مُخرّب الأخضر ورجل الهدد: تدلي حديقة الحرية أمام مقصلة “التطوير”

- ‎فيسوشيال

هدمت أجهزة الجيش وحكومة السيسي أجزاء واسعة من حديقة "الحرية" القابعة على ضفاف نهر النيل في جزيرة الزمالك، وتكتسب أهمية استثنائية تفوق كونها مجرد مساحة مشجرة، لتضيف أجهزة مكافحة الأخضر إلى إنجازات الهدد فص من رئة القاهرة الكبرى التي تعيش بها العاصمة في السنوات الأخيرة.

وقال مراقبون: إننا "أمام محنة بيئية وعمرانية غير مسبوقة، تجلت في حملة ممنهجة لاقتلاع المساحات الخضراء والحدائق التاريخية التي شكلت على مدار عقود طويلة رئة التنفس الوحيدة لمدينة تعج بالملايين، تحت شعارات التطوير، وإعادة التخطيط وإنشاء المشروعات الاستثمارية".

واعتبروا أن حديقة الحرية التي امتدت لها يد التجريف وصلت لأعرق بساتين المدينة، حيث وصف رئيس الانقلاب بمخرب الأخضر ورجل الهدد، في إشارة سياسية واجتماعية ساخطة تسلط الضوء على النهج الإداري الذي يرى في الشجر المعمر والتراث العمراني مجرد مساحات معطلة يجب تفريغها وتحويلها إلى كتل خرسانية ومنافذ تجارية تدر عوائد مالية سريعة، دون أدنى اعتبار للمردود البيئي أو الحفاظ على الهوية البصرية والتاريخية للمدينة.

الذاكرة الحضارية والبيئية لحديقة الحرية

وتأسست هذه الحديقة العريقة عام 1871 في عهد الخديوي إسماعيل ضمن مشروع طموح، لإنشاء متنفسات طبيعية وبساتين خضراء على أطراف النيل، وعرفت تاريخياً باسم "حديقة النيل"، كانت الحديقة تعد من أكبر حدائق العاصمة وأغناها بالتنوع النباتي، حيث تذخر بأشجار زينة وظل معمرة من فصائل الفيكس والأكاسيا، ونخيل يعود إلى العهد الملكي شكل عبر العقود ظلاً كثيفاً وممرات طبيعية ساحرة.

 

إلى جانب قيمتها البيئية، تمثل الحديقة جزءاً حيوياً من الذاكرة الثقافية والسياسية لمصر؛ إذ تحضن في أرجائها مجموعات من التماثيل الرمزية لشخصيات صنعت التاريخ المصري، مثل أمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر النيل حافظ إبراهيم، والاقتصادي البارز طلعت حرب، والفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان الجيش الأسبق، فضلاً عن نصب "رمز الصداقة المصري الأرميني" الذي وضع عام 2007. هذا المزيج الفريد جعل منها مقصداً عائلياً وثقافياً دائماً، لاسيما لقربها من دار الأوبرا المصرية ومركز الفنون.

الاقتطاع الاستثماري

على الرغم من التصريحات الرسمية المتكررة التي تزعم الحفاظ على المساحات الخضراء ــ والتي كان آخرها تصريح وزيرة التنمية المحلية في أكتوبر الماضي بشأن انتهاء أعمال تطوير الحديقة وزراعة أشجار جديدة ــ إلا أن الواقع على الأرض كشف عن سيناريو مغاير تماماً، فقد وثقت منصة الصحافة الاستقصائية "صحيح مصر" عبر رصد دقيق للتغيرات بواسطة صور الأقمار الصناعية الخاصة ببرنامج "كوبرنيكوس" التابع للاتحاد الأوروبي ومؤشر الاختلاف الطبيعي للغطاء النباتي (NDVI)، بدء أعمال تجريف واسعة وإزالة للأشجار والنخيل التي يتجاوز عمرها 150 عاماً.

 

وأظهرت الصور الفضائية المطابقة للخرائط أن أعمال التجريف بدأت فعلياً في شهر أبريل وتوسعت في مايو، تحديداً في المنطقة الجنوبية الواقعة بين الحديقة ومتحف محمود مختار.

