بات شيخ الأزهر أحمد الطيب مهموما أكثر من أي وقت مضي بغسل سمعته الملوثة بالانقلاب، ولا يترك الرجل موقفا يستطيع من خلاله تلميع عمامته المغموسة بدماء الأبرياء الذين شارك في قتلهم وإعدامهم واعتقالهم، إلا ويهرول إليه لعل من يرى فيه مجرما يستحق العقاب يراجع رأيه أو على الأقل يصيبه بالحيرة من أمره.
الموقف الأخير الذي اختطفه الطيب لينقع فيه عمامته عندما دعا لإطلاق سراح أكثر من ٣٠٠ فتاة تم اختطافهن خلال هجوم إرهابي على مدرستهن بشمال غرب نيجيريا.
جاء ذلك خلال تدوينة كتبها شيخ الأزهر على موقعي التواصل الاجتماعي، "فيسبوك وتويتر"، باللغتين العربية والإنجليزية، ورصدتهما "الحرية والعدالة" يقول: "باسمي وباسم علماء الأزهر الشريف وأساتذته أضم صوتي لصوت عقلاء العالم لإطلاق سراح أكثر من ٣٠٠ فتاة تم اختطافهن في هجوم إرهابي متوحش بشمال غرب نيجيريا، أدعو الله أن يفك أسرهن وأن يعيدهن إلى أهلهن سالمات".
وكانت الشرطة النيجيرية أكدت اختطاف ٣١٧ فتاة من مدرستهن بشمال غرب نيجيريا، في ثاني حالة اختطاف جماعي من نوعها في البلاد خلال عشرة أيام، وتعرضت الفتيات للاختطاف بواسطة مسلحين من مدرسة ثانوية في بلدة جانجيب بولاية زامفارا، حسبما أفاد المتحدث باسم شرطة الولاية.

أهان الأزهر
منذ اندلاع ثورة 25 يناير سجلت المرأة المصرية حضورا واضحا في مختلف مشاهد التعبير عن الرأي، وقد تعرضت على إثر ذلك لمحن تنوعت بين التحرش والاعتقال والإصابة وصولا إلى القتل، في مشهد غاب عن شيخ الأزهر أحمد الطيب الذي يدافع عن المختطفات في نيجيريا.
ويتجاهل "الطيب" مئات التقارير الحقوقية الدولية التي تتحدث عن مئات من المصريات المعتقلات في سجون الانقلاب، من بينهن ناشطات حقوقيات باحثات عن أزواجهن المعتقلين، وبنات شخصيات سياسية معارضة بارزة، يقبعن في السجون ومقار الاحتجاز دون محاكمات تضمن حقوقهن، مهددات بالاغتصاب حينا وبالتعذيب حينا، وبامتهان الكرامة في كل الأحيان.
وفقا لتقرير صادر عن مؤسسة الشهاب لحقوق الإنسان، عانت المرأة المصرية بعد انقلاب 30 يونيو 2013 وما زالت من انتهاكات عديدة، إذ تعرضت للاحتجاز التعسفي والسجن والإهانة والتحرش داخل المعتقلات، وكذلك الحرمان من الزيارة ومنع دخول الطعام أو الأدوية، وقد حُكم على بعضهن بأحكام حبس تصل إلى 5 سنوات بسبب أرآئهن أو القرابة اولنسب أو نشاطهن الحقوقي.
ووثق "الشهاب" وجود 69 امرأة رهن الحبس والسجن بسبب التظاهر السلمي أو لكونهن ناشطات حقوقيات أو زوجات لبعض المحبوسين أو يبحثن عن أزواجهن المعتقلين أو بطريقة عشوائية، كما وثَّق التقرير القبض على 66 امرأة تعسفيا، تعرضت 26 امرأة منهن للإخفاء القسري حتى ظهرن أمام النيابة في قضايا واهية، وما تزال 6 منهن رهن الاختفاء القسري.
وفي عام 2016 شاع على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو، لوفد من علماء الأزهر المصريين، في لقاء بعلماء السنغال، الذين أحرجوهم، أمام جمع من الحضور، في ندوة علمية؛ بسؤالهم عن حكم الانقلاب في الإسلام.
وقال أحد علماء السنغال: "إنه تشرف بتعلمه على يد الأزهريين، وكان يعتز بهم كثيرا، لكن هذه المرة، وجد نفسه في حيرة شديدة؛ بعد تأييد أكبر مؤسسة دينية للانقلاب، موجها لهم سؤال: "ما حكم الانقلاب في الإسلام؟".
وأعلن الأزهر تأييده للانقلاب في 3 يوليو 2013، وحضر شيخ الأزهر، لحظة إعلان السفاح عبد الفتاح السيسي، الإطاحة بالرئيس الشهيد محمد مرسي" من الحكم، ما أثار غضب قطاع عريض من المسلمين، وعلمائهم، بشتى أنحاء العالم.

