«فضائيات بير السلم».. قنوات التلفزيون لمن يدفع فى زمن العصابة

- ‎فيتقارير

لم تعد شاشة التليفزيون فى زمن الانقلاب، بالنسبة لبعض القنوات، مجرد مساحة لبث البرامج والمحتوى الإعلامي، وإنما تحولت إلى مساحة يمكن تأجيرها لمن يدفع، في نموذج تجاري عُرف خلال السنوات الماضية باسم «بيع الهواء».

وبينما تنظر بعض القنوات إلى تأجير ساعات البث باعتباره وسيلة لتعويض تكاليف التشغيل والإنتاج، يثير هذا النموذج أسئلة عديدة حول طبيعة المحتوى الذي يصل إلى المشاهد، ومن يحدد الضيوف والموضوعات، وما إذا كان ما يقدم على الشاشة يخضع فعلًا للمعايير المهنية أم أن المقابل المالي أصبح العامل الحاسم.

 

الأعلى للإعلام

كان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قد أعلن مع تزايد الشكاوى المتعلقة بـ «بيع الهواء»، عن مراجعة جميع عقود الإنتاج المشترك السارية التي تكون إحدى القنوات الخاصة طرفًا فيها، مع إيقاف البرامج المخالفة فورًا، مؤكدًا أن المراجعة تستهدف التأكد من توافق العقود مع القانون والضوابط التنظيمية وفق تعبيره

يُشار إلى أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام كان قد وضع في عام 2018 إطارًا يلزم المؤسسات الإعلامية التي ترغب في تأجير أو منح أو التنازل عن جزء من وقت البث للغير بالحصول على موافقته قبل إبرام الاتفاق.

 

إيجار ساعة بث

فى هذا السياق كشف تقرير أن إيجار ساعة بث كاملة في إحدى القنوات التي تشتهر بهذا النموذج بلغ نحو 7 آلاف جنيه في العاشرة صباحًا، ليرتفع السعر تدريجيًا حتى يصل إلى 10 آلاف جنيه بداية من الثالثة عصرًا وحتى منتصف الليل.

وأوضح التقرير أن التعاقد قد يتم لمدة ثلاثة أشهر، مع سداد المقابل على أقساط شهرية، إلى جانب إتاحة نشر الحلقة أو الفقرة عبر «يوتيوب» ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن السعر لا يتوقف عند هذا الحد، فالقنوات الأكثر شهرة التي لا تعتمد بصورة كاملة على تأجير الهواء قد تفرض أسعارًا أعلى.

ووفق التقرير وصل سعر أربع حلقات شهرية في إحدى الحالات إلى نحو 90 ألف جنيه، بينما يمكن أن ترتفع قيمة الفقرة كلما اقترب موعدها من أوقات المشاهدة الأعلى أو كانت القناة أكثر انتشارًا.

 

الضيوف يدفعون

وأشار إلى تفاوت أسعار الفقرات بين القنوات، وفقًا لطبيعة البرنامج وموعده ومدته، مؤكدا أن بعض الضيوف الذين يدفعون مقابل الظهور في فقرة تلفزيونية، خصوصًا عندما يكون الهدف الترويج لخدمة أو نشاط تجاري أو بناء حضور إعلامي، ومشددا على أن المقابل في إحدى الحالات تراوح بين 15 و25 ألف جنيه للظهور في فقرة مدتها نحو 20 دقيقة على قناة شهيرة.

وأوضح التقرير أن أكثر المستفيدين من هذا النموذج، الأطباء والمحامون وأصحاب الشركات والخدمات، ممن يمثل الظهور التلفزيوني بالنسبة لهم وسيلة للتعريف بأنفسهم والوصول إلى عملاء جدد.

ولفت إلى انتشار وكالات تقدم خدمات الظهور الإعلامي، وتعمل كحلقة وصل بين مستأجري ساعات البث والأشخاص الراغبين في الظهور، سواء لأغراض دعائية أو رغبة في الشهرة.

 

فضائيات بير السلم

من جانبه قال الخبير الإعلامي ياسر عبدالعزيز، إن ظاهرة بيع ساعات البث ترتبط في الأساس بأزمة اقتصاديات صناعة الإعلام، معتبرًا أن القنوات ذات المكانة لا تقبل عادة التخلي عن سيطرتها على الخط التحريري لما يُعرض على شاشتها.

وربط «عبدالعزيز» فى تصريحات صحفية انتشار الظاهرة بالوضع الاقتصادي لصناعة الإعلام وظهور ما وصفه بـ«فضائيات بير السلم»، محذرًا من أن هيمنة النزعة التجارية قد تؤدي إلى عدم ضبط المحتوى، والترويج لسلع أو خدمات مغشوشة، وإتاحة الفرصة أمام عناصر غير مؤهلة للعمل الإعلامي.

 

المحتوى الإعلامي

وأكدت الدكتورة نشوة عقل، وكيل كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن ظاهرة تأجير ساعات البث لها تأثيرات سلبية على جودة المحتوى الإعلامي بحانب إمكانية تضليل الجمهور، مشيرة إلى أن بعض البرامج، خصوصًا الطبية ومراكز التجميل والوصفات العلاجية، قد تستضيف شخصيات غير مؤهلة بسبب الاعتبارات المادية.

وقالت نشوة عقل فى تصريحات صحفية إن الخطورة تصبح أكبر عندما لا يكون هناك فصل واضح بين الإعلان والمحتوى التحريري؛ إذ يفترض في الإعلان أن يكون معلومًا للمشاهد بوصفه مادة ترويجية، بينما يؤدي تقديمه في شكل حوار أو تقرير أو فقرة إعلامية إلى خلق حالة من الالتباس لدى الجمهور.

وحذرت من أن تأجير ساعات البث لا يمثل مجرد نموذج تجاري لتعويض تكاليف الإنتاج، وإنما قد ينعكس بصورة مباشرة على المهنية الإعلامية عندما يحصل المستأجر على مساحة يستطيع من خلالها فرض توجهاته وأذواقه الخاصة.

 

مادة دعائية

وأضافت نشوة عقل أن المشكلة تظهر بصورة أكبر عندما يتحول المحتوى إلى مادة دعائية أو يتضمن معلومات غير دقيقة، خصوصًا في المجالات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، مثل الطب والتجميل والوصفات العلاجية.

وشددت على أن جوهر الأزمة ليس في وجود مقابل مالي أو رعاية تجارية في حد ذاته، وإنما فيمن يمتلك القرار التحريري؛ فإذا كانت القناة تحتفظ برقابتها المهنية على كل ما يعرض على شاشتها، يصبح من الممكن التمييز بين الإعلان والمحتوى، أما إذا أصبح المال هو صاحب القرار في اختيار الضيوف والموضوعات، فإن وظيفة الإعلام تتراجع لصالح التجارة.