إدانة بالاختطاف وإسقاط تهمة القتل ..القضاء الإيطالي يدين 3 ضباط مصريين في قضية ريجيني وعائلته : الحكم خطوة نحو العدالة.

- ‎فيتقارير

بعد أكثر من عشر سنوات على اختفاء الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة والعثور على جثمانه يحمل آثار تعذيب شديدة، أسدلت محكمة الجنايات في روما جانبًا من الستار على واحدة من أكثر القضايا التي ألقت بظلالها على العلاقات المصرية الإيطالية، بإدانة ثلاثة مسئولين أمنيين مصريين غيابيًا والحكم على كل منهم بالسجن 10 سنوات بتهمة الاختطاف المشدد.

وقضت المحكمة بإدانة الرائد مجدي إبراهيم عبد العال شريف، والعقيدين آسر كمال محمد إبراهيم وهشام حلمي، بينما برأت اللواء طارق صابر من التهمة الموجهة إليه. كما أسقطت المحكمة تهمة القتل عن شريف، وهي التهمة التي كان الادعاء الإيطالي قد طلب على أساسها عقوبة السجن المؤبد، في حين طلب للمتهمين الثلاثة الآخرين السجن 17 عامًا ونصف العام.

ويكتسب الحكم أهميته من كونه أول إدانة قضائية إيطالية لمسئولين أمنيين مصريين في قضية ريجيني، لكنه في الوقت نفسه لا يمثل إدانة قضائية لهم بجريمة قتل الباحث الإيطالي أو تعذيبه، إذ اقتصرت الأحكام الصادرة على جريمة الاختطاف.

 

إدانة بالاختطاف.. وإسقاط تهمة القتل

استغرقت مداولات المحكمة أكثر من ثماني ساعات قبل إصدار الحكم، الذي جاء دون الأخذ بطلبات النيابة العامة الإيطالية بشأن العقوبات.

وبحسب منطوق الحكم، عاقبت المحكمة المتهمين الثلاثة بالسجن عشر سنوات لكل منهم عن اختطاف ريجيني، فيما حصل طارق صابر على البراءة.

وكان الادعاء الإيطالي قد بنى اتهاماته على أن ريجيني اختُطف وتعرض للتعذيب ثم قُتل في القاهرة، وطالب في يونيو الماضي بالسجن المؤبد لمجدي شريف، وبالسجن 17 عامًا ونصف العام لكل من آسر كمال محمد إبراهيم وهشام حلمي وطارق صابر.

ومن المنتظر أن تودع المحكمة حيثيات حكمها خلال 90 يومًا، وهو ما سيكشف الأساس القانوني الذي استندت إليه في إدانة المتهمين بالاختطاف وعدم الأخذ باتهامات القتل والتعذيب.

كما ألزمت المحكمة المدانين الثلاثة بدفع تعويضات مدنية مؤقتة تبلغ في مجموعها 650 ألف يورو، من بينها 200 ألف يورو لوالد ريجيني كلاوديو، و200 ألف لوالدته باولا، و100 ألف لشقيقته إيريني، و150 ألفًا لرئاسة الوزراء الإيطالية، على أن يجري تحديد قيمة التعويضات النهائية في دعاوى منفصلة. وقضت المحكمة كذلك بحرمان المدانين الثلاثة بصورة دائمة من تولي الوظائف العامة.

 

ريجيني.. اختفاء انتهى بجثمان يحمل آثار تعذيب

كان جوليو ريجيني، الباحث وطالب الدراسات العليا في جامعة كامبريدج البريطانية، يبلغ 28 عامًا عندما اختفى في القاهرة يوم 25 يناير 2016.

وبعد تسعة أيام، عُثر على جثمانه ملقى على طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي، وعليه آثار إصابات وتعذيب واسعة، وفق ما أوردته التحقيقات والتغطية القضائية الإيطالية.

وكان ريجيني يجري أبحاثًا أكاديمية حول النقابات العمالية المستقلة في مصر، وهو الملف الذي أصبح لاحقًا أحد المحاور الرئيسية في التحقيقات الإيطالية بشأن دوافع اختفائه والجهات التي يُعتقد أنها احتجزته.

ومنذ العثور على جثمانه، تحولت القضية إلى أزمة دبلوماسية بين القاهرة وروما، واستمرت الخلافات حول المسئولية عن اختفائه ووفاته لأكثر من عقد.

