شهدت أروقة التجمعات النيابية والقضائية حالة من الغليان، عقب إصرار وزارة المالية على صرف رواتب القضاة لشهر أكتوبر باستقطاع ضريبة الدخل من إجمالي صافي الراتب، متضمنا الأجر الأساسي والأجر المتغير، بما يتضمنه من حوافز وبدلات.
وشهدت الأشهر الماضية أزمة بين وزارة المالية والقضاة؛ بسبب آلية احتساب الضرائب على رواتبهم، على أساس الأجر الشامل المتضمن البدلات والامتيازات التي يحصلون عليها، وتفوق قيمتها في أكثر الأحوال قيمة الراتب الأصلي. وهي آلية من شأنها إدخال غالبيتهم تحت الشريحة الأعلى من الضرائب، التي تصل إلى استقطاع ما يبلغ قيمته 22.5% من الأجر، بدلا من نحو 11% حاليا للسواد الأعظم منهم.
وزير المالية فى حكومة الانقلاب، محمد معيط، كان قد خاطب جميع الهيئات القضائية لتطبيق الكتاب الدوري رقم 6 لسنة 2019 بأثر رجعي، وذلك باحتساب الضريبة على الرواتب وفق الأجر الشامل، متضمنا جميع ما يحصل عليه القاضي، على غرار باقي العاملين في أجهزة الدولة المختلفة.
يأتي هذا بعد فشل محاولات رؤساء الهيئات القضائية التوصل إلى حل وسط مع الوزارة لإعادة احتساب ضريبة الدخل وتخفيض الشريحة الخاصة بالقضاة، واستبعاد بعض البدلات من صافي الراتب، الذي تحتسب الضريبة على أساسه، الأمر الذي يشكل هزيمة جديدة للقضاة في المعركة الممتدة مع نظام رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، الذي يبدو أنه قرر بشكل نهائي مناصبتهم العداء، بالتضييق المالي وحرمانهم من المزايا التي كانوا يتمتعون بها في السابق.
تهديد ووعيد
الأمر الذى دفع “نادي القضاة” بالتهديد واتخاذ إجراءات تصعيدية ضد الوزارة. وبينما وافق قضاة مجلس الدولة على تطبيق القرار عليهم في حال تطبيقه على جميع الهيئات القضائية، يبحث رئيس المجلس الأعلى للقضاء، المستشار عبد الله عصر، مع الحكومة آلية التطبيق، محاولا الحصول على موافقة بتعديل القرار، واستثناء القضاة من التطبيق على الأجر الشامل، خاصة أن الزيادات الأخيرة في رواتب القضاة بعد احتجاجهم لم تكن كافية لمواجهة الغلاء كما يرون، فضلاً عن أنهم يشيرون إلى أن طبيعة عملهم تتطلّب منهم التفرغ وعدم ممارسة أي أعمال أخرى.
كذلك، هدّد نادي القضاة بالدعوة إلى جمعية عمومية طارئة في مقرّ النادي في القاهرة، يحتشد فيها القضاة لإعلان رفضهم قرار وزير المالية، والتلويح بوصول التصعيد إلى درجة الإضراب عن العمل، وهو ما أدى إلى وساطات حكومية لاحتواء الموقف، ومحاولة التوصل إلى صيغة تفاهم وسطية مع الحكومة خلال الأيام المقبلة، وفق وعود تلقاها عصر من وزير العدل. وهدد القضاة باللجوء إلى إقامة دعوى قضائية ضد «المالية»، بسبب تعارض القرار الأخير مع الملحق الخاص بقانون السلطة القضائية، الذي نص على عدم خضوع البدلات لجدول الضرائب، وهو ما يرجّح تصعيد الأمر إلى المحكمة الدستورية بسبب تعارض الملحق الخاص بالرواتب مع قانون الضريبة على الدخل الذي تستند إليه الوزارة، ما قد يطيل أمد الأزمة، خاصة أن «الدستورية» عادة لا تفصل سريعا في القضايا.

