مع الارتفاع الجنونى فى الأسعار وتراجع مستوى معيشة المواطنين والكوارث الاقتصادية التى تواجهها مصر فى زمن الانقلاب ترفع حكومة الانقلاب شعار ترشيد الإنفاق ورغم أن هذا الترشيد من المفترض أن يوجه أول ما يوجه إلى الإنفاق الحكومى وحالة البذخ والإسراف بل والسفه والاستنزاف التى يمارسها مسئولو الانقلاب إلا أن تطبيق هذا الشعار يكون من نصيب المواطنين الغلابة وحدهم من خلال إضافة أعباء جديدة تجعل من حياتهم جحيما لا يطاق فى الوقت الذى تعيش فيه مؤسسات الانقلاب والقائمون عليها فى أجواء من الرفاهية والإسراف غير المسبوق
ورغم هذا الواقع المؤلم تزعم حكومة الانقلاب أنها تتبنى سياسة مالية أكثر انضباطاً تستهدف خفض المصروفات غير الضرورية، وتقليل الاعتماد على الدعم، وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة، فى إطار خطة إصلاح اقتصادى تهدف إلى تحقيق الاستدامة المالية وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات. لكن هذه الوعود تصطدم بإجراءات عملية يشعر المواطن بتأثيرها المباشر، مثل زيادات أسعار الطاقة والخدمات، وهو ما يعيد طرح السؤال نفسه فى كل مرة: أين تذهب إجراءات ترشيد الإنفاق التى تعهدت بها حكومة الانقلاب؟
فوائد وأقساط الديون
فى هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادى، الدكتور عبدالنبى عبدالمطلب، أن الحديث عن ترشيد الإنفاق الحكومى ليس جديداً فى السياسات المالية للدولة، بل يعود إلى أوائل التسعينيات، حين بدأت الحكومة تنفيذ برامج لضبط المصروفات داخل المؤسسات والوزارات التابعة لها، فى محاولة للحد من الهدر وتحسين إدارة الموارد العامة.
وقال «عبدالمطلب»، فى تصريحات صحفية إن تصريحات رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولى الأخيرة بشأن توجيه الحكومة نحو مزيد من ترشيد النفقات، والتى جاءت عقب قرار رفع أسعار الوقود، يمكن قراءتها فى إطار محاولة حكومة الانقلاب توجيه رسالة للرأى العام مفادها أنها أيضاً تتحمل جزءاً من أعباء الإصلاح الاقتصادى، فيما يشبه تطبيق مبدأ «لنبدأ بأنفسنا»، وهو ما قد يسهم فى تهدئة الغضب الشعبى الناتج عن القرارات الاقتصادية الصعبة.
وأشار إلى أن الواقع المالى لدولة العسكر يفرض ضغوطاً كبيرة على حكومة الانقلاب، فى ظل وجود عجز واضح فى الموارد المالية مقارنة بحجم الالتزامات المتزايدة، موضحاً أن التحدى الأكبر الذى تواجهه المالية العامة يتمثل فى أعباء الدين العام. إذ إن الفوائد وأقساط الديون تلتهم الجزء الأكبر من إيرادات الدولة، ما يقلص من قدرة حكومة الانقلاب على توجيه موارد أكبر إلى مجالات التنمية والخدمات العامة.
مساحة ضيقة
وتابع «عبدالمطلب» أن الظروف الاقتصادية الحالية تضع حكومة الانقلاب أمام تحديات معقدة فيما يتعلق بالوفاء بالتزاماتها المالية الخارجية، خاصة أقساط الديون المستحقة. موضحا أن بعض الالتزامات المرتبطة بالربع الثانى من العام الجارى تمثل ضغطاً إضافياً على المالية العامة، فى ظل احتياجات دولة العسكر المستمرة لتوفير العملة الأجنبية لتغطية هذه المدفوعات، وهو ما يفسر جزئياً تشدد حكومة الانقلاب فى تطبيق إجراءات الإصلاح المالى.
وفيما يتعلق بمبررات رفع أسعار الوقود خلال الفترة الأخيرة، خاصة فى ظل التوترات الجيوسياسية فى المنطقة واحتمالات ارتفاع أسعار النفط عالمياً، قال إن هذه العوامل قد تكون ساهمت فى تهيئة المناخ لاتخاذ القرار، لكنها ليست السبب الوحيد.
وأكد «عبدالمطلب» أن حكومة الانقلاب ملتزمة ببرنامج إصلاح اقتصادى متفق عليه مع صندوق النقد الدولى، يتضمن مجموعة من الالتزامات والإجراءات التى يجب تنفيذها، من بينها تحرير سعر الصرف، وإعادة هيكلة دعم الطاقة، وتحرير أسعار الوقود تدريجياً، إضافة إلى تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية.
