تتكرر في تعليقات أصحاب المظالم على ظالميهم الجبابرة من عينة عبدالفتاح السيسي وزبانيته وفرق التعذيب والتصفية والإعدامات عبارات مثل “وعند الله تجتمع الخصوم” و“الظلم ظلمات” و“الظلم مؤذن بخراب العمران” و“الحمد لله أنها دنيا فانية” وهو خط يرفض الانتقام المباشر، ويُسقط الأمل في القصاص في الدنيا أو تأخيره لأجل الا يعلمه إلا الله على الآخرة.
“فاتورة” لا يمكن سدادها
وشكّل أخيرا منشور الباحث "مؤمن أشرف" المتخصص في الشأن العسكري نقطة مركزية في فهم حالة الغضب المتراكم، فهو يصف واقعًا “فاق حدود المنطق”، حيث تُستخدم الاتهامات الأخلاقية كسلاح سياسي، وتُنتهك الأعراض، وتُشوه السمعة، وتُفبرك القصص داخل السجون وخارجها.
ويرى مؤمن أن هذا الانحدار الأخلاقي ليس مجرد تجاوز فردي، بل مؤشر على انهيار منظومة القيم، وأنه يخلق “فاتورة” من المظالم لا يمكن لأي مجتمع أن يتحملها دون انفجار.
ويعدد مؤمن مظالم واسعة في آلاف فقدوا ذويهم وآلاف في السجون وآلاف تُنتهك أعراضهم وآلاف صودرت ممتلكاتهم وآلاف شُردوا وآلاف مُنعوا من السفر أو تسجيل أبنائهم وآلاف سُحقت حياتهم الاقتصادية، معتبرا أن هذا التراكم يولّد، بحسب مؤمن، حالة انتقام كامنة، ليس لأنها خيار، بل لأنها نتيجة طبيعية لغياب العدالة.
ويضم مؤمن من يؤيدون الظالم الطاغية وينصح أن "احفظوا الأسماء دي وخدوا سكرين شوتات.. بتكلم بجد.. عشان دول نفس الأشكال (…) اللي هيطلعوا بعد كده يقولوا احنا كنا مغلوبين على أمرنا.. ده لو ربنا كتب لهم عمر طبعاً".
لا للانتقام الأعمى
وعلق "ممدوح علي يوسف" بالحديث عن قضائه أكثر من 22 سنة في السجن، ويقول إن ما يراه الآن من دناءة في الأسلوب لم يره حتى في فترات سابقة مع الحكومة، ملمحا إلى أن ما يحدث الآن “جابوا ظرفها” وأن رد الفعل قادم، مع دعاء بأن يكون الناس على مستوى التغيير لا الانتقام الأعمى.
واستدرك البعض أن العقاب لابد أن يكون في الدنيا أيضا، فكتب أحمد خطاب أن من حقه الدعاء بالهلاك لمن ظلمه واستشهد Ahmad Khattab بدعاء نبي الله نوح:
"رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا" ويطلب عدل الله فيهم، في تعبير واضح عن رغبة في عقاب إلهي قاسٍ.
وتتردد عبارة "وعند الله تجتمع الخصوم" في وجدان الناس كلما ضاقت بهم سبل العدالة الأرضية، لتصبح ملاذًا نفسيًا وروحيًا يواجهون به قسوة الواقع. لكن اللافت في النقاشات العامة اليوم هو أن هذه العبارة لم تعد مجرد دعاء، بل تحولت إلى إطار تفسيري لفهم ما يجري من ظلم اجتماعي وسياسي، وإلى قناعة بأن العدالة الإلهية لا تنتظر الآخرة فقط، بل قد تتجلى في الدنيا أيضًا عبر سقوط الظالم أو انكشاف فساده أو تبدل الموازين.
إلا أن بهاء الدين عثمان الشريفي يعلق مذكرا بالقمع منذ الأذل وكتب: البوابة السوداء، الصامتون يتكلمون، سراديب الشيطان عن فترة جمال عبد الناصر وأن ما يحدث الآن “هو هو نفس ما يحدث الآن”، في إشارة لتكرار القمع والانتقام.
تُظهر ردود الناس في النقاشات العامة أن الإيمان بالقصاص الإلهي يترافق مع إحساس عميق بأن العدالة البشرية معطلة أو غير قادرة على حماية الضعفاء. البعض يرى أن الظلم يحمل بذور نهايته، وأن التاريخ يثبت أن الطغيان لا يدوم. آخرون يستشهدون بتجارب شخصية أو جماعية تؤكد أن “الحق لا يضيع”، وأن الأيام كفيلة بردّ المظالم ولو بعد حين.
هذا الوعي الجمعي لا يعكس رغبة في الانتقام بقدر ما يعكس توقًا للإنصاف، وإصرارًا على أن الظلم مهما طال، لا يمكن أن يتحول إلى قدر دائم. وبين الدعاء والصبر، وبين الغضب والأمل، تتشكل رؤية شعبية تؤمن بأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تغيب، وأن الخصوم مهما تجبروا، فإنهم في النهاية سيقفون أمام ميزان لا يخطئ.
خطاب شيوخ السلطان
وأمام الرؤية الدينية للمظالم والقمع هناك رؤية دينية يروجها الطاغية من خلال مجموعة من المعاونين مثل مفتي الدماء علي جمعة وتلميذه الأزهري وفي دول أخرى أحيت خطاب المدخلي الذي حوّل الدين إلى أداة قمع وقتل واعتقال وتعذيب وكشف بيان "جمعية علماء الإسلام" بباكستان عن وفاة الشيخ ربيع المدخلي، أنه تسبب في: سجن آلاف الدعاة وقتل واغتيال علماء وتشويه سمعة مصلحين وشرعنة القمع ودعم ميليشيات مسلحة وصناعة خطاب إقصائي وهو ما يصنع مظالم واسعة، وبالتالي رغبة واسعة في الانتقام.
وقال علماء باكستان: "نحن لا نفرح بموت أحد، ولا نشمت بمن قضى نحبه، لكننا لا نغفل عن سنن الله في التاريخ، فإن للناس آثارًا تبقى بعد رحيلهم، ويحاسبون عليها، كما في الحديث: "من سن في الإسلام سنةً سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة… ".
معتبرين أن "منهج الشيخ ربيع، وفتاواه وخطاباته ومواقفه، كانت سببًا ظاهرًا في إيقاع الظلم على عباد الله، وأن أتباعه وأشياعه ما زالوا يستندون إلى تلك المقولات والكتب، لتسويغ الطعن والإقصاء، بل والقتل والتعذيب في بعض المواضع.".
نموذج تاريخي للانتقام المؤجل
وفي رواية الشيخ يوسف القرضاوي، رحمه الله، يظهر حمزة البسيوني—أحد أبرز رموز القمع الناصري—خائفًا من انتقام الإخوان بعد الإفراج عنهم، ولكن الإخوان، كما يروي القرضاوي، لم ينتقموا، وتركوا القصاص لله. ومع ذلك، انتهت حياة البسيوني نهاية مأساوية، اعتبرها البعض انتقامًا قدريًا.
وقال: أولًا: أن الإخوان لم يفكِّروا يومًا أن ينتقموا من ظالميهم؛ فإنَّهم وهبوا ما أصابهم لله وفي سبيله، واحتسبوه عند الله، راجين منه تعالى أن يجعله كفارةً لسيئاتهم، وزيادة في حسناتهم، ورفعة لدرجاتهم.
وقد أصيب الإخوان في عهد الملكيَّة بما أصيبوا، فلم يثأروا من أحد، وتركوا ثأرهم من ظالميهم للحَكَم العَدْل الَّذي لا يظلم مثقال ذرة.
الثاني: أنَّ الإخوان لو عفَوْا وصفحوا في حقِّ أنفسهم باعتبارهم أفرادًا، وتنازلوا عن حقوقهم الفرديَّة، فأين حق الله تعالى، وحق الدعوة، وحق الإسلام؟ ومن يملك أن يتنازل عن هذه الحقوق؟ وقد تطاول البسيوني على الله الواحد القهَّار، وعلى دِينه، وعلى دعوته.
الثالث: أنَّ الإخوان قد اعتادوا ألَّا ينتقموا لأنفسهم، وإنَّما يَدَعون الانتقام للرب الأعلى الَّذي لا يظلم أحدًا، ولا يحابي أحدًا، وهو يُملي للظالم، حتَّى إذا أخذه لم يفلته، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (هود:102).
ولقد ترك الإخوان البسيوني لسلطان القدر الأعلى، فماذا فعل به؟
https://www.facebook.com/photo/?fbid=1461285018890317&set=a.331714431847387
تحليل نفسية المظلوم
يقدّم تامر شيرين شوقي مثالًا شخصيًا شديد الدلالة على كيف يتكوّن شعور الانتقام لدى الإنسان المظلوم، حتى عندما يكون الظلم في حدوده الدنيا مقارنة بما يتعرض له آخرون. يروي تامر أنه تعرّض لمدة عام كامل لإهانات يومية واتهامات باطلة طالت أسرته وسمعته، حتى وصل إلى مرحلة التفكير في اتخاذ إجراءات قانونية ضد المسيء، بل وتوعّد بمعاقبته إذا عاد إلى مصر. لكن وفاة هذا الشخص المفاجئة جعلته يواجه حقيقة صادمة:
رغم أن الإساءة كانت “مجرد شتائم”، إلا أنه غير قادر على مسامحته، ولا يرغب في ذلك أصلًا.
والسؤال الأكبر الذي طرحه: كيف يكون حال المعتقلين الذين قضوا سنوات خلف القضبان؟ وكيف تكون مشاعر أهالي المختفين قسريًا الذين لا يعرفون مصير أبنائهم منذ 2019 أو منذ 12 عامًا؟ وكيف يغفر من اعتُقل أحد والديه فقط لأنه “قريب لمعارض”؟ وكيف يتعافى من فقد بيته أو عمله أو حريته أو كرامته؟
ويعتبر أن لديهم مشاعر مركّبة من الغضب، والانكسار، والرغبة في الثأر، وأن استمرار هذا الملف دون حلّ يخلق بيئة خصبة للانتقام والانفجار الاجتماعي. ويرى أن الحل الوحيد لتخفيف الاحتقان هو إغلاق ملف المعتقلين بالكامل وبشكل عاجل، مع منحهم الوقت والمساحة لإعادة الاندماج في المجتمع، رغم صعوبة ذلك.
محذرا من أن الغضب إذا تُرك دون معالجة يتحول إلى قوة مدمّرة. ويذكّر بأن الظلم لا يضيع، وأن العدالة—سواء في الدنيا أو الآخرة—لا تغيب: “البر لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديّان لا يموت… كما تدين تُدان.”