نشر موقع المنصة خلال الأيام الماضية تقريرا حول تقدُّم وزارة الإسكان بمقترح لمجلس الوزراء لإطلاق مشروع عقاري جديد خلف مدينة العلمين الجديدة على مساحة تصل لـ49 ألف فدان "أكبر من رأس الحكمة" بالشراكة مع مستثمرين عرب وأجانب.
وتستهدف حكومة الانقلاب تعظيم العوائد من النقد الأجنبي عبر استثمار الأراضي الساحلية التي ارتفعت قيمتها السوقية بعد صفقة رأس الحكمة 35 مليار دولار على مساحة 40 ألف فدان، حيث تؤكد أن المشروع الجديد لن يوفر حصيلة دولارية فقط، بل انه سوف يساهم في تنشيط قطاع المقاولات، وتحريك أعمال البنية التحتية والطاقة والاتصالات، مع إشراك شركات مصرية في أعمال التنفيذ، وده نفس النموذج الذي تم في مشروع رأس الحكمة.
دوران في محل "التطوير العقاري"
نحن في حاجة إلى ان نأخذ الموضوع من منظور أوسع من الساحل الشمالي لجهة النموذج الاقتصادي المصري ككل، وهل التطوير العقاري يمكن ان يكون قاطرة لاقتصادنا أم لا؟
في دراسته "ما الذي جعل للعاصمة الإدارية قيمة؟" المنشورة ضمن كتاب "تراكم لا ينفع" الصادر عن مؤسسة فريدريش إيبرت، ناقش الباحث الاقتصادي محمد جاد فكرة تحويل التطوير العقاري لأداة رئيسية لإدارة الاقتصاد المصري. يقول جاد: "إن تجربة العقد الأخير قامت على تحويل الأرض من وعاء للنشاط الاقتصادي لأصل مالي يمكن تعظيم قيمته ليتم استخدامه في تمويل توسعات عمرانية جديدة، وهكذا".
واستشهد جاد بتصريحات وزير المالية السابق محمد معيط الذي شرح فيها الفلسفة العقارية للدولة بأن الدولة تقوم بإيصال المرافق للأرض فترتفع قيمتها، ومن ثم تبيعها وتستخدم حصيلة البيع في تطوير أراض أخرى حتى تستمر الدورة التمويلية بدون الاعتماد المباشر على الموازنة العامة.
ويرى الباحث الاقتصادي أن الدولة نجحت بالفعل في خلق سوق ترتفع فيه أسعار الأراضي بشكل مستمر، ورسخت فكرة أن شراء الأراضي في المدن الجديدة يمثل رهانًا مضمونًا بارتفاع الأسعار في مستقبل، وهذا شجَّع الاستثمار العقاري والمضاربة على الأراضي في الوقت نفسه.
بحثاً عن لقمة سهلة
قدم الباحث مجدي عبد الهادي في الكتاب نفسه، دراسة مهمة بعنوان "إشكالات الضريبة العقارية في مصر: بين حاجات التمويل والتنمية وقيود السياسة والمركزية" التي رصد فيه نمو قطاعي التشييد والبناء والأنشطة العقارية 225% و952% على التوالي خلال الفترة 2010–2017، مدفوعين بالتوسع العمراني الحكومي وأعمال البنية الأساسية.
ويرى عبد الهادي أن هذه الطفرة تزامنت مع وصول عدد الوحدات السكنية غير المشغولة لـ 12.5 مليون وحدة يعني 29.1% من إجمالي الوحدات السكنية، وهذا شكل من أشكال الهدر الاجتماعي للموارد في ظل استمرار صعوبة حصول شرائح واسعة من المواطنين على سكن مناسب، لا نجادل في أن قطاع البناء والتشييد مهم، ويوفر فرص عمل لمئات الآلاف من المصريين، وينشط صناعات مرتبطة مثل الأسمنت والحديد ومواد البناء، وقطاعات ذات صلة من المقاولات والمكاتب الهندسية.
واستدرك إلا أن المشكلة أننا من 12 سنة وقطاع البناء والتشييد هو القاطرة التي تقود للنمو الاقتصادي، وهذا جزء أساسي من مشاكلنا، لأن العقار ببساطة قطاع غير منتج يدخل نقودًا مرة واحدة فقط، على عكس القطاعات الإنتاجية التي توفر دخلًا مستدامًا.
وأضاف النموذج الاقتصادي الذي يقوم على فكرة النمو عبر الاستثمار في البنية التحتية أوصلنا لأزمة 2022، وفكرة ترفيق الأراضي وبيعها وبناء مدن وبنية تحتية بلا نهاية، نموذج غير مستدام، ولا يحل أي مشاكل، هيكلية في الاقتصاد.
من ينقذنا؟
لما جاءت رأس الحكمة كصفقة إنقاذ سياسي للنظام الحالي، وفرت للحكومة تدفقات دولارية كبيرة ساعدت على تهدئة أزمة سوق الصرف واستعادة جزء من الاستقرار المالي، لكنها لم تحل أي مشاكل هيكلية يعاني منها الاقتصاد المصري، بالعكس ألهمت الحكومة بتكرارها.
وفي أواخر 2025 بدأت الحكومة مفاوضات مع مستثمرين قطريين لتطوير منطقة "علم الروم" بالساحل الشمالي، في مشروع قُدرت استثماراته الأولية بما بين 3.5 و4 مليارات دولار، على مساحة قد تصل إلى نحو 60 ألف فدان، وفق نموذج قريب من صفقة رأس الحكمة.
ومع ذلك ظل الدين الخارجي يرتفع لـ164 مليار دولار، في دليل قاطع على أن الصفقات العقارية وإن كانت توفر سيولة في وقت ما إلا أنها في النهاية لا تنتج أي تحول إيجابي في الاقتصاد، أو توسع القاعدة الإنتاجية، وبالتالي فإننا لا نحل الأزمة، وإن أجلنها عدة أشهر.
فخ التدفق السريع
في كل الدول التي حققت تجارب تنموية من شرق آسيا والصين كانت تبنى المصانع أولًا وعندما يأتي عائد من المصانع تبني به مدنًا جديدة، هذا شيء منطقي، بناء المصنع والمؤسسات المرتبطة بها ومراكز الخدمات من حولها ومن ثم تبني المدينة التي تحتضن كل هذا النشاط.
لكن حكومة الانقلاب تعمل العكس تقريبا، تعمل مدنًا جديدة بأسعار باهظة أكبر من قدرة أي طبقة عاملة في العالم، وأكبر من قدرة الطبقة الوسطى المصرية، ومن ثم تبحث عن استثمار خارجي تحتضنه المدن.
وأوضح أن السوق المصرية تشبعت بالعقارات والمدن الجديدة، وهذا كان المفروض ان يدفع الحكومة لوضع سياسات جديدة تعيد التوازن بين التطوير العقاري والاستثمار الإنتاجي, ولانعدام رؤية حكومة الانقلاب فإنها مصرة على ان تكمل في نفس المسار، حتى ولو لم تصبح هي المطور الرئيسي، ولو اكتفت ببيع الأرض وترفيقها للمستثمر الخارجي.
ولا توجد حكومة في الدنيا دورها الرئيسي في الاقتصاد أنها ترفع قيمة الأرض وتبيعها، إنما دور الحكومة أنها تزيد الإنتاج وتساعد في تحسين الإنتاجية وترفع معدلات التصدير، وليس عقد صفقات مليارية لبيع الأراضي لبناء منتجعات لن يدخلها أغلبية الشعب، بينما تُهدر هذه الأموال في مشروعات لا تفيدهم.