أبوعبيدة المصري / يكتب : من ألبانيا لكل المصريين.. عندما تقول الشعوب: “أرضنا ليست للبيع”

- ‎فيمقالات

بينما خرج آلاف الألبان إلى شوارع العاصمة تيرانا ومدن أخرى احتجاجًا على مشروع سياحي مقترح في جزيرة سازان، رافعين شعارات من قبيل "ألبانيا ليست للبيع" و"أوقفوا المشروع"، يطرح المشهد تساؤلات حول الفارق الكبير بين رد فعل الشارع الألباني وموقف الشارع المصري من ملفات أكثر حساسية تتعلق بجزر وأراضٍ ذات أهمية استراتيجية.

 

فجزيرة سازان التي أثارت موجة الاحتجاجات في ألبانيا ليست سوى جزيرة صغيرة غير مأهولة بالسكان، ورغم ذلك اعتبرها المحتجون جزءًا من السيادة الوطنية والتراث البيئي الذي لا يجوز التصرف فيه أو تحويله إلى مشروع استثماري يخدم أطرافًا أجنبية. ولم تمنع العلاقة المحتملة للمشروع الصهيونى الدعم لإسرائيل ،جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، آلاف الألبان من النزول إلى الشوارع للمطالبة بوقفه والتحقيق في ملابساته.

 

وتزداد دلالة المشهد الألباني إذا ما قورن بما حدث في مصر خلال السنوات الأخيرة. فقد انتقلت السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية ، بتعليمات من السيسى، بعد جدل سياسي وقضائي واسع، كما أبرمت حكومة الانقلاب صفقات استثمارية ضخمة شملت بيع  منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي، لمحمد بن زايد رئيس دويلة الإمارات ووكيل الكيان الصهيونى فى المنطقة ، إلى جانب اتفاقات تتعلق بمنطقة رأس جميلة المطلة على خليج العقبة ، حيث جرى بيعها لقطر بثمن بخس ، فى ظل صمت ، برلمان معين من أجهزة المخابرات ، وصحافة تسيطر عليها الاجهزة الأمنية ،عبر تعيين  رؤساء تحرير، من معدمى الضمير والكفاءة .

وتكشف المظاهرات الألبانية أن قيمة الأرض لدى الشعوب لا تُقاس فقط بمساحتها أو بعوائدها المالية المحتملة، بل أيضًا بما تمثله من رمزية وطنية وبيئية وتاريخية، ولهذا خرج آلاف الألبان للدفاع عن جزيرة صغيرة نسبيًا، رافعين شعارًا بسيطًا لكنه يحمل دلالة عميقة: "ألبانيا ليست للبيع".

 

وربما يظل السؤال الأهم الذي تثيره هذه المشاهد: هل تكمن قوة الشعوب في حجم الأراضي التي تدافع عنها، أم في استعدادها للدفاع عن أي جزء منها مهما صغر حجمه؟

 

و الفارق  فى الحالتين ،لا يعود إلى اختلاف أهمية المواقع فحسب، بل إلى طبيعة المناخ السياسي المتاح للاحتجاج والتعبير عن الرأي. ففي حين تمكن الألبان من تنظيم تظاهرات واسعة والضغط على الحكومة لفتح تحقيقات رسمية ومناقشة المشروع علنًا، واجهت الاحتجاجات المرتبطة بملف تيران وصنافير فى زمن الانقلاب العسكرى الدموى ، قيودًا أمنية وقانونية واسعة خلال السنوات الماضية.

 

كما يكشف المشهد عن اختلاف في مفهوم العلاقة بين المواطن والأرض. فالألبان تعاملوا مع جزيرة صغيرة باعتبارها قضية سيادة وهوية وطنية تستحق النزول إلى الشارع، بينما مرت ملفات أكبر مساحة وأكثر تأثيرًا في مصر دون أن تشهد حراكًا شعبيًا مماثلًا في الحجم أو الاستمرارية.

 

وبين هتاف الألبان "ألبانيا ليست للبيع" وصمت الشارع المصري أمام ملفات الجزر والأراضي، تبدو المقارنة كاشفة للفارق بين مجتمع ما زال قادرًا على فرض حضوره في قضايا السيادة، وآخر باتت قدرته على الاحتجاج والتأثير أكثر محدودية من أي وقت مضى.