نشأ المسلمون على الإيمان المطلق بآيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة، ومنها قوله : [تكاثروا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة]، فالله عز وجل خلق الأرض لتكون مصدرا لطعام الإنسان وشرابه، هي المائدة التي أعدها الله للبشر منذ بدء الخلق إلى قيام الساعة؛ وبالتالي فإن القول بعدم وفاء الأرض بطعام البشر في أي بقعة منها هو زعم لا أصل له؛ ذلك أن الأساس هو عمل الإنسان وكده بحثا عن الرزق، وكلما سعى الإنسان في رزقه كافأه الله بالرزق من أوسع الأبواب. فعدد البشر مهما كثر وتعاظم لا يمثل مشكلة من وجهة النظر الإسلامية؛ فمائدة الله تكفي للجميع، لكن الأهم هو تنشئة وتكوين هذا الإنسان حتى يكون إيجابيا ومنتجا؛ فرزق الله لا ينفد وموارد الأرض تكفي، والمشكلة هي في عدم قدرة البشر على إدارة هذه الموارد بشكل صحيح يؤدي إلى زيادة الإنتاج وتحقيق الكفاية والرفاه للبشر. أمر آخر هو انعدام التكافل البشري الذي يعد أحد أهم أسباب الجوع والفقر؛ ففي الوقت الذي تتعرض فيه بلاد لنقص الغذاء غالبا تكون بلاد تحكمها نظم مستبدة، نجد حجم الطعام الفائض عن الحد في بلاد أخرى يكفي هذه الشعوب والدول ويفيض أيضا؛ فموارد الأرض كثيرة وتكفي كل البشر، لكن ظلم الإنسان للإنسان من جهة، واستئثار نفر قليل بالثروات والأرزاق بطرق غير مشروعة من جهة أخرى هو ما يفضي تلقائيا إلى اختلال الميزان.
ومؤخرا بات نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي يعلق فشله الدائم وإخفاقه المستمر على شماعتين: الأولى، هي الإرهاب. والثانية، هي الزيادة السكانية. وكلما خبت الأولى أبرزت الآلة الإعلامية للنظام الشماعة الأخرى حتى يكون هناك باستمرار ذرائع يقدمها نظام العسكر لفشله المتواصل.
ويوم الجمعة الماضي 19 فبراير 2021م، ارتقى وزير الأوقاف بحكومة الانقلاب محمد مختار جمعة، منبر مسجد السادات في تلا بمحافظة المنوفية، وبدلا من حث المسلمين على التكاثر والتناسل عملا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإذا به يأتي بدين جديد يزعم أن «العقم» قد يكون نعمة من الله، وذلك في إطار تشجيعه للناس بعدم التناسل أو الإقلال منه عملا بتوجيهات نبي هذا الدين الجديد "الطاغية عبدالفتاح السيسي"، ألم يصفه الطبال الأزهري سعد الدين الهلال بأنه نبي، وأن الله بعث السيسي ومحمد إبراهيم نبيين كما بعث موسى وهارون؟!
وفي خطبة الجمعة وصف مختار جمعة الزوجين اللذين يسعيان إلى الإنجاب بعد زواج امتد إلى سنوات بأن ذلك شكل من أشكال القنوط من رحمة الله، فإذا تأخر زوجان في الإنجاب فلا يجب عليهما البحث في العلم والطب عن علاج لذلك؛ لماذا؟ لأن "العقم" في "دين السيسي الجديد" الذي يبشر به مختار جمعة هو قنوط من رحمة الله!

الخطاب الديني الجديد!
الغريب في الأمر أن الوزير الأمنجي حاول تغليف هذا الهراء الشرعي والعلمي بغلاف براق واعتبر هذا التجديف فهما جديدا لنصوص الإسلام في ضوء متطلبات العصر، وأن على أهل العلم التركيز على تنظيم الإنجاب ووضعه ضمن "الضرورة الشرعية".
ووصف جمعة سعي بعض فئات المجتمع المصري إلى إنجاب الولد باعتباره نوعا من أنواع عدم الرضا بقضاء الله، وقال إن "سعي المصريين إلى كثرة الإنجاب بهدف أن يرزقهم الله بالولد ليكون سنداً لهم خطأ كبير"، مضيفا أن "العقم قد يكون نعمة في كثير من الأحيان"، وأن الأزهر الشريف إذا أراد أن يعطي فتوى في أمر تحديد النسل، فتجب مراعاة كثير من الجوانب، فإن كانت الدولة شاسعة المساحة، وفيرة الثروات، فلا مانع من الإنجاب طالما كان العائل قادرا مستطيعا، في حين أن "الوضع الراهن في مصر يجعلنا نخرج أمر تحديد النسل من فتوى الحلال إلى وضعه تحت بند الضرورة الشرعية".
واعتبر جمعة تجديفه قراءة جديدة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج]، ووضع البلاد حاليا يجعل من شرط الباءة عسير المنال واعتبره شرطا للإنجاب أيضا لمن تزوجا ولم ينجبا!!
ما يقدمه مختار جمعة هو شكل من أشكال التجديد في الخطاب الديني الذي يبشر به السيسي منذ سنوات ما بعد انقلابه المشئوم في منتصف 2013م. وترد الاستشارية النفسية نيفين محسن إن المجتمع المصري لن يمكنه الاستجابة لهذه الضغوط المتكررة في خطاب تحديد النسل، كما "تجب مراعاة الألفاظ المستخدمة في النصح، وضرورة أن يختبر كل شخص النصح على نفسه أولا، فكيف للمصريين أن يستجيبوا لتنظيم النسل بينما من ينصحهم لديه عدد كبير من الأولاد".

غرامة على الإنجاب!
في ذات السياق، دعت وزيرة التضامن الاجتماعي بحكومة الانقلاب، غادة والي، الإثنين 15 فبراير 2021م، إلى فرض عقوبة قانونية على كثرة الإنجاب، للمساهمة في الحد منه. وشددت والي، خلال مشاركتها باحتفال منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، بمناسبة مرور 70 عاما على إنشائها، على أهمية تضافر الجهود والعمل مع جهات الدولة للحد من هجرة الأطفال، وحمايتهم مما يقع عليهم من أذى في مراحلهم السنية المختلفة. وأضافت أن مصر لديها 9 ملايين طفل تحت خط الفقر، ما يعني افتقارهم إلى الحد الأدنى من الرعاية، مشيرة إلى أنهم يتعرضون لأنواع مختلفة من العنف أشد قسوة من مجرد التربية السليمة أو عدمها، وضربت أمثلة منها الزواج المبكر، والفتيات اللاتي يعانين من الإنجاب المبكر.
وتأتي خطبة مختار جمعة وتصريحات غادة والي متسقة تماما مع توجهات الطاغية السيسي الذي كرر مؤخرا حديثه عن الزيادة السكانية، ومطالبته بضرورة تقليل الإنجاب، ما يفسر توجه الخطاب الديني الرسمي، الذي تتحكم فيه وزارة الأوقاف، إلى فرضه على خطب الجمعة وغيرها، كما أثار الإعلامي المقرب للنظام تامر أمين مؤخرا غضبا واسعا حين تحدث في ذات الموضوع، بعد أن تحولت محاولته لتنفير المصريين من كثرة الإنجاب إلى خطاب كراهية للفقراء وتمييز ضد سكان صعيد مصر.

Facebook Comments