 

روايتان متناقضتان حول الجريمة

منذ الأيام الأولى للقضية، تبنت السلطات المصرية رواية مختلفة عن تلك التي خلص إليها الادعاء الإيطالي. وفي مارس 2016، أعلنت وزارة الداخلية المصرية تصفية خمسة أشخاص قالت إنهم شكلوا عصابة متخصصة في انتحال صفة ضباط الشرطة وخطف الأجانب وسرقتهم بالإكراه، وقالت إنها عثرت على متعلقات تخص ريجيني داخل منزل شقيقة أحد القتلى.

لكن النيابة العامة الإيطالية وعائلة ريجيني رفضتا هذه الرواية، واعتبر التحقيق الإيطالي أن الأدلة التي توصل إليها تشير إلى مسئولية أفراد من الأجهزة الأمنية المصرية عن اختطاف الباحث الإيطالي.

وفي السنوات اللاحقة، تراجع التعاون القضائي بين البلدين، بينما استمر الادعاء الإيطالي في بناء ملفه على شهادات وتحريات وأدلة فنية قال إنها تربط المتهمين باختطاف ريجيني.

وتشير النيابة الإيطالية إلى أن التعاون القضائي المصري لم يوفر لها جميع المواد التي طلبتها للتحقيق، فيما تنفي القاهرة تورط أجهزة الدولة في الجريمة.

 

محاكمة غيابية بعد سنوات من التعطيل

لم يحضر المتهمون الأربعة جلسات المحاكمة، وهو ما كان أحد أبرز العقبات التي واجهت المسار القضائي في إيطاليا. وبحسب السلطات القضائية الإيطالية، تعذر إخطار المتهمين رسميًا بإجراءات القضية، في ظل عدم الحصول من الجانب المصري على عناوينهم أو معلومات تسمح بإبلاغهم.

وتسبب ذلك في تعطيل المسار القضائي لفترة طويلة، قبل أن تتدخل المحكمة الدستورية الإيطالية للسماح باستمرار الإجراءات، ثم أعيد إطلاق المحاكمة في روما.

وفي يناير 2026، سمحت المحكمة الدستورية باستئناف المحاكمة بعد معالجة الإشكالات القانونية المتعلقة بحقوق الدفاع، لتصل القضية في سبتمبر إلى مرحلة النطق بالحكم.

وبذلك، صدر الحكم الأخير في غياب المتهمين، الذين لا يزالون خارج إيطاليا، ما يجعل تنفيذ العقوبات عمليًا مرتبطًا بوجودهم داخل الولاية القضائية الإيطالية أو بأي تطورات تتعلق بتسليمهم.

 

النيابة الإيطالية: التحقيقات لم تتوقف

كانت النيابة العامة في روما قد طالبت في يونيو الماضي بالسجن المؤبد لمجدي شريف، وبالسجن 17 عامًا ونصف العام للمتهمين الثلاثة الآخرين، مؤكدة أمام المحكمة أن لديها من الأدلة ما يربط المتهمين بعملية اختطاف ريجيني وما تلاها من وقائع.

وعقب الحكم، أعلن المدعي العام في روما فرانشيسكو لو فوي أن النيابة ستدرس منطوق الحكم والحيثيات قبل اتخاذ قرار بشأن الاستئناف.

وتكتسب الحيثيات المنتظر صدورها خلال 90 يومًا أهمية خاصة، لأنها ستوضح لماذا اعتبرت المحكمة الأدلة كافية للإدانة بالاختطاف، لكنها لم تجد أساسًا قانونيًا كافيًا لإدانة المتهمين بجريمة القتل.

 

10 "سنوات من العقبات".. التعاون القضائي في مرمى الانتقادات

أعادت القضية أيضًا فتح ملف التعاون القضائي بين القاهرة وروما. وبحسب النيابة الإيطالية، تقدمت السلطات الإيطالية بعشرات الطلبات إلى الجانب المصري للحصول على معلومات ووثائق وأدلة مرتبطة بالتحقيقات، بينما تقول مصادر قضائية إيطالية إن عددًا من هذه الطلبات لم تتم الاستجابة لها.

وتقول النيابة في روما إن من بين المواد التي لم تحصل عليها معلومات تتعلق بحركة الهواتف، وبيانات وملفات مرتبطة بمتابعة ريجيني، وسجلات عمل الأجهزة الأمنية.

وفي المقابل، تؤكد السلطات المصرية أن التحقيقات التي أجريت داخل البلاد لم تثبت تورط أجهزة الأمن في اختطاف ريجيني أو قتله.

