تحت شعار صاخب ومدوٍّ "ألبانيا ليست للبيع"، خرج آلاف المتظاهرين الألبان إلى شوارع العاصمة تيرانا احتجاجاً على مشاريع استثمارية تهدف إلى تحويل جزيرة "سازان" التاريخية ومناطق ساحلية محمية إلى منتجعات سياحية فاخرة.
وتأتي التحركات الشعبية مدفوعة برفض قاطع للتنازل عن جغرافيا البلاد لصالح قوى ونفوذ خارجي، حيث ارتبطت هذه الصفقات بأسماء بارزة مثل إيفانكا ترمب وزوجها جاريد كوشنر عبر شركته الاستثمارية "Affinity Partners"، وبتمويل ومشاركة من رجال أعمال قطريين (الأخوين الخياط) عبر شركة "Albania Land Development"، وسط اتهامات سياسية وشبهات فساد مالي وتزوير لسندات الملكية.
الجغرافيا هي اللعنة وهي الثمن
يرى الإعلامي والموثق التاريخي أسعد طه، مقدم برنامج "نقطة ساخنة" سابقاً على شاشة الجزيرة، أن ما تشهده ألبانيا اليوم من جدل واسع حول قطعة أرض أو مشروع استثماري لا يمكن فصله عن الجغرافيا السياسية للبلاد، التي وصفها بأنها كانت دائماً "اللعنة والثمن". فألبانيا تقع في قلب منطقة البلقان التي شكلت على مدى قرون ساحة صراع للإمبراطوريات والنفوذ الدولي.
ويضيف أن الشعب الألباني دفع أثماناً باهظة عبر تاريخه الحديث؛ فبعد انهيار الدولة العثمانية وإعادة رسم حدود البلقان، وجد ملايين الألبان أنفسهم فجأة خارج حدود دولتهم الجديدة، لتدخل البلاد بعدها عقوداً من العزلة الشديدة والفقر والصراعات السياسية. وعاشت ألبانيا واحدة من أكثر التجارب الشيوعية انغلاقاً في أوروبا تحت حكم "أنور خوجة"، الذي فصل البلاد تماماً عن محيطها الخارجي ووصل به الأمر إلى إعلانها دولة ملحدة رسمياً وعقابها على هويتها. ومع انهيار ذلك النظام، انتقلت البلاد إلى اقتصاد السوق وسط تحديات اجتماعية واقتصادية عميقة ما زالت ممتدة حتى اليوم.
تبييض النفوذ السياسي وقضم الهوية والجغرافيا
ولم تعد الاحتجاجات الحالية في تيرانا مجرد دفاع تقليدي عن البيئة والمناطق الرطبة أو حماية لطيور الفلامينغو والسلاحف البحرية المهددة في منطقة "Zvërnec" المحمية، بل تحولت إلى مواجهة شعبية حقيقية ضد ما يصفه أسعد طه بـ "قضم الهوية والجغرافيا لصالح قوى دولية طالما تلاعبت بالبلقان". فألبانيا المحصورة تاريخياً بين أطماع جيرانها، تحولت اليوم إلى ساحة لـ "تبييض النفوذ السياسي" عبر صفقات العقارات الفاخرة المستفزة للمواطنين.
وتمثل منطقة جنوب أوروبا والبلقان عموماً موقعاً استراتيجياً حيوياً للولايات المتحدة الأمريكية؛ لكونها طريقاً مؤدياً إلى القوقاز، وشرق البحر المتوسط، والخليج العربي، فضلاً عن كونها محطة من محطات الحروب الاقتصادية بين واشنطن وأوروبا، وساحة لأي صدام محتمل مع روسيا. ومن هنا، فإن الغضب الشعبي الألباني يتجاوز رفض الاستثمار السياحي إلى استشعار خطورة التغلغل الأجنبي ومحاولة استرداد الكرامة الوطنية والسيادة على الأرض، حيث يثبت هذا الشعب من جديد استيقاظ مارد هويته ورفضه التنازل عن أرضه مهما كانت المغريات.
ويشير أسعد طه @Assaadtaha إلى أن ألبانيا عاشت واحدة من أكثر التجارب الشيوعية انغلاقًا في أوروبا، إذ تحولت لعقود إلى دولة شبه معزولة عن العالم الخارجي في ظل حكم أنور خوجة، الذي تبنّى سياسة صارمة لفصل البلاد عن محيطها، وصولًا إلى إعلانها دولة ملحدة رسميًا. ومع انهيار هذا النظام، دخلت ألبانيا مرحلة انتقالية صعبة نحو اقتصاد السوق، رافقها انفتاح مفاجئ على العالم، وهجرة واسعة، وتحديات اقتصادية واجتماعية عميقة ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.
