تدرس هيئة الدواء رفع أسعار بعض الادوية استجابة لطلبات شركات تصنيع الادوية ما يمثل ضغطا إضافيا علي المرضي واسرهم، وتسعي شركات تصنيع الادوية الي تعظيم أرباحها وتطالب باستمرار برفع الأسعار مع كل تحريك لسعر الصرف.
وكانت مواقع إخبارية قد نشرت خلال الأيام الماضية أخبارًا عن دراسة هيئة الدواء حالياً 150 طلباً من أصل 170 طلباً تلقتهم من شركات الأدوية بشأن تحريك الأسعار، أما الـ 20 طلباً الباقية فيتم فحصها من اللجان المختصة تمهيداً لعرضها على لجنة التسعير للبت في الأمر بشكل نهائي خلال 30 يومًا.
وتشتكي شركات الأدوية دائما من زيادة التكاليف الإنتاجية بسبب ارتفاع نفقات التشغيل مع زيادة أسعار الكهرباء والطاقة، إلى جانب ارتفاع تكلفة المواد الخام "المستوردة بالدولار". كما تشتكي من تثبيت أسعار الأدوية في ظل سياسة التسعير الجبري رغم أن صناعة الأدوية غير مُدعّمة، ومن وقت لآخر تتصاعد تهديدات من بعض شركات الأدوية بالانسحاب من السوق المحلية بحجة الخسائر.
ومع كل زيادة في التكاليف تحاول الشركات أن تلوي ذراع الدولة عن طريق التهديد بالتوقف عن إنتاج الأصناف غير المربحة بالشكل الذي يُرضيها، وهذا ما حصل في أزمات سابقة.
هل تخسر فعلاً؟
ارتفاع التكاليف لا يبرر رفع الأسعار تلقائياً، خصوصاً أن شركات الادوية تحصل على هوامش ربح معقولة، حتى مع ارتفاع أسعار الكهرباء والطاقة، خاصة مع نزول سعر الدولار إلى51.78 من 54 جنيهًا.
علماً بأن ليس كل واردات الخام جرت على سعر مرتفع للدولار، وجزء كبير منها عبارة عن تعاقدات قديمة، فليس هناك مبرر لترجمة كل زيادة في الدولار لزيادة في سعر المنتج الدوائين فشركات الأدوية تحقق أرباحًا كبيرة، لذا فعندما ترتفع التكاليف المفروض أن هناك مساحة أن تتحمل انخفاضًا نسبيصا في الأرباح، بدون التسرع في تحميل المريض كل التكلفة.
لكنها تربح!!
وبحسب البيانات المتاحة من ميزانيات عدد من شركات الأدوية المطروحة في البورصة المصرية، فزيادات الأرباح خلال النصف الأول من 2025 كانت بنسبة 50% عن مستويات هذه الأرباح في 2024 .
ومنذ منتصف 2024 بدأت الشركات في رفع أسعارها بعد الاتفاق مع الحكومة بنسب تتراوح بين 30 -50%، ما انعكس بالطبع في صافي الأرباح، حيث كان بالنسبة لـ 6 شركات مطروحة في البورصة، وهي "العاشر من رمضان-راميدا"، و"ابن سينا فارما"، و"المصرية الدولية-ايبيكو"، و"ماكرو جروب"، و"مينا فارما"، و"جلاسكوسميثكلاين"، حوالي 1.57 مليار جنيه خلال النصف الأول من 2025 .
كذلك الإيرادات المجمعة لـ 6 شركات وصلت لـ45.6 مليار جنيه في النصف الأول في 2025، مقارنة بـ 29.2 مليار جنيه في لنفس الفترة في 2024، ما يعني أن هناك نسبة نمو تقريبا حوالي 56%.
وتهتم الشركات بالربح ومضاعفته قبل أي شيء، لكن على الجانب الآخر فإن كل ارتفاع لأسعار صنف دوائي "والأسعار مرتفعة أصلا" يزيد الأعباء المالية على المرضى بشكل يعرضهم لمخاطر حقيقية بما في ذلك استمرار القدرة على الالتزام العلاجي سواء بتقليل الجرعات أو ترك العلاج.
بين الاتجاهين (الأرباح vs الدواء كحق اجتماعي)
لجنة تسعير الدواء، وهي جهة تنظيمية تابعة لهيئة الدواء، تراجع طلبات زيادة الأسعار من قبل الشركات وتحاول تحقيق توازن بين استمرارية توفر الأدوية في السوق عبر توفير هامش ربح للمنتجين، وبين قدرة المواطن على تحمّل تكلفتها، وهذا شيء إيجابي عمومًا.
ويعتمد التسعير على تكلفة الإنتاج، وسعر المادة الخام، ونوع الدواء "محلي أو مستورد"، وتوفر البدائل، مع مقارنة بالأسعار العالمية.
حبل التوازن
وتراجع اللجنة كل 6 أشهر أسعار الأدوية الموجودة في السوق تلقائياً، خصوصاً عند تغيُّر سعر الصرف أو ارتفاع في تكاليف الإنتاج أو تقديم الشركات طلبات لرفع الأسعار.
ورغم أن اللجنة تضمن هامش ربح معقول للمنتج بالتوازي مع مراعاة القدرة الشرائية للمريض، إلا أن شركات الأدوية تحاول أن تضغط باستمرار لرفع الأسعار بغض النظر عن قدرة المرضى على الشراء.
والدولة ملزمة دستورياً بتوفير الدواء بسعر عادل للمواطنين، وواجب عليها منع تضخم أسعار الأدوية وضمان العدالة الصحية.
لذلك نطالب لجنة تسعير الدواء بألا ترضخ لضغوط بعض الشركات، مع وضع خطة لمنح إعفاءات ضريبية للشركات الصغيرة والمتوسطة وتقديم دعم تدريجي للطاقة بمصانع الأدوية.
وفي قطاع حساس مثل الدواء، تحتاج الدولة إلى أن تمشي على حبل التوازن بين استقرار بنية القطاع "عبر توفير حوافز الإنتاج" وبين حق المواطن في الحصول على علاج بسعر مناسب.
ومن أجل تحقيق هذا المستهدف نحتاج غلى تطوير للتصنيع الدوائي لمواكبة التطور الهائل في الصناعة عالمياً، كما نحتاج غلى مبادرة فائدة مدعمة لمصانع الأدوية بشكل خاص، ودعم جاد للبحث العلمي في مجال الدواء، كبديل لتمرير أي زيادات حقيقية أو مبالغ فيها.
وبصفة عامة فإن كل دعم لقطاع تصنيع الأدوية المحلي يساهم في تقليل فاتورة الاستيراد من الخارج، ويوفر عملة صعبة، وينزع حجج ومبررات الشركات بارتفاع سعر الخام المستورد، ويحقق لنا أمنًا دوائيًا في ظروف الأزمات الدولية، والعالم يعاني هذه الفترة من عدم استقرار عميق كما نرى في حرب إيران.
أخيراً الرقابة على سوق الأدوية لا تقل أهمية عن الدعم، ويجب على الدولة فرض رقابة صارمة على ممارسة تخزين الأدوية ومحاولات الشركات التلاعب في أسعارها والمضاربة عليها، لحماية المواطنين في سلعة لا غنى عنها مثل الدواء.