برزت الأزمة السودانية في صدارة تحركات مصر الدبلوماسية خلال الأيام الماضية، مع تكثيف القاهرة اتصالاتها مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة وأطراف سودانية وإقليمية، في محاولة لإعادة تحريك مسار سياسي يُنهي الحرب ويحافظ على وحدة البلاد.
تأتي التحركات المصرية في وقت لا تزال فيه واشنطن تملك قدراً مهماً من خيوط الأزمة السودانية، مع استمرار تحفظات لديها بشأن التعامل مع الجيش السوداني ومجلس السيادة الانتقالي باعتبارهما السلطة الشرعية، وهو ما يفتح الباب أمام خلافات حول طبيعة أي تسوية سياسية مقبلة.
وتسعى القاهرة إلى تهيئة الأجواء لإطلاق عملية سياسية تفضي إلى وقف الحرب، مع التأكيد على بقاء السودان موحداً وعدم السماح بتكريس كيانات أو مؤسسات موازية يمكن أن تدفع البلاد نحو التقسيم.
تواصل مع واشنطن والأمم المتحدة
قال مصدر دبلوماسي إن التحركات المصرية تهدف أساساً إلى ضمان بقاء السودان موحداً، في ظل تعقيدات أمنية وعسكرية وسياسية متزايدة على الأرض، مشيراً إلى أن القاهرة تسعى لاستعادة المسار السياسي ما يضمن الاعتراف بالمؤسسات الشرعية وفتح المجال أمام عملية سياسية، مضيفا أن القاهرة لا تريد السماح لكيانات موازية بأن يتحول وجودها إلى واقع يكرس تقسيم البلاد، مشدداً على أن مصر عملت خلال الأشهر الماضية على الحفاظ على موازين القوى ما لا يقود إلى تفتيت السودان، في ظل أوضاع تشير إلى تمدد خطر التقسيم.
وتخشى القاهرة كذلك، من تحول الأزمة السودانية إلى صراع إقليمي أوسع، خصوصاً مع سعي إثيوبيا إلى مناكفة مصر عبر بوابة السودان، في وقت تقترب فيه الحرب أكثر من الحدود الإثيوبية، مشيرا إلى وجود دلالات سابقة على انخراط أديس أبابا في الصراع، كان آخرها مطلع الشهر الحالي، عندما أعلن الجيش إسقاط مسيّرة قدمت من الحدود الإثيوبية، بالتزامن مع احتدام المعارك في ولاية النيل الأزرق.
وترى القاهرة، أن السودان يمكن أن يتحول إلى ورقة في صراعات أكبر داخل منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ولذلك تحاول تحجيم هذا المسار عبر إيجاد منفذ سياسي يحد من التدخلات الخارجية.
وعقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، لقاءً ثلاثياً مع وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشئون العربية والأفريقية مسعد بولس، لبحث تطورات الأوضاع في السودان.
وتناول اللقاء الذي جمع المسئولين الثلاثة سبل البناء على الجهود القائمة لخفض التصعيد وتهيئة الأجواء للتوصل إلى تسوية سياسية مستدامة، ما يلبي تطلعات الشعب السوداني ويحفظ مصالحه الوطنية.
في اليوم نفسه، عقد عبد العاطي اجتماعاً ثنائياً مع مسعد بولس، بحثا خلاله أيضاً تطورات الأزمة السودانية، وجدد الوزير المصري تأكيده ضرورة حفظ وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وصون مؤسساته الوطنية ومقدرات شعبه.
كما تطرق لقاء عبد الفتاح السيسي ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف، إلى الأزمة السودانية، حيث أكد السيسي موقف مصر الراسخ الداعم لوحدة السودان واستقراره والحفاظ على مؤسساته الوطنية الشرعية.
وشدد السيسي على أن سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه تمثلان ثوابت لا يمكن المساس بها، مشيراً إلى انخراط مصر الفاعل والبناء في مختلف الأطر الدولية والإقليمية المعنية بالأزمة، بهدف وقف الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية ودعم مسار التسوية السياسية.
مصر والصين وروسيا والأزمة السودانية
وقال مصدر دبلوماسي مصري إن القاهرة هدفت أيضاً إلى إرسال إشارات مفادها أن هناك أطرافاً دولية أخرى لديها مصلحة في استقرار السودان ويمكن أن تلعب دوراً في التهدئة، خصوصاً الصين وروسيا، مشيرا إلى أن اجتماعات السيسي مع زعيمي الدولتين حظيت بتوافق على إيجاد حل سياسي لإنهاء الأزمة السودانية، معتبراً أن ذلك يُمثل ضغطاً غير مباشر على الإدارة الأمريكية للتحرك والضغط على قوات الدعم السريع وداعميها للتوجه نحو عملية سياسية.
وشدد المصدر على أن كثافة الاجتماعات التي تطرقت إلى الأزمة السودانية خلال الساعات والأيام الماضية تبرهن، بحسب تقديره، على وجود تحركات فاعلة على الأرض، يمكن أن تنعكس نتائجها خلال الأيام المقبلة على المستويين العسكري والسياسي.