القضاء والتحفظ التدبيري
على الصعيد القانوني والدبلوماسي، لفتت منصة @political0s إلى أن مشروع المنتجع السياحي الفاخر في ألبانيا، والمدعوم من شركة "Affinity Partners" التابعة لجاريد كوشنر (صهر ترامب) بقيمة 4 مليارات دولار، يعد محوراً لجدل دولي واسع. وتشير التقارير إلى مشاركة قطرية في المشروع عبر شركة "Albania Land Development" المملوكة لرجال الأعمال الأخوين الخياط، وسط ادعاءات سياسية تربط المشروع بتفاهمات سابقة تتعلق برفع العقوبات عن سوريا.
وتتدخل النيابة العامة الألبانية في الملف عبر إصدار أمر بفرض "حجز وقائي" وتجميد الحسابات البنكية لشركة "Albania Land Development". وجاء هذا التحرك القضائي ضمن تحقيقات موسعة تحيط بملكية أراضٍ ساحلية اشترتها الشركة مؤخراً في منطقة "Zvërnec" جنوب البلاد، للاشتباه في أن سندات الملكية الخاصة بها احتيالية ومزورة.
ويواجه المشروع معارضة محلية وبيئية شرسة نظراً لوقوعه داخل منطقة ساحلية محمية على البحر الأدرياتيكي وقرب منطقة "Pishë-Poro-Nartë" الرطبة، وهي بيئة حساسة لتعشيش السلاحف البحرية وطيور الفلامنغو. وقد خرج آلاف المتظاهرين في العاصمة تيرانا رفضا للمشروع وتحت شعار "ألبانيا ليست للبيع"، وتصاعد الغضب الشعبي إثر اشتباكات عنيفة بين السكان وحراس الأمن الخاصين بالموقع.
وتسبب العنف في موقع البناء بأزمة دبلوماسية حادة مع اليونان، بعد إصابة مواطن ينتمي للأقلية اليونانية هناك، مما دفع أثينا لإصدار تحذيرات صارمة تربط بين احترام حقوق الملكية وحماية البيئة وبين طموحات ألبانيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ومن جانبها، أعربت المفوضية الأوروبية عن مخاوف مماثلة تتعلق بسيادة القانون والبيئة، مما وضع مسار اندماج ألبانيا الأوروبي تحت ضغط حقيقي، رغم دفاع رئيس الوزراء الألباني "إيدي راما" عن الأهمية السياحية للمشروع.
مواجهة الشعوب
تتميز الموجة الاحتجاجية الحالية بتمددها الأفقي؛ فهي لم تعد حراكاً مقتصراً على "جيل زد" أو فئة الشباب الغني، بل تشهد مشاركة شعبية واسعة تضم كافة الأعمار، والفئات، والانتماءات السياسية، مع امتداد عدوى التظاهر إلى مدن ألبانية أخرى، وتنظيم الجاليات الألبانية في أوروبا وقفات تضامنية موازية.
وفي المقابل، يظهر السلوك السياسي للسلطة الحاكمة ملامح مكررة من سلوكيات الأنظمة الشمولية؛ حيث يلجأ الحاكم إلى التهديد والوعيد، وقطع طرق الحوار مع الثائرين، وتوجيه اتهامات معلبة بالمشاركة في "مؤامرات خارجية"، والرهان على تحالفات مشبوهة. إن عجز السلطة عن النزول من فوق الشجرة، ورؤيتها للمعارضين كأنهم لا شيء، يمثل في حد ذاته المحرك الأساسي والدوافع الكفيلة بإسقاط هذه المشاريع الاستثمارية الفاسدة وحماية الجغرافيا الألبانية من البيع.
رابط تدوينة أسعد طه حول وثائقي "نقطة ساخنة" وتاريخ ألبانيا:
https://x.com/Assaadtaha/status/2063636685850567025
وثائقي "نقطة ساخنة" عن تاريخ ألبانيا على يوتيوب:
https://youtube.com/watch?v=h6sE5MlNAaA
رابط الجزء الثاني من وثائقي "نقطة ساخنة" عن ألبانيا على يوتيوب:
https://youtube.com/watch?v=KUD6t1