=27450468924607451&set=a.270099226404455
https://www.facebook.com/reel/1366964672132543