 وبحسب التحقيق الميداني وشهادات مصادر عاملة، فإن هذا الجزء تم اقتطاعه قديماً ونقلت تبعيته قبل سنوات إلى إدارة الحرس الجمهوري التابع للقوات المسلحة وأغلق أمام العامة، لتبدأ الآلات العسكرية والبلدوزرات مؤخراً في تجريفه تمهيداً لإنشاء مشروع استثماري تجاري (كافتيريات ومحلات)، وهو ما أكده مصدر في إدارة الحدائق المتخصصة بمحافظة القاهرة حين أوضح أن الأعمال تجري في أراضٍ خرجت عن ولاية المحافظة، وصارت تتبع جهة سيادية تسعى للاستفادة الاقتصادية منها.

غضب شعبي متصاعد

أثارت صور الجرارات والبلدوزرات وهي تقتلع الأشجار التاريخية موجة عارمة من الحزن والغضب على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر المواطنون والمثقفون عن صدمتهم من استمرار سياسة "الهدد" وغياب الشفافية وإشراك المجتمع المدني في القرارات البيئية. وفي قراءة لتفاعلات منصة (X)، رصدنا تفاعلاً واسعاً يعكس فداحة الجرم البيئي؛ حيث كتب المغرد عادل عيسى في حسابه مستنكراً طبيعة الوجود العسكري في هذه المنطقة الثقافية:

حيث عبّر الفنان والأكاديمي بالفنون الجميلة د.أحمد عز العرب عن فقدان الأمل في السلطة الحالية عبر تدوينتين، جاء في الأولى:

    @aezzarab25: "وصل المغول إلى حديقة الحرية التي تضم متحف مختار، وبدأ قطع الأشجار التاريخية و تجريف الأرض التي يسيل لها لعاب السماسرة، فقدنا الأمل في أي صوت عاقل أو رشيد يوقف حملات التخريب والتدمير".

ووثق تدوينته بالرابط:

https://x.com/aezzarab25/status/2056975424014487682

وعاد ليؤكد في تدوينة أخرى القيمة البيئية المفقودة بقوله: "حديقة الحرية كنز من الأشجار المعمرة والنادرة و مساحة خطبة شاسعة كانت ساحة مفتوحة لنشاطات فنية و ثقافية رئة تنفس للعاصمة قبل أن يفترسها جرار التطوير".

وشارك المغرد جمال محمد بالإشارة إلى الخلفية التاريخية للموقع متفقاً مع رواية اقتطاع الأراضي     @gamalMo37127952: "كانت جميلة وكان جزء منها للحرس الجمهوري معسكر خاص".

وقارن حساب (أبو بدر) بين تعامل الحكومات الغربية مع الأشجار المعمرة والتعامل المحلي، قائلاً عبر     @binmuqaiza20635: "تصدق مرة عرضوا برنامج توسيع شارع في بلد أوروبي، وتم جلب آلة مثل البلدوزر، لكن لها شفرات تنغرس في الأرض وتقلع الشجرة من جذورها كي تزرع في مكان آخر لأنها تاريخية، حكومات لم تبق على البشر فهل ستهتم بمصير الشجر".

الناشطة سلمى جودة حللت السلوك السياسي الحاكم، واصفة إياه بالعداء الشامل لكل ما هو طبيعي وجمالي وعبر @salmagouda055: كتبت، "كراهية و عداء للماء، الشجر و الوجه الحسن، ينسجم و يتماهى مع نظام الطيبات برضه شرب الماء غير محبب، أكل الورقيات يعني ورق العنب إلى آخره، فإهانة النساء و احتقارهم، منظومة متكاملة من الجهل، القبح و التخريب."

وجاءت ردود الأفعال لتؤكد عمق الأزمة الاقتصادية والسياسية المرتبطة بعمليات البيع والتجريف، حيث علقت نانو  @nano30019444: "طول ما مقاول الهدد موجود الوطن يكون في حالة ضياع، الفلوس بالنسبة لهم أهم من الوطن"

وربط "بشر"     @_CheifCheif بين الهدم الإنساني والعمراني: من يهدم الإنسان لا يحافظ على العمران .