وهكذا بقي الخلاف بين البلدين قائمًا حول جوهر القضية: هل كان ريجيني ضحية جريمة جنائية ارتكبتها عصابة، كما قالت الرواية المصرية في مرحلة مبكرة، أم أنه وقع ضحية لعملية اختطاف نفذها مسئولون أمنيون، كما خلص الادعاء الإيطالي؟

 

عائلة ريجيني: الحكم خطوة نحو العدالة

رحبت عائلة ريجيني بالحكم الصادر في روما، بعد سنوات طويلة من المعارك القضائية. واعتبرت محامية الأسرة أليساندرا باليريني أن صدور الحكم يمثل خطوة مهمة في مسار الوصول إلى العدالة، ودعت الحكومة الإيطالية إلى التعامل مع الحكم باعتباره أساسًا لإعادة تقييم علاقاتها مع القاهرة. وهذا الموقف يعبر عن عائلة ريجيني ومحاميتها ولا يمثل بالضرورة موقف الحكومة الإيطالية الرسمي.

وبالنسبة إلى الأسرة، فإن الوصول إلى حكم قضائي بعد أكثر من عقد من اختفاء جوليو ووفاته يمثل نهاية مرحلة طويلة من الانتظار، لكنه لا يغلق الملف بالكامل، خصوصًا مع إسقاط تهمة القتل وعدم وجود المتهمين داخل إيطاليا.

 

حكم قضائي.. وملف سياسي مفتوح

لم تكن قضية ريجيني مجرد ملف جنائي بين دولتين، بل تحولت منذ عام 2016 إلى واحدة من أبرز نقاط التوتر في العلاقات المصرية الإيطالية.

فالقضية تسببت في استدعاء السفراء وخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية في مراحل سابقة، قبل أن تعود العلاقات تدريجيًا إلى مسار أكثر تعاونًا، خصوصًا في ملفات الطاقة والهجرة والاستثمار والأمن. لكن الحكم الجديد يعيد القضية إلى الواجهة في وقت تسعى فيه القاهرة وروما إلى الحفاظ على علاقات متعددة المستويات.

ومن الناحية القانونية، يُمثل الحكم إدانة واضحة لثلاثة مسئولين أمنيين مصريين بجريمة اختطاف ريجيني، مع براءة متهم رابع وإسقاط اتهام القتل عن المدانين. ومن الناحية السياسية، يبقى السؤال الأوسع متعلقًا بما إذا كان الحكم سيؤثر على مستوى التعاون بين البلدين، خصوصًا أن تنفيذه يبدو صعبًا في ظل وجود المدانين خارج إيطاليا.

 

بعد عشر سنوات.. أسئلة بلا إجابات كاملة

بعد أكثر من عقد على اختفاء جوليو ريجيني، لم تقدم القضية إجابة قضائية إيطالية كاملة عن جميع تفاصيل ما جرى له منذ اختفائه وحتى العثور على جثمانه.

فالمحكمة أدانت ثلاثة متهمين بالاختطاف، لكنها لم تدنهم بجريمة القتل، بينما برأت متهمًا رابعًا. ومن ثم، فإن الحكم يمثل محطة مهمة في المسار القضائي الإيطالي، لكنه لا يُنهي الجدل حول المسئولية الكاملة عن تعذيب ريجيني وقتله، ولا يحسم بصورة نهائية كل الخلافات بين التحقيقين المصري والإيطالي.

وتظل القضية، بعد عشر سنوات، مثالًا على تعقيدات المحاسبة القضائية في القضايا العابرة للحدود، حين تتداخل التحقيقات الجنائية مع العلاقات الدبلوماسية، وتتصادم روايات الأجهزة الرسمية مع ما توصلت إليه سلطات قضائية في دولة أخرى.

وبينما تستعد النيابة الإيطالية لدراسة إمكانية الاستئناف، ينتظر الجميع حيثيات الحكم التي قد تكشف بصورة أوضح لماذا انتهت المحكمة إلى الإدانة بالاختطاف دون القتل، وما الأدلة التي اعتبرتها كافية للوصول إلى هذه النتيجة.

ويبقى اسم جوليو ريجيني حاضرًا في قلب العلاقة المصرية الإيطالية، بوصفه ملفًا لم يغلقه مرور السنوات، ولا تزال تبعاته القانونية والسياسية مفتوحة على احتمالات عدة.