من الواضح أن قائد الانقلاب مرعوب من تغيير الإدارة الأمريكية بعد قدوم بايدن فيحاول توصيل رسالة لإدارته بأنه مستعد لفتح متنفس للمعارضة فقال: "إن مفهوم المعارضة الصحيحة والمقبولة التي تتحدث عن المشاكل الحياتية وتقصير الحكومة في تناولها … إلخ " واشترط على من يتحدث أو يعترض أن يكون "فاهما لما يقول".
والسؤال.. كيف يسمح بالاعتراض ونظام الانقلاب يعتبر المعارضين خونة يريدون تخريب البلاد وتضييع إنجازات الدولة؟ وأن ما حدث إبان ثورة 25 يناير 2011 من تغيير جماهيري للنظام لن يتكرر مرة أخرى؟.
وقال أيضا: "استوقفتني جملة حقوق الإنسان أن المسار السياسي مش هو فقط الحقوق ، أيوه من حق الناس إنها تعبر عن رأيها ، من حق الناس تعترض ويكون في معارضة ولكن الهدف منها سواء التعبير عن الرأي أو المعارضة السياسية هو تحسين أحوال الناس ، وتحسين حياتهم ، هذا هو الهدف ، مش المعارضة للمعارضة ولا الناس تتكلم ، لا .. بنتكلم علشان نقول إن فيه مشكلة وهذا نقبله ، ولكن بشرط أن يكون الشخص فاهم بيقول إيه ، أنا بتوقف عند هذه الكلمة كثيراً ، لأن الدولة المصرية لما تكون جادة وأمينة ومخلصة في مواجهة تحدياتها هيخفف العبء كثيراً على الرأي والمعارضة".
و"انتوا بتحملوا نفسكم وأولادكم والدولة فوق طاقتها ، وبالتالي تثوروا وتخرجوا للشوارع وتهدوا بلدكم ، ويفضل المسلسل خراب في خراب ، الناس عايزه تعيش ، هنعيش إزاي؟".
ما سبق هو كلام السيسي ، ولكن كلنا يذكر عندما طالبه أحد أعضاء برلمان عبدالعال عن محافظة دمياط "أبو المعاطي مصطفى" بتأجيل زيادة أسعار الوقود نظرا لأن المواطن البسيط لن يتحمل ، انفعل عليه السيسي بعد أن انتهى من حديثه وقال له: "إنت مين"؟
قال: " أنا أبو المعاطي مصطفى عضو مجلس النواب"، قال له " نواب إيه.. إنت دارس الموضوع اللي بتتكلم فيه؟ إنت عايز الدولة تقوم ولا تفضل ميتة"؟
" لو سمحت ادرسوا المواضيع كويس وبعدين اتكلموا".
والسؤال هنا كيف للناس أن تعترض وفي نفس الوقت تتم مصادرة رأي من يعارض ولو بشطر كلمة، حتى وإن كان أحد ممثلي الشعب في البرلمان؟!
ثم من قال إن الذي بذلته الحكومة من جهود يكفي حاجات الشعب الأساسية على الأقل؟ 
هناك من يرى أن هذه الحكومة فاشلة ويجب محاكمة أعضائها على هذا الفشل، لكن حسب نظام الانقلاب فإن كل من يعترض أو ينصح هو خائن وعميل  لقطر وتركيا وإيران، وعضو في المؤامرة الكونية ضد مصر!
قائد الانقلاب لا يفهم إلا منطق ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) ولايفهم معنى المعارضة الحقيقية ويريد أن يقول للشعب: لا داعي للمظاهرات والثورات، لازم تذاكر الأول قبل أن تتظاهر أو تثور أو حتى تعترض!
ويبدو أن هاجس ثورة يناير ما يزال يسيطر على قائد الانقلاب فقال: "الناس هتقولي انت بتتكلم عن الثورات تاني؟ آه… الناس عاوزه تعيش، طب هي هتعيش ازاي؟ أساس الدولة المصرية واستقرارها هو الحفاظ على أمنها وسلامتها، مش حرية الرأي بس ومش حرية التعبير بس".

وكلنا يعلم كم من صحفي تم الزج به في السجن، بزعم أنه نشر أخبارا كاذبة، دون محاكمة أو تثبت. بل إن قائد الانقلاب اعتبر أن مجرد نشر أخبار من شأنها أن تُعتبر مسيئة للجيش والشرطة "خيانة عظمى". 
كما أصبحت تُهم "التآمر" ضد الدولة سيفا مسلطا على رقاب وسائل الإعلام التي لا تُعلن صراحة ولاءها لحكم العسكر. وما زلنا نذكر ما حدث مع الصحفي معتز ودنان، الذي اعتقل لمجرد أنه قام بإجراء مقابلة مع المستشار هشام جنينة، تطرق خلالها إلى مكافحة الفساد ودعم المرشح الرئاسي الفريق سامي عنان في انتخابات 2018.
وذكر هشام جنينة خلال المقابلة أن لديه وثائق تُظهر أن قادة الجيش قد لعبوا دورا  في تشجيع الاضطرابات الاجتماعية بعد ثورة يناير 2011، وهدد بنشر كل تلك الوثائق في حال ما تعرضت حياة "عنان" للخطر.
فتم إلقاء القبض على كل من "جنينة" و"ودنان" وإيداعهم السجن. ويبدو أنهما لم يفهما ماتحدثا فيه خلال المقابلة ، وأخلا بشروط الاعتراض التي حددها السيسي!
ولكن الحقيقة أن هناك تهما معلبة وجاهزة لكل من يعترض على سياسات النظام، وهى"تهديد الأمن القومي" و "الانتماء إلى جماعة إرهابية محظورة" و "نشر معلومات كاذبة"… إلخ .
بدليل أن برلمان العسكر الذى تم اختياره على عين الجهات الأمنية لم يطق تصريح عضو البرلمان محمد عبدالعليم داود عن فساد حزب "مستقبل وطن" بأنه أفسد الحياة السياسية ، وأنه حزب الكراتين ، وقال: "اللي على راسه بطحة يرد عليا".
وتم طرده من الجلسة العامة وفصله من حزب الوفد الموالي للانقلاب العسكري  تمهيدا لإسقاط عضويته بزعم أنه يُشترط للاستمرار في عضوية المجلس أن "يظل النائب محتفظا بالصفة التي تم انتخابه على أساسها".
وحديث قائد الانقلاب عن الاعتراض لايختلف كثيرا عن تداول السلطات الذي طالب به بوق الانقلاب عمرو أديب رئيس برلمان الانقلاب السابق علي عبدالعال الذي غضب لعدم اختياره رئيسا للبرلمان لفترة تالية، قائلا له: "ده دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لما اختاروا غيره مزعلش، وكتب: اليوم يبدأ عملي من جديد، النهاردة واحد رئيس لجنة بكرة يبقى عضو عادي في اللجنة، النهاردة يبقى رئيس مجلس بعد كده يبقى عضو، دي حاجة سياسية".
هكذا تكون المعارضة وتداول السلطة لدى نظام الانقلاب!

Facebook Comments