وأشار إلى أن حكومة الانقلاب استغلت الظروف الإقليمية الراهنة، مثل التوترات المرتبطة بالأوضاع فى المنطقة وارتفاع أسعار النفط، لتمرير بعض إجراءات البرنامج الاقتصادى المتفق عليه مع صندوق النقد، بما فى ذلك رفع أسعار الطاقة.
وشدد «عبدالمطلب» على أن القرارات الاقتصادية الحالية تعكس مزيجاً من الضغوط الداخلية المرتبطة بعجز الموارد وارتفاع الدين العام، والالتزامات الخارجية الناتجة عن برامج الإصلاح الاقتصادى، وهو ما يجعل حكومة الانقلاب تتحرك فى مساحة ضيقة بين ضبط المالية العامة من جهة، ومحاولة تخفيف الأعباء عن المواطنين من جهة أخرى.
أعباء إضافية.
وأكد الخبير الاقتصادى الدكتور مصطفى أبو زيد، أن الاقتصاد المصرى يتأثر بدرجة كبيرة بالتطورات الإقليمية والعالمية، خاصة تلك التى تؤثر على مصادر التدفقات الدولارية الرئيسية للاقتصاد. موضحا أن هذه المصادر تشمل إيرادات قناة السويس، وقطاع السياحة، والاستثمار الأجنبى المباشر، إضافة إلى استثمارات الأجانب فى أدوات الدين الحكومية مثل أذون الخزانة، والتى يطلق عليها اقتصادياً الأموال الساخنة.
وقال «أبوزيد» فى تصريحات صحفية إن أى اضطرابات سياسية أو اقتصادية على المستوى الدولى تنعكس سريعاً على هذه التدفقات، كما تؤثر على قدرة دولة العسكر فى تأمين احتياجاتها الاستيرادية من السلع الاستراتيجية مثل الطاقة والقمح، وهو ما يجعل الاقتصاد المصرى أكثر حساسية تجاه الأزمات العالمية.
وأشار إلى أن هذه الضغوط دفعت حكومة الانقلاب إلى اتخاذ إجراءات احترازية لتقليل الآثار التضخمية للتقلبات العالمية، ومن بين هذه الإجراءات ترشيد الإنفاق الحكومى من خلال تقليص بعض المصروفات غير الضرورية مثل إلغاء بعض الفعاليات والمؤتمرات وبرامج التدريب، إلى جانب تأجيل تنفيذ بعض المشروعات الجديدة مؤقتاً حتى تتضح الرؤية الاقتصادية العالمية.
وأضاف «أبوزيد» أن دولة العسكر تزعم أنها تتحمل جزءاً من تكلفة استيراد المواد البترولية فى ظل الارتفاعات الحادة فى أسعار الطاقة عالمياً، بينما يتم تمرير جزء آخر من هذه الزيادة إلى السوق المحلية عبر تعديل أسعار المواد البترولية، وهو ما حدث بالفعل خلال الأيام الماضية.
وأوضح أن الزيادات فى أسعار الطاقة لا ترتبط فقط ببرنامج الإصلاح الاقتصادى أو توصيات صندوق النقد الدولى، بل ترتبط بشكل أساسى بالتغيرات الحادة فى أسعار الطاقة عالمياً. حيث ارتفع سعر برميل النفط من نحو 65 دولاراً قبل اندلاع التوترات والحرب فى المنطقة إلى أكثر من 100 دولار خلال أيام قليلة.
وأكد أن هذه الفروق الكبيرة فى الأسعار تعنى عملياً مليارات الجنيهات من الأعباء الإضافية على الموازنة العامة لدولة العسكر، خاصة فى ظل استمرار احتياجات مصر لاستيراد جزء من احتياجاتها من الطاقة، وهو ما يزيد من الضغوط على المالية العامة التى تعانى بالفعل من مستويات مرتفعة من العجز.
وشدد «أبوزيد» على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب استنهاضاً اقتصادياً واسعاً يقوم بالأساس على زيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الصناعة والزراعة، باعتبارهما العمود الفقرى لقوة الاقتصاد وصلابته، موضحا أن تعزيز الإنتاج المحلى يسهم فى زيادة المعروض من السلع داخل السوق، ويعزز الأمن الغذائى ، كما يقلل من درجة انكشاف الاقتصاد على الأسواق الخارجية، من خلال زيادة الصادرات وتقليص الفجوة بين الواردات والصادرات .