في واحدة من مضحكات إعلام العسكر أعلن «نشأت الديهي» في آخر حلقة من برنامجه "بالورقة والقلم" عن إنشاء مركز "جورج فلويد" في مصر للدفاع عن حقوق الإنسان في أمريكا، وأعربت الولايات المتحدة؛ وذلك ردا على إعلان واشنطن عن قلقها حيال أوضاع حقوق الإنسان في مصر.
وبرغم أن السفاح عبدالفتاح السيسى، رئيس الانقلاب، كذب عندما نفى وجود سجناء سياسيين أو معتقلين فى مصر، وادعى أن الاستقرار والأمن لهما أهمية قصوى، فإن أمريكا لا تعنيها الحقيقة، لأنها تعلمها جيدًا، ولكن الحقيقة تقف حاجزًا أمام مطامعها ونفوذها، خاصة بعد الهجوم الذي تعرضت له ثورات الربيع العربى، التى كشفت كل مخططات جمهورية العسكر العميقة.

المصالح أولا!
وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس، ”نشعر بقلق بالغ حيال أوضاع حقوق الإنسان في مصر وقمع حرية التعبير والمجتمع المدني”، مشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية “ستثير هذه القضايا ضمنا وعلنا مع المسؤولين المصريين”. وأوضح أن “انتهاكات حقوق الإنسان وقمع المجتمع المدني يقوض ديناميكية واستقرار مصر "كشريك لبلاده"، وفيما يتعلق بمبيعات الأسلحة الأمريكية إلى مصر، شدد برايس على أنّ الولايات المتحدة “يمكنها متابعة مصالحها والتمسك بقيمها! ووصف مصر بأنها دولة “ذات مكانة هامة ورائدة في مسيرة السلام بالشرق الأوسط”.
وبات السفاح السيسي يعلم جدياً أن العالم الغربي غير راضٍ عن انتهاكاته ودمويته في ملف حقوق الإنسان، ولكنهم سعيدون بشرائه كميات هائلة من السلاح الذي تنعش عوائده خزائنهم، ومرتاحون لنجاحه في السيطرة على ملفات الهجرة غير الشرعية، والحفاظ على أمن إسرائيل.
ويتظاهر الغرب أنه مضطر للتعامل مع السفاح السيسي رغم انتهاكاته المروعة في ملف حقوق الإنسان؛ متذرعين بأنه أحكم سيطرته المطلقة على مصر وقمع جميع أشكال المعارضة فلم يبق له منافس؛ متجاهلين أنهم دعموه واعترفوا بانقلابه العسكري وتغاضوا عن مذابحه الجماعية الوحشية ومنحوه شرعية القبول الدولي لأسباب تعود إلى انصياعه وخدمته لجميع المصالح الغربية في مصر والمنطقة. بسبب سيطرته شبه المُطلقة والتي تخدم مصالح الغرب.
وفي منتصف فبراير عام 2012، أي بعد الثورة بعام واحد فقط تقريباً، شن المجلس العسكري وقتها تحت قيادة المشير محمد حسين طنطاوي هجوماً عنيفاً، على مقارّ عدد كبير من جمعيات المجتمع المدني ذات الصلة بالخارج. لم يكن هذا الهجوم مجرد تدافُع روتيني بين جمهورية العسكر العميقة ونشطاء الثورة، وإنما كان جرسَ إنذار بأن هناك تعاملاً جديداً مع هذا النوع من الأنشطة السياسية الشبابية ذات التوجهات الحقوقية.
وبعد الانقلاب العسكري، في يوليو 2013، كان الجيش قد أعد تصوراً متكاملاً عن طريقة إدارة البلاد، بشكل لا يسمح بإعادة تكرار ما جرى، في يناير 2011، بدايةً من التحالفات الخارجية مع دول الثورة المضادة الغنية بالنفط والمال، ودعم اليمين في الخارج، وإعادة توسيع دائرة التحالفات الخارجية لتشمل روسيا والصين، بجانب الولايات المتحدة وأوروبا، خلافاً لما كانت عليه الحال في فترة مبارك، وصولاً إلى استقطاب وتنظيم الفئات الشابة التي كانت تدعم العسكر إبان الثورة والمجلس العسكري على استحياء، لتكون عوناً له في معركة "تشكيل الوعي" على مواقع السوشيال ميديا، يما يخدم مصالح الدولة العسكرية العميقة التي استردت الحكم للتو بانقلاب دموي كبير.
ونشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية مقالا للكاتب "ديفيد إغناطيوس"، حول "معضلة العلاقة مع مصر"، التي تواجهها إدارة جو بايدن، وقال إن مصر تمثل لإدارة بايدن مأزقا تقليديا للولايات المتحدة، يكمن في كيفية التعامل مع دولة حليفة لكنها تشهد انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. وأوضح الكاتب أن التناقض الظاهري للأنظمة الديكتاتورية الصديقة التي تقوم بتحديث دولها وفي الوقت نفسه تقمع مواطنيها يلاحق السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ أجيال.
ولكن بايدن وفريقه بدأوا بداية جيدة بعد أربعة أعوام من تجاهل سلفه لحقوق الإنسان، وفق الكاتب، في إشارة إلى حقبة الجمهوري دونالد ترامب، وقال إغناطيوس: "نأمل أن يفعل فريق بايدن الصواب. لأن مصر مهمة. وما يهمني هو الاستمرارية وتواصل البناء على الأرض. والمحاضرة على مصر من بعيد أو التهديد بمنع صفقات الأسلحة يجعل نقاد مصر في الكونجرس يشعرون بالراحة".

وبعد نشر الإدارة الأمريكية تقريرها عن مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي أعلن تورط ولي عهد السعودية محمد بن سلمان بالجريمة، تثار التساؤلات حول ما يمكن أن يمثله ذلك من قلق للسفاح السيسي؛ لارتكابه ونظامه جرائم مماثلة. المخابرات الأمريكية كشفت أن ابن سلمان وافق على قتل خاشقجي عام 2018 بقنصلية بلاده في إسطنبول، وأمر بذلك على الأرجح، فيما أدرجت واشنطن أسماء 21 سعوديا تورطوا بالجريمة نيابة عن ولي العهد. نشر التقرير الأمريكي تزامن مع حديث مقلق للأنظمة الدكتاتورية بالعالم وبينها عصابة الانقلاب بالقاهرة، حيث أعلنت رئيسة مجلس النواب الأمريكي الديمقراطية نانسي بيلوسي طرح تشريعات بعقوبات تستهدف الذين يرتكبون انتهاكات جسيمة ضد الصحفيين في العالم.

خجل أمريكي!
وأعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، بدء العمل بسياسة "حظر خاشقجي" الداعمة لفرض قيود على من يثبت ضلوعه بمضايقة المعارضين والناشطين والصحفيين ومراقبتهم وتهديدهم وإيذائهم. وتحدث عن سياسة عالمية جديدة بفرض قيود على تأشيرات الذين يرتكبون أنشطة خطيرة ضد الصحف يين والنشطاء، بل وخضوع أفراد عائلات هؤلاء المتورطين لقيود التأشيرة.
وقال السفاح السيسي في وقