في مثل هذا اليوم، 28 يناير، تعود الذاكرة إلى *جمعة الغضب* التي شكّلت نقطة التحول الكبرى في ثورة 25 يناير 2011. كان ذلك اليوم بداية العدّ العكسي لرحيل حسني مبارك بعد ثلاثين عامًا من الحكم الاستبدادي، إذ انهارت الشرطة أمام زحف الجماهير، وبدأت مرحلة جديدة من المواجهة بين الشعب والنظام.
في ذكرى 28 يناير، تستعاد اللحظة التي مثّلت الانطلاقة الحقيقية للثورة. لم يكن ذلك اليوم مجرد انفجار شعبي عفوي، بل محطة فارقة في مشاركة جماعة الإخوان المسلمين، الذين أعلنوا بوضوح الانطلاق من المساجد والزحف إلى القاهرة، ليشكّلوا مع باقي القوى الشعبية كتلة بشرية هائلة أربكت النظام وأفقدت الشرطة السيطرة.
بعد أربعة أيام من التظاهر المتقطع منذ 25 يناير، جاء يوم الجمعة ليكون أول اختبار حقيقي للنظام. الإخوان، الذين ظلوا مترددين في البداية، حسموا موقفهم مساء الخميس، وأعلنوا عبر شبكاتهم الداخلية أن الانطلاق سيكون من المساجد عقب صلاة الجمعة. كان القرار حاسمًا، إذ أضاف عشرات الآلاف إلى صفوف المتظاهرين، ورفع منسوب الثقة لدى الشباب الذين كانوا يخشون الخروج منفردين.
الزحف إلى القاهرة
من مختلف المحافظات، تدفق الإخوان مع الجماهير إلى القاهرة، حيث أصبح ميدان التحرير القلب النابض للثورة. المسيرات التي انطلقت من بولاق الدكرور والمهندسين والجيزة التقت في الدقي، لتبدو كجيش جرّار يهتف: *"يسقط حسني مبارك"*. أما مسيرة رمسيس فتقدمت بسرعة أكبر من الجموع الهادرة القادمة من شرق وشمال القاهرة، ومعها مئات الآلاف يهتفون بصوت واحد، لتتحول جمعة الغضب إلى أول يوم حقيقي للثورة.
حتى رجل الأعمال نجيب ساويرس، المعروف بانتقاداته للإخوان، أقر لاحقًا بأن الجماعة لعبت دورًا محوريًا في ذلك اليوم، وأن وجودهم في الميدان كان أحد أسباب نجاح الثورة في يومها الأول الفعلي.
هذا الاعتراف لم يكن معزولًا، بل شاركه كثيرون ممن رأوا أن مشاركة الإخوان منحت الثورة زخمًا جماهيريًا لا يمكن تجاهله، وجعلت النظام يدرك أن المواجهة لم تعد مع شباب معزولين، بل مع قوة اجتماعية واسعة.
مقدمات الانفجار
في 27 يناير، ساد الإحباط والشكوك حول جدوى الخروج، لكن قلوب الشباب كانت متلهفة لصباح الجمعة. حملة اعتقالات ليلية طالت رموز الإخوان المسلمين، فيما قطعت وزارة الاتصالات الإنترنت والهواتف صباح الجمعة في محاولة لعزل المتظاهرين. ومع ذلك، تدفق الآلاف إلى الميادين متحدّين الطوق الأمني والقنص والرصاص المطاطي.
انهيار الشرطة
منذ ظهر الجمعة، واجهت قوات الأمن المتظاهرين بعنف مفرط، لكن الهتافات بسقوط مبارك دوّت في القاهرة والإسكندرية والسويس. انسحبت الشرطة أمام ضغط الشارع، وبدأت أعمال السلب والنهب والحرائق في محاولة لتشويه الثورة البيضاء. ومع ذلك، التقت المسيرات في الدقي ورمسيس لتتحول إلى كتلة بشرية ضخمة تهتف: *"الشعب يريد إسقاط النظام"*.
عصر ومساء الجمعة
عصر ذلك اليوم، اكتسحت التظاهرات الإسكندرية والسويس، وأُحرقت سيارات الشرطة ومقارها. استخدم الأمن قنابل غاز منتهية الصلاحية ورصاصًا حيًا، فسقط مئات الشهداء. واجه الشباب القمع بالحجارة والخل والمشروبات الغازية.
ومع المساء، انتشرت صور لعربات دبلوماسية تدهس المتظاهرين، ما زاد الغضب الشعبي. أعلن مبارك إقالة الحكومة وتعيين أحمد شفيق رئيسًا لها، وعمر سليمان نائبًا للرئيس، لكن الشارع ظل يهتف بسقوط النظام.
مع حلول الليل، امتدت التظاهرات إلى الإسكندرية والمنصورة وطنطا والإسماعيلية ودمياط والمنيا وبورسعيد وشمال سيناء. الفضائيات نقلت أخبار سقوط الشهداء واندلاع المسيرات، بعد أن حلّت مكان فيسبوك الذي حجبته السلطات.
الباحث العسكري محمود جمال وصف كيف هتف الثوار: *"عايزين الجيش ينزل يحمينا"*، وهي صورة ذهنية إيجابية تجاه الجيش تبدلت لاحقًا مع وصول السيسي إلى السلطة.
فتح السجون والمشهد المريب
كان فتح السجون الكبرى من أكثر الأحداث إثارة للريبة، إذ اتضح لاحقًا أنه تم بتعليمات من داخلية مبارك لترويع المواطنين. القيادي طارق الزمر أكد أن ضباط السجون تلقوا أوامر بفتح الأبواب ليلة 29 يناير، وأن بعض المعتقلين السياسيين غادروا دون اعتراض. بالتوازي، اندس المندسون وأشعلوا الحرائق في الحزب الوطني ومحكمة جنوب القاهرة واتحاد الكرة ونادي الشرطة، فيما روّج الإعلام الرسمي للفزع.
المختفون قسريًا
في اليوم الدولي لضحايا الإخفاء القسري، أعادت المنصات الحقوقية التذكير بالمختفي محمد صديق توفيق عجلان، خريج كلية التجارة بجامعة حلوان، الذي اختفى قسريًا منذ جمعة الغضب 28 يناير 2011 ولم يظهر حتى اليوم. والدته راسلت النائب العام وجهات حكومية بلا جدوى، ليبقى اسمه شاهدًا على قسوة تلك المرحلة.
لم تكن جمعة الغضب مجرد يوم في ثورة 25 يناير، بل لحظة الانهيار الحقيقي للشرطة وبداية العدّ العكسي لرحيل مبارك. وفي 11 فبراير 2011، أعلن عمر سليمان تنحي الرئيس، لتدخل مصر مرحلة جديدة من تاريخها. واليوم، في 2026، تبقى ذكرى 28 يناير رمزًا للغضب الشعبي، وللثمن الباهظ الذي دفعه المصريون في سبيل الحرية والكرامة.