انحيازه إلى العسكر
لم يفهم الشيخ الطيب من درس انحيازه إلى المخلوع مبارك أنه بانحيازه إلى السفاح السيسي والانقلاب يهدر دماء آلاف من أحد فصائل الوطن وأكثرها انتشارا والتنكيل بعشرات الآلاف ومطاردة أضعاف أضعافهم، والانحياز إلى الانقلابيين وادعاء أنه اختار أخف الضررين، أي أن انحيازه إلى العسكر أخف ما يمكن ارتكابه في رأيه.
لم يفهم الشيخ الطيب أن السيسي والمجلس العسكري الذين غدروا بالرئيس محمد مرسي، وقد كانوا يدعون الطيبة والبراءة في حضوره، لم يفهم الشيخ الذي كان عمره يوم تولى المشيخة 66 عاما، أن الخونة والغادرين لا خُلقَ لهما ولن يحفظوا جميله، وهم الذين لم يحفظوا جميلا لوطنهم أو لأهلهم وقلبوا الحقائق وخدعوا الملايين وأمعنوا في شق صف الوطن، ثم أدانوا المجني عليهم مُدعين أنهم الجناة في إساءة أخرى أكبر للشرف العسكري ولأنفسهم، ولم يكتفوا بذلك وإنما أطلقوا يد إسرائيل في سيناء تقتل وتعربد وتعترف بصداقة السيسي وتراه أفضل حالا مما لو حكم أحد أبنائها مصر.
وخسر الشيخ الطيب رهانا آخر بعد رهان المخلوع مبارك لما انقلب عليه تماما السفاح السيسي وقال بعدم جواز الطلاق الشفهي، ثم وجه كلامه للشيخ قائلا بأسلوبه الماكر الخبيث الذي ينضح شرا وهدوءا في خطاب عام: "مش كده يا فضيلة الإمام.. تعبتني حضرتك يا أفندم"!
وانطلقت برامج التوك شو التي طالما نالتْ من الإخوان والرئيس مرسي وقلبت الحقائق تنهش في الأزهر وشيخه، ثم بعد التفجيرين الأخيرين في مصر انفلت الزمام أكثر، فاتُهمَ الأزهر برعاية الإرهاب والتطرف وتم إنشاء مجلس أعلى لمحاربة التطرف في إيذان بأن دور الأزهر ينتهي.
ومؤخرا كرر الشيخ كلمات قالها عند اشتداد الخلاف الأول إن مهاجمي الأزهر إما إعلاميين من ذوي المصالح أو مدفوعين من الخارج، ونسي فضيلة الإمام أن هؤلاء وهؤلاء مِمنْ ذكر هم الذين أضاعوا مصر كلها أو أوشكوا من أصحاب المصالح والقابضين من الخارج، أم أن الإمام عرف مرارة كأس الانقلاب لما ثقل على شفتيه، ولم يضع نفسه لثانية مكان المصريين المخلصين الشرفاء، وإلا لفهم مبكرا ونأى بنفسه عن المشاركة في بركان الدماء فضلا عن موقفه المرير اليوم!

Facebook Comments