صدام وانتقام
وتأتي التعديلات الجديدة على طريقة حساب الضرائب تنفيذا لتوجيهات المنقلب عبد الفتاح السيسي، المرتبطة بضرورة تنفيذ التحصيل الشامل للضرائب على جميع العاملين في القطاع الحكومي، وتقليص الجهات المستثناة إلى أقلّ عدد ممكن، خاصة في ظلّ اعتماد ميزانية الدولة على تحصيل الضرائب والرسوم والخدمات بصورة رئيسة. وحتى الآن، لم تبدِ وزارة المالية أي موقف تجاه القضاة، على رغم حالة الغضب التي تسيطر عليهم. وعلى رغم التصعيد الجاري حاليا، تتحدث التقارير الأمنية عن صعوبة تشكل موقف موحد لدى القضاة، أو ترجمة التهديدات حتى من نادي القضاة، إذا ما قُدِّمَت تطمينات مباشرة من السلطة بتحسين وضع الرواتب في المستقبل القريب، وزيادة الاستقطاعات المالية التي ستُعدَّل لمصلحة أندية القضاة والجهات القضائية المختلفة خلال الفترة المقبلة، وذلك بتعديل الرسوم المفروضة في المحاكم المختلفة.
وكان مجلس القضاء الأعلى، باعتباره السلطة العليا للقضاء العادي، والذي تصل فيه انتدابات القضاة ومكافآتهم الخارجية إلى أقل معدلاتها، مقارنة بمجلس الدولة والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة، قد حاول مع وزارة المالية إعادة تقييم أسس احتساب ضريبة الدخل، بحيث يتم استبعاد كل من بدل القضاء وبدل التمثيل من الوعاء الضريبي لكل قاضٍ، استنادا إلى البند “رابعاً” من قواعد تطبيق جدول المرتبات الخاص بقانون السلطة القضائية 46 لسنة 1972.
لكن الوزارة، من جانبها، تمسكت باحتساب البدلين، استنادا إلى فقرة أخرى من نفس البند، والتي تنص على أنه “لا يجوز أن تزيد مجموع البدلات، مهما تعددت، على 100 في المائة من المرتب الأساسي”، وهو الأمر الذي تم تجاوزه بأضعاف مضاعفة نتيجة التوسع في استحداث وزيادة البدلات للقضاة على مدار السنوات العشرين السابقة.
فشل المفاوضات
وأدت هذه الطريقة المستحدثة في حساب الضريبة، والتي فشلت المجالس العليا للهيئات القضائية في التوصل إلى تسوية بشأنها مع وزارة المالية، إلى رفع متوسط الوعاء الضريبي للقضاة إلى أعلى شريحة دخل ممكنة لاستقطاع الضريبة، ليتم الاستقطاع بنسبة 22.5 في المائة من إجمالي ما يحصلون عليه.
وعلى الرغم من أن هذه هي الطريقة المتبعة في احتساب الضريبة لباقي جهات الدولة، إلّا أن القضاة، الذين طالما تمتعوا بوضع متفرد ماليا وهيكليا في عهد المخلوع حسني مبارك، باتوا يشعرون بأنهم خرجوا تماما من حسابات السيسي كسلطة يرغب في مهادنتها والحصول على دعمها. وذلك لأن المساس بالأوضاع المالية لعموم القضاة، من خلال زيادة الضريبة ثم توحيد جهة الندب “أعمق أثراً وأكثر سلبية على جموع القضاة من قراراته السابقة، التي كانت تثير حفيظة فريق منهم، وليس جميعهم”، كإلغاء الأقدمية والاستئثار بتعيين رؤساء الهيئات بناءً على تحريات أمنية ورقابية، أو تأخير التعيينات والترقيات الجديدة، أو استخدام الأكاديمية الوطنية للشباب كعامل حاسم لاختيار القضاة الجدد، على أسس أمنية ورقابية أيضا، ما يعني إلغاء دور المجالس العليا للهيئات القضائية في الاختيار النهائي للمعينين الجدد.

خلفيات
يتعدى إجمالي دخل كل مستشار سنويا حاجز 200 ألف جنيه، لذلك تصنف رواتب القضاة وفق تعديلات قانون الضريبة على الدخل الأخيرة، كشريحة خامسة، ما يعني دفع 22.5% من إجمالي الدخل.
سبق أن انتقد رواد مواقع التواصل رواتب القضاة عدة مرات، قائلين إنها لا تتناسب مع الظروف الاقتصادية التي يعاني منها المصريون.
يرى مجلس إدارة نادي قضاة مصر، أن الكتاب الدوري لوزارة المالية الخاص بتطبيق الضريبة على الأجور والمكافآت بأنواعها لا يجوز تطبيقه على القضاة، بحجة أن قانون السلطة القضائية قرر عدم خضوع رواتب القضاة للضرائب.
