استيقظ اليمنيون فجر الأربعاء، على خبر إعلان تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية عن "هروب" رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي إلى مكان غير معلوم، وعدم صعوده على متن الطائرة المتجهة إلى الرياض مع وفد المجلس الانتقالي، الذي غادر مطار عدن في وقت متأخر، أمس الثلاثاء.
وفي الكواليس، قال مصدر حكومي في تصريحتات "، إن طائرة الخطوط الجوية اليمنية التي كان يفترض أن يصعد على متنها الزبيدي إلى الرياض، مساء أمس الثلاثاء، ظلت باقية في مطار عدن منذ الساعة الثامنة مساء بالتوقيت المحلي، وحتى ما بعد منتصف الليل، قبل أن تغادر وعلى متنها أعضاء وفد "الانتقالي" من دون الزبيدي، ليعلن متحدث التحالف فجراً "هروب الأخير إلى مكان غير معلوم". لاحقاً، شن التحالف بقيادة السعودية 15 غارة استهدفت محافظة الضالع معقل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي بعد إعلان التحالف عن "هروبه". وقالت مصادر محلية لـ"العربي الجديد"، إن الغارات على الضالع استهدفت منزل الزبيدي وموكب قائد قوات العاصفة اوسان العنشلي ومعسكر الزند ومعسكرات أخرى.
وتحت ضغط أنباء الهروب أو الاختفاء، سارع المجلس الانتقالي الجنوبي إلى إصدار بيان نفى فيه هروب الزُبيدي، مؤكداً أنه "يواصل مهامه من العاصمة عدن"، وأن وفداً رسمياً برئاسة الأمين العام للمجلس عبد الرحمن الصبيحي وصل إلى الرياض للمشاركة في المؤتمر المرتقب، في تأكيد، بحسب البيان، على "الانفتاح والتعاطي الإيجابي مع جهود الحوار". وزعم البيان تعذر التواصل مع الوفد الموجود في الرياض، وعدم توفر معلومات حول مكان وجوده أو ظروفه. كما أدان البيان الغارات السعودية في الضالع، مطالباً بوقفها فوراً. لكن محمد الغيثي، رئيس هيئة التشاور والمصالحة وعضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، قال لاحقاً في صفحته على إكس: "وصلت بمعية الزملاء من عدن الى مدينة الرياض، وفي اجواء إيجابية سنبدأ سلسلة لقاءات للتهيئة لحوار جنوبي- جنوبي برعاية الاشقاء في المملكة العربية السعودية".
ولم تقف التطورات الصباحية عند هذا الحدّ، بل تبعها اجتماع طارئ لمجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، تم فيه إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي في المجلس الرئاسي، وإحالته إلى النائب العام "لارتكابه الخيانة العظمى". وكان لافتاً في الاجتماع، حضور نائب الزبيدي في المجلس الانتقالي وعضو المجلس الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (أبو زرعة)، إضافة إلى عضو المجلس طارق صالح، والأخيران كانا قد أصدرا خلال الأيام الماضية بياناً مشتركاً مع الزبيدي، وعضو المجلس الرئاسي فرج البحسني، رفضوا فيه قرارات العليمي فرض حالة الطوارئ، ودعوة القوات الإماراتية إلى مغادرة الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، في أعقاب سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة شرقي البلاد، ورفضه سحب قواته، قبل أن تستعيد قوات "درع الوطن"، السيطرة على المحافظتين بعملية عسكرية يوم الجمعة الماضي، بدعم لطيران التحالف.
وكان المحرمي وطارق صالح، قد ظهرا خلال اليومين الماضيين في لقاءات منفصلة مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان في الرياض. ولم يكن الخطاب الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي، خلال الأيام الماضية، يوحي بأن رئيسه عيدروس الزبيدي قد يقدم على مغادرة المشهد بهذه الطريقة المفاجئة، بل على العكس، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي في بيان سابق استعداده للمشاركة بفاعلية لإنجاح مؤتمر الرياض المرتقب لعقد حوار بين مكونات الجنوب اليمني، مشيداً في الوقت ذاته بجهود السعودية بهذا الخصوص. وفي الـ24 ساعة الماضية التي سبقت الإعلان عن هروب الزبيدي، كانت الأنباء والتصريحات الصادرة عن المجلس الانتقالي تؤكد نيته المغادرة إلى الرياض على رأس وفد لـ"الانتقالي"، ليزيد المتحدث باسم المجلس أنور التميمي، في حديث مع "العربي الجديد"، بأن الزبيدي ذاهب إلى الرياض "بدعوة سعودية"، برفقة عدد من قيادات المجلس، حاملاً معه "أفكار المجلس بكل مكوناته الجنوبية ومنظمات المجتمع المدني لمؤتمر الرياض"، ما يطرح أسئلة بشأن ما إذا كان ذلك جزءاً من سياسة اعتمدها المجلس للتمويه على وضع الزبيدي.