وأشار في الوقت ذاته إلى وجود قنوات اتصال عديدة مع أطراف سودانية مختلفة، في إطار التحرك المصري الرامي إلى دفع المسار السياسي وخفض التصعيد، لافتا إلى أن تحركات القاهرة ترتبط أيضاً بمخاوف من ارتدادات سلبية على الأمن القومي المصري عبر الحدود الجنوبية، في ظل اتساع رقعة الصراع وتعدد دوائر الاهتمام الاستراتيجي بالمنطقة.
ويشهد البحر الأحمر توترات مرتبطة بالأوضاع في باب المندب ومضيق هرمز، بالتوازي مع تصعيد خطط التهجير الإسرائيلية في قطاع غزة على الحدود الشمالية الشرقية المصرية، وهو ما يجعل هناك حاجة إلى تبريد الصراع في إحدى الجبهات.
وتخشى القاهرة من وجود مناطق رخوة يمكن أن تتأثر سلباً بحالة الفوضى المنتشرة في السودان، في ظل وجود أطراف عديدة مسلحة.
كما أن للقاهرة رغبة في تسريع العودة الطوعية للسودانيين، وهو ما يحتاج إلى حل سياسي يوقف الحرب ويمنح مزيداً من الاستقرار في مناطق وولايات ما زالت تشهد صراعات مسلحة.
يرتبط ذلك، وفق المصدر، بأوضاع اقتصادية مصرية صعبة تهدف الحكومة إلى التخفيف من وطأتها خلال الأيام المقبلة.
وقال المصدر الدبلوماسي المصري إن القاهرة تخشى أن يؤدي استمرار الصراع إلى مزيد من التصعيد العسكري، ما قد يفتح الباب أمام اتساع نطاق التدخلات الإقليمية والدولية في السودان.
وتنخرط القاهرة، إلى جانب الولايات المتحدة، في جهود ومبادرات تستهدف التوصل إلى تسوية للأزمة ووقف الحرب، وتهدف الآن إلى إعادة تحريك ملف الأزمة السودانية بعد أشهر من الجمود منذ اندلاع الحرب الإيرانية.
يأتي التحرك المصري الحالي تجاه السودان في إطار رؤية أوسع لأمن المنطقة، تشمل أيضاً الأوضاع في ليبيا وأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، والقضية الفلسطينية، مشيرا إلى أن تعدد بؤر الصراع في المنطقة يفرض على مصر تكثيف جهودها لمنع اتساع نطاق الأزمات.
الحل يجب أن يبقى سودانياً
استقبل وزير الخارجية المصري في 14 سبتمبر 2026، المبعوث الشخصي للسكرتير العام للأمم المتحدة للسودان، بيكا هافيستو، لبحث تطورات الأزمة السودانية والجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف التصعيد ودعم مسارات التهدئة.
وأكد عبد العاطي خلال اللقاء "ثبات الموقف المصري الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية"، مشدداً على ضرورة احترام مبدأ الملكية السودانية للحل السياسي، حسب ما أوردته وزارة الخارجية في بيان لها.
واتفق الجانبان على أهمية احترام سيادة السودان، ومساندة الجهود الرامية إلى خفض التصعيد والتوصل إلى حل سياسي شامل، إلى جانب ضمان نفاذ المساعدات الإنسانية والعمل على تخفيف معاناة الشعب السوداني.
وشدد عبد العاطي في حوار تلفزيوني نهاية الأسبوع الماضي، على أن مصر "تتعامل مع الأزمة السودانية من منطلق إعلاء المصالح الوطنية السودانية والحفاظ على مقدرات الشعب السوداني"، مؤكداً أن مواقف مصر واضحة وناصحة للجميع بالعمل على الحفاظ على وحدة الدولة.
كما شدد عبد العاطي على "الرفض الكامل لأي كيانات موازية"، مؤكداً أنه "لا يمكن وضع أي ميليشيات أو كيانات موازية على نفس الكفة مع الجيش الوطني السوداني" أو مع مؤسسات الدولة السودانية.
وذكر أن هناك تعليمات من السيسي بالحرص على التحرك على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية لوضع حد لهذه الحرب، مؤكدا على انه "لا يوجد حل عسكري في السودان".
حسب وزير الخارجية المصري، فإن القاهرة وضعت "خطوطا حمراء" فيما يتعلق بتطورات الأوضاع في السودان، مؤكداً أن مسألة وحدة السودان شديدة الأهمية وتحظى بأولوية بالغة، متابعا "تقسيم السودان ليس مطروحا على الإطلاق ولن نسمح بحدوثه، إذا انقسم السودان – لا قدر الله- فإنه سينقسم لعدة دويلات وليس إلى دولتين فقط، ولنا فيما حدث في السابق درس لا بد أن نعيه"، مؤكداً أن هذه المسألة "خطيرة جدًا وتمس مصالح السودانيين أنفسهم".
الخلاف مع واشنطن حول شكل التسوية
قال مصدر مصري مطلع إن موقف القاهرة تجاه الأزمة السودانية يقوم على ثوابت واضحة، في مقدمتها الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ودعم مؤسسات الدولة الوطنية.