وتساءلت داليا في حسابها مستنكرة السياسات الاقتصادية العقيمة:    @dalia1990tot: "عاوزين دولار يبقى نصدر فحم هنسدد القروض كيف ونحن نعمل بنظام المقايضة خد دقيق طماطم برتقال بصل ثوم بطاطس وخلافه"

وتساءلت نعمت خليل:     @znounz: "هو السؤال ليه بيعملوا كده ونين اداهم الحق ده؟" واختصر حساب محمد الأزمة بوصفها انعكاساً لخلل بنيوي وعبر    @moh_abozaid1: "كتبت "عايزنها تبقي صحراء، بيطلعوا أمراضهم النفسية علينا"

وربط العشري     @abdel643_salem بين ارتفاع درجات الحرارة القياسي واختفاء الغطاء النباتي "درجة الحرارة العالية دي مش من قليل".

واستعاد حساب ميدو @MedoHaghhhggg ذكرياته الجميلة مع المكان قائلاً بأسى: "حديقة الحرية نظيفة وجميلة والأجانب والسياح كانوا بيحبوا يقعدوا فيها.."

ولفتت سهى @sohamorsy إلى القيمة البيئية النادرة للشجر المستهدف: "دي أشجار نادرة"

وتساءلت هبة @Heba2023710 بدهشة وصدمة عن موقع المجزرة الدقيق: "حديقة الحرية إللي عند كوبري قصر النيل"

وفي إطار التفسير السياسي والاجتماعي لطبيعة الإدارة الحالية، علق حساب سام بالطابع الساخر قاصداً النخبة الحاكمة     @SammyZ3000: "أولاد الحارة في القصر ! 😆"

 

بينما وصفهم حساب حمادة @Hamada194585 بأنهم: "أعداء كل ما يفيد الشعب"

حجم الفجيعة والغضب عبر عبارات مقتضبة؛ فكتب عمار "   @elmargrande6666: "يا نهار مهبب!!!!!!!"

حساب محمد مراد @Mohammedm13579اكتفى بالدعاء: "حسبنا الله ونعم الوكيل"

وعبر حساب عمر @omar_aegon عن صدمته بعبارة الاسترجاع: : "إنا لله وإنا إليه راجعون"

عزيزة  @AzizaKassa95672أبد فزعاً من طبيعة الاستغلال الاستثماري للموقع الاستراتيجي قائلة: " طبعاً دي أرض في مكان مرعب الله يخيبكم يا خونة".

وصولاً إلى توجيه انتقادات حادة ومباشرة لشخص رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي عبر حساب أحمد حماد     @sideview8888: "أنا واثق أن … العر$ السيسي مش هيعجبه الكلام ده و مش هيسكت عليه ..أو هيعجبه و يسكت .. ماهو عرص"

    حيث حمّله المسؤولية المباشرة عن هذه القرارات السيادية المدمرة للبيئة، معبراً عن ثقته بأن المشهد يجري بمعرفته الكاملة.
المستفز أنه في أكتوبر من العام الماضي، أعلنت حكومة السيسي الانتهاء من أعمال تطوير الحديقة وافتتاحها، وسبق وقالت منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والقائمة بأعمال وزير البيئة آنذاك، خلال افتتاح الحديقة العام الماضي بعد تطويرها، أن التطوير شمل "زراعة أكثر من 1600 شجرة جديدة من الأنواع الملائمة للبيئة المصرية، وتنسيق المسطحات الخضراء والممرات والمجاري المائية لتشكل لوحة بصرية متكاملة"، وأكدت حينها أن أعمال التطوير حافظت على جميع الأشجار والنباتات النادرة والتراثيّة الموجودة بالحديقة.

ولهذا يعتبر مراقبون أن ما يحدث في محيط حديقة الحرية بالزمالك، وقبلها في حدائق أنطونياديس بالإسكندرية والميريلاند بمصر الجديدة وحديقة الأورمان والحيوان بالجيزة، ليس مجرد مشروعات استثمارية عابرة، بل هو تغيير بنيوي وهوياتي يُفرض على العاصمة المصرية بالإكراه.

وإفراغ القاهرة من متنفساتها الطبيعية التاريخية لحساب مشروعات تجارية ضيقة يعكس انفصالاً تاماً عن التحديات المناخية العالمية التي تواجهها مصر، ويمثل اعتداءً صارخاً على حق المواطن في بيئة صحية وتراث إنساني لا يمكن تعويضه.

ويبقى غياب الشفافية وتمدد النفوذ الاستثماري للمؤسسات السيادية على حساب الملكية العامة والحدائق التراثية هو المحرك الأساسي لحالة الاحتقان الشعبي تجاه السلطة التي باتت تُعرف شعبياً بـ "مقاول الهدد ومخرب الأخضر".