في كتابه «من نحن» الصادر سنة 2004م، تنبأ المؤرخ وعالم السياسة الأمريكي الراحل صموئيل هنتجنتون بأن الولايات المتحدة الأمريكية في 2025م قد لا تكون هي نفسها؛ عازيا ذلك إلى الانقسام الداخلي العنيف حول قضايا مثل الهوية والدين والثقافة، وتنبأ بأن هذه الانقسامات الحادة ربما تفضي إلى فوضى واضطرابات واسعة وقد تصل إلى حرب أهلية.
فهل يمكن أن تتحقق نبوءة هنتجنتون بشأن أمريكا خصوصا بعد المشاهد الفوضوية أثناء اقتحام أنصار الرئيس الأمريكي الخاسر دونالد ترامب لمبنى الكونجرس يوم الأربعاء 6 يناير 2021م. أليس ذلك سلوكا إرهابيا إجراميا أسفر عن مقتل 5 أشخاص بينهم أحد ضباط الشرطة؟
احتجاجات متوقعة

ما يعزز هذه التنبؤات أن مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي، أصدر تحذيرا من وقوع احتجاجات مسلحة محتملة في مباني الكونجرس في الولايات الخمسين ومبنى الكابيتول في العاصمة واشنطن مع اقتراب تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن.
هذه التحذيرات تؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش مرحلة من الفوضى أسهم في اندلاعها أطماع ترامب في احتكار الرئاسة وذلك بعد تشكيكه في نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز بها منافسه جو بايدن. ونقلت وكالات ووسائل إعلام أمريكية أن مكتب التحقيقات الفدرالي من أنه يجري التخطيط لتنظيم احتجاجات مسلحة في العاصمة واشنطن و50 مدينة هي عواصم الولايات الأمريكية قبل تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن يوم 20 يناير2021م.
وقالت نقلا عن نشرة صادرة عن المكتب إن مجموعة مسلحة قالت إنها تعتزم السفر إلى واشنطن يوم 16 ينايروتنظيم احتجاج ضخم إذا جرت محاولات لإزاحة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب من منصبه عن طريق تفعيل التعديل 25 من الدستور وعزله. وأضافت أن مخطط المجموعة المسلحة يتضمن التحريض على اقتحام المحاكم ومقرات فيدرالية إذا تم عزل ترمب من منصبه.
وقال الجنرال دانيال هوكانسون قائد الحرس الوطني الأمريكي، يوم الإثنين الماضي ، إنه تم تكليف الحرس الوطني بتعبئة ما يصل إلى 15 ألفا من القوات في العاصمة واشنطن لتأمين مراسم تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن في وقت لاحق من هذا الشهر. وأضاف هوكانسون أنه من المتوقع نشر قوات قوامها نحو عشرة آلاف في المدينة بحلول السبت لتعزيز الأمن وتأمين النقل والإمداد والاتصالات.
وكان الصحفي الشهير توماس فريدمان قد حذر في مقابلة مع شبكة (CNN) الأمريكية من نشوب حرب أهلية أمريكية قبل رحيله بأيام، في شهر سبتمبر الماضي "2020م"؛ وذلك في سياق تعليقه على تصريحات ترامب وقتها بأنه لن يقبل بنتائج الانتخابات إلا في حالة واحدة هي إذا جاءت به رئيسا، وشن حملة تشكيك في نتائجها إذا جاءت ببايدن الذي وصفه بــ"جو النعسان" للتحقير من شأنه ومكانته. وقال فريدمان: "لقد بدأت مشواري كصحفي بتغطية الحرب الأهلية الثانية في تاريخ لبنان، وأنا الآن مذعور من اكتشاف أنني أنهي مشواري كصحفي أغطي الحرب الأهلية الثانية، الممكنة، في تاريخ أمريكا".