وأشار إلى أن الاجتماعات العديدة مع الإدارة الأمريكية مؤخراً تهدف إلى تذليل خلافات بشأن طروحات الولايات المتحدة للحل، التي تتمثل في التعامل مع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع باعتبارهما طرفين متساويين.
وأوضح المصدر الدبلوماسي أن هذا الخلاف يظهر خصوصاً فيما يتعلق بمقترح فرض حظر شامل على السلاح، معتبراً أن هذا الطرح يمثل خطأً استراتيجياً إذا لم يراعِ طبيعة مؤسسات الدولة ووضعها القانوني.
أضاف أن القاهرة ترى ضرورة التمييز بين مؤسسات الدولة السودانية والقوى المسلحة الخارجة عنها، مؤكداً أن دعم الانتقال السياسي والمدني لا يعني إضعاف مؤسسات الدولة أو تجاوزها، وإنما الحفاظ عليها باعتبارها جزءاً أساسياً من أي تسوية مستدامة.
وترفض مصر بصورة واضحة أي محاولات لتشكيل حكومات أو مؤسسات موازية في السودان، لما يمكن أن يترتب عليها من تداعيات على وحدة البلاد، وترى أن الحل ينبغي أن يحافظ على مؤسسات الدولة ويحول دون تكريس الانقسام.
وقال المصدر فيما يتعلق بالجهود الأمريكية والدولية بشأن السودان، إنها تُعد استكمالاً للجهود المكثفة الرامية إلى وقف الحرب، مشدداً على أن أي تسوية يجب أن تحافظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه.
وأكد أن تسوية الأزمة السودانية يجب ألا تقود إلى تقسيم البلاد أو إنشاء كيانات ومؤسسات موازية، مشدداً على أهمية التمييز بين مؤسسات الدولة السودانية والقوى المسلحة.
واعتبر المصدر أن أي انتقال سياسي مدني ينبغي ألا يتم على حساب مؤسسات الدولة، أو أن يؤدي إلى التعامل معها والقوى المسلحة باعتبارهما طرفين متساويين.
أكد في المقابل أن القاهرة تدعم إطلاق حوار سياسي سوداني شامل يضم القوى والأحزاب الوطنية، وصولاً إلى توافق بشأن حكومة انتقالية من الكفاءات المستقلة.
وتتولى الحكومة الانتقالية، وفق الطرح المصري الذي نقله المصدر، إدارة المرحلة الانتقالية وتمهد لإجراء الانتخابات وصياغة دستور دائم، بالتوازي مع الدفع نحو التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.
الحرب تضغط على السودان ومصر معاً
تتواصل الحرب منذ أبريل 2023، على خلفية خلاف بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، فيما تشهد البلاد أزمة اقتصادية حادة مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع قيمة العملة المحلية، إذ تجاوز سعر الدولار 8 آلاف جنيه في السوق الموازية.
وقال مصدر دبلوماسي مصري إن القاهرة تنظر بقلق إلى استمرار الصراعات المسلحة في عدد من الدول العربية، في ظل تنامي أدوار القوى الإقليمية والدولية.
وأوضح أن مصر ترى أن استمرار هذه الأوضاع يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات، ما ينعكس على استقرار المنطقة ومصالح دولها، مشيراً إلى أن القاهرة تواصل الدفع باتجاه الحوار والحلول الدبلوماسية.
وترفض مصر، مسارات التصعيد التي تؤدي إلى إطالة أمد الصراعات أو تفكك مؤسسات الدول. وعلى المستوى الإنساني، فر إلى مصر ما يقرب من مليون ونصف مليون سوداني بعد اندلاع الحرب، بينما كان يقيم فيها نحو 5 ملايين سوداني قبل اندلاع الحرب.
وبلغ عدد السودانيين الذين عادوا طوعاً إلى بلادهم نحو 428 ألفاً و676 شخصاً حتى نهاية عام 2025، وفق أرقام سبق أن أعلنها السفير عبد القادر عبد الله، القنصل العام لجمهورية السودان في أسوان.
وأسفرت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وفق تقديرات أممية ودولية، عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص.
في ظل هذه المعطيات، تربط القاهرة بين وقف الحرب والحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة السودان، وتدفع باتجاه مسار سياسي يضم القوى والأحزاب الوطنية، بالتوازي مع جهود وقف إطلاق النار.
تقول المصادر المصرية إن تكثيف الاتصالات مع واشنطن والأمم المتحدة، إلى جانب التحركات مع أطراف دولية وإقليمية وأطراف سودانية مختلفة، يأتي في إطار محاولة إعادة تحريك الملف بعد فترة من الجمود.
يبقى الهدف المعلن لهذه التحركات هو الوصول إلى تسوية سياسية توقف الحرب، وتحافظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وتمنع تكريس كيانات موازية، مع دعم عودة الاستقرار وتهيئة الظروف أمام مرحلة انتقالية وصولاً إلى الانتخابات وصياغة دستور دائم.