وفي آخر اجتماع للزبيدي ترأس فيه هيئة رئاسة "الانتقالي الجنوبي" في مدينة عدن، الاثنين الماضي، أشاد في بيان، بـ"الجهود التي تقودها السعودية للإعداد لعقد مؤتمر حوار جنوبي شامل لبحث سبل حل قضية شعب الجنوب". كما أعرب عن "استعداد المجلس الانتقالي الجنوبي للمشاركة بفاعلية في إنجاح المؤتمر، بما يسهم في بلورة رؤية جنوبية جامعة، تتسق مع نضالات شعب الجنوب وتطلعاته في حقه بتقرير مصيره وفق إطار زماني محدَّد، تحت إشراف أممي ودولي".
ماذا يعني مؤتمر الرياض في ضوء التطورات؟
ترى الباحثة في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ميساء شجاع الدين، في حديث مع "العربي الجديد"، أن المؤتمر الجنوبي المزمع عقده في الرياض يهدف أساساً إلى "تقويض سردية أن المجلس الانتقالي هو الممثل الوحيد للجنوب، وتقويض سردية أن الجنوب كيان واحد ومتمايز بالكامل عن الشمال". وبحسب تقديرها، فإن المؤتمر سيشهد بروز أصوات تطرح شعارات من قبيل "عدن للعدنيين وحضرموت للحضارم"، ما يعكس تفكيكاً تدريجياً لفكرة التمثيل الجنوبي الموحد التي راكمها "الانتقالي" خلال السنوات الماضية.
لكن شجاع الدين تشير في المقابل إلى أن المؤتمر قد لا ينتج منه فعلياً سوى إعادة ترتيب الحكم على الأرض، ضمن معادلة ستكون السعودية اللاعب الأبرز في ضبطها وإدارتها. المشكلة، وفق تقديرها، تكمن في أن التعامل مع الوضع الأمني سيكون بالغ الصعوبة، في ظل وجود فراغ أمني، وانتشار للسلاح، وحالات نهب شهدتها مناطق عدة خلال الأيام الماضية، ما يجعل السيطرة السريعة على المشهد أمراً أكثر تعقيداً مما تتصوره الرياض، حتى مع تغيير القيادات أو إعادة هيكلة بعض القوى.
ومع ذلك، ترى الباحثة أن اللحظة تحمل أيضاً فرصاً، تتمثل في توحيد المعسكر المناهض للحوثيين، وتحسين أداء الحكومة، وإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني جنوباً، لكن يبقى السؤال مفتوحاً حول مصير عيدروس الزبيدي وموقعه في هذه المعادلة الجديدة. وتلفت شجاع الدين إلى وجود "تيار راديكالي داخل المجلس الانتقالي، مصمم على إنكار الواقع القائم". وتعرّض "الانتقالي الجنوبي" خلال الأيام الماضية للكثير من الانتكاسات، في أعقاب سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة، إذ خسر وجوده العسكري المباشر في هذه المناطق، لتلوح في الأفق خسارات أعظم تطاول نفوذه في محافظات عدن وأبين ولحج والضالع، وهي مناطق نفوذه الأبرز.
وأعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، الجمعة الماضي، بعد العملية العسكرية للحكومة في حضرموت والمهرة، ما سمّاه "الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي"، متضمناً تصوراً كاملاً لشكل الدولة، والنظام السياسي والاقتصادي، وهيئات الحكم خلال مرحلة انتقالية مدتها عامان، في خطوة أثارت جدلاً سياسياً واسعاً في اليمن. وحدّد الإعلان مرحلة انتقالية مدتها سنتان، قابلة للتمديد لمرة واحدة، بقرار من الهيئة التشريعية الانتقالية، بهدف "تهيئة الظروف لبناء دولة مدنية ديمقراطية".