حركات يمينية متطرفة
وبحسب تقارير أمريكية، فقد شهدت السنوات الأربعة الماضية التي حكم فيه الرئيس دونالد ترامب، تزايدا كبيرا في أعداد الحركات اليمينية المتطرفة، وتعتبر جماعة "حراس القسم" أكبر حركة يمينية مناهضة لأي حكومة غير يمينية في الولايات المتحدة الأمريكية، ويوصفون بأنهم الوجه الأكثر ظلامية وعنفا لأنصار دونالد ترامب الذين اقتحموا مبنى الكابيتول. وهم مجموعة من المتطرفين يفضلون ارتداء الملابس العسكرية والخوذات القتالية بدلا من الملابس الفولكلورية التي يرتديها بعض أنصار اليمين.
و"حراس القسم" ليسوا مجرد حركة راديكالية أخرى، مثل حركات "كيو-آنون" أو "بوجالو بويز" أو حتى "براود بويز"، التي ذاع صيتها خلال فترة حكم دونالد ترامب. فهي تبرز أكثر في المشهد المكتظ بالجماعات اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة وذلك بسبب تاريخها وخلفيات أعضائها وأيديولوجيتهم، كما يقول تقرير لفرانس برس.
تأسست جماعة "حراس القسم" عام 2009 كرد فعل على انتخاب الديمقراطي باراك أوباما رئيسا، ومذئذ فرضت هذه الميليشيا المسلحة نفسها على مر السنين باعتبارها "أكبر حركة راديكالية مناهضة للحكومة في الولايات المتحدة"، كما يؤكد المركز القانوني "فقر الجنوب" (SPLC)، وهو إحدى المنظمات غير الحكومية الرئيسية التي تراقب اليمين المتطرف في الولايات المتحدة.
ويدَّعي "حراس القسم" أن مجموعتهم تضم أكثر من 30 ألف عضو، لكن مركز (SPLC) يقدر عددهم الحقيقي بنحو ألفين إلى ثلاثة آلاف عضو نشط، فيما تقدر قاعدة بيانات مسربة قوامهم بحوالي 25000 عضو حالي أو سابق، ثلثاهم من خلفيات عسكرية أو قوات إنفاذ القانون.
يقول موقع ABCNews الأمريكي الذي اطلع على الملفات الشخصية لثمانية وستين شخصا من مثيري الشغب تم اعتقالهم الأسبوع الماضي، إن "عددا كبيرا من المعتقلين لهم صلات بهذه الميليشيات اليمينية المتطرفة التي جلبت أسلحة وحتى متفجرات لموقع الهجوم". ولفتت إحدى مجموعات هذه الحركة الانتباه بشكل خاص، لأن أعضاءها كانوا من بين الأوائل والأكثر تصميما على اقتحام مبنى الكونجرس. يطلق عليهم اسم "حراس القسم" ويمكن رؤيتهم في العديد من مقاطع الفيديو وهم يشقون طريقهم عبر الحشد للوصول إلى الباب الأمامي للمبنى الفيدرالي، ويتقدمون بطريقة منضبطة وعسكرية للغاية.
"حراس القسم"!

تقول صحيفة "ذي أتلانتك" في دراسة استقصائية خصصت لهذه الحركة نُشرت في نوفمبر2020، إن ما يميز أعضاء "حراس القسم" عن الميليشيات اليمينية المتطرفة الأخرى هو الوجود القوي لأفراد سابقين في مختلف أفرع القوات المسلحة، كما تضم المجموعة بين أعضائها ضباطاً من الشرطة وحرس الحدود وعميلاً واحداً على الأقل من الخدمة السرية وعدة أعضاء من (SWAT) "قوة التدخل السريع للشرطة" ورئيس شرطة مدينة، وذلك حسب الموقع الذي استطاع الحصول على ملف الأعضاء والمتعاطفين مع "حراس القسم".
مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة في عام 2016، اعتقد حراس القسم "أن واحدا منهم قد نجح أخيرا في الوصول للبيت الأبيض"، حسب تحليل "رابطة مكافحة التشهير" (ADL)، وهي منظمة أمريكية أخرى مناهضة للتطرف. كما رافق أعضاء هذه الميليشيا الرئيس ترامب بشكل منهجي في معظم اجتماعاته الرئيسية، مقدمين أنفسهم على أنهم أفراد أمن احتياطيون.
لا عجب في مثل هذه الظروف أن يكون "حراس القسم" من بين أسرع الناس الذين أرادوا اقتحام مبنى الكونجرس. في عام 2016، كان ستيوارت رودس قد أشار بالفعل إلى أن حركته مستعدة للمشاركة في "حرب أهلية ثانية" إذا ما قام الديمقراطيون "بسرقة" الانتخابات الرئاسية، وذلك وفقا لرابطة مكافحة التشهير. ففي أذهانهم، تشبه هزيمة بطلهم في عام 2020 حيلة من قبل القوى المتسترة في الكواليس. وأوهام معسكر ترامب بشأن تزوير الانتخابات لم تؤجج إلا خيالهم تجاه هذا الموضوع.
وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف.بي.آي) أبدى قلقه يوم الإثنين 11 يناير2020 من اندلاع المزيد من أعمال العنف في الفترة المقبلة، التي تسبق تنصيب الديمقراطي جو بايدن كرئيس جديد في 20 يناير، فالمجموعات المتطرفة مثل "حراس القسم"، التي تمتلك أسلحة وخبرة عسكرية كبيرة، تعتقد أن الوضع قد بات حرجاً وأن الكثير من الأشياء أصبحت على المحك.

Facebook Comments