أعد النادي دعوى قضائية لرفعها أمام محكمة استئناف القاهرة لوقف تنفيذ قرار وزير المالية لحين الفصل في المشكلة، كما سيتم الدفع بعدم دستورية فرض الضرائب على دخول أعضاء السلطة القضائية لأنه لا يتم تطبيق نفس الخصم على نواب السلطة التشريعية.
سمحت التعديلات الدستورية الأخيرة التي أقرها مجلس النواب وصدق عليها السيسي، بتولي رئيس السلطة التنفيذية (الرئيس) تعيين قضاة المحاكم المصرية وإلغاء النظام القديم القائم على تعيين أقدم القضاة سنا في منصب رئيس كل هيئة.
أكدت مذكرة أرسلها نادي قضاة مجلس الدولة للبرلمان في 28 مارس 2019، أن التعديلات الدستورية تقضي على “ما تبقى للقضاء من استقلال، وتحيله مزعا مزقا، ومرفقا تديره السلطة التنفيذية”، وأنها “أسرفت في هدم استقلال القضاء، وأفرطت في النيل منه”.
وسبق تطبيق قانون “الضريبة” على القضاة العديد من القضايا بين نظام العسكر والسلطة القضائية. كان من بينها مشروع تعديل قانون الهيئات القضائية الذي ناقشه البرلمان مؤخرًا، وتمت إحالته لمؤسسات القضاء للبت فيه، حيث اعتبره البعض مساسًا بـ”استقلالية القضاء”، فضلاً عما يشتمل عليه من محاولة للسيطرة الكاملة على أذرع القضاء الأربعة (محكمة النقض ومجلس الدولة وهيئة قضايا الدولة وهيئة النيابة الإدارية) من خلال التدخل في تعيين رؤساء هذه الهيئات والتدخل في اختيار أعضائها، وهو نقض لما يسمى بالتحالف الهادئ بين القضاء والسلطة التنفيذية الحالية.

طعن في استقلالية القضاء
البداية تعود إلى الاقتراح المقدم من النائب أحمد حلمي الشريف، أحد أعضاء جبهة “دعم مصر” البرلمانية الداعمة لنظام السيسي، بشأن مشروع قانون لتعديل المادة (44) من قانون السلطة القضائية، والخاصة بطريقة تعيين رؤساء الهيئات القضائية الرئيسية، وهي محكمة النقض ومجلس الدولة وهيئة قضايا الدولة وهيئة النيابة الإدارية، بما يعيد النظر في بعض بنود هذا القانون السابقة، وتعديل البعض الآخر.
القانون يتلخص في إسناد سلطة تعيين رؤساء الهيئات القضائية الأربعة المذكورة، إلى رئيس الجمهورية الذي يختار رئيس كل هيئة من ضمن 3 قضاة ترشحهم الهيئة، وهو ما يتضمن نسفًا لكل ما كان يجري في السابق، حيث كانت الجمعية العمومية للهيئة أو المجلس الأعلى فيها، ترفع اسم أقدم الأعضاء بها إلى رئيس الجمهورية، للتصديق عليها، وبناءً عليه يصدر قرار جمهوري بالتعيين دون تدخل من رئيس الجمهورية بالاختيار أو الاستبعاد.
القانون بصيغته المقدمة يسمح لرئيس الدولة بتجاوز مبدأ الأقدمية المعمول به منذ القدم، ما يعد سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ القضاء المصري، فمن حق الرئيس هنا إذا ما تقدمت أي من الهيئات القضائية الأربع ببعض الأسماء المرشحة أن يتجاوز أقدمهم سنًا ويختار دون معايير واضحة من بين الأسماء الأخرى، ما يشكل تهديدًا لنفوذ السلطة القضائية داخل النظام الحاكم، إذ إن اختيار رؤساء أكبر هيئات قضائية في الدولة يصبح في يد الرئيس، وهو ما يجعل خيوط أرفع التنظيمات القضائية في يد السيسي بلا توازن.
القانون يتلخص في إسناد سلطة تعيين رؤساء الهيئات القضائية الأربع المذكورة، إلى رئيس الجمهورية الذي يختار رئيس كل هيئة من ضمن 3 قضاة ترشحهم الهيئة، وهو ما يتضمن نسفًا لكل ما كان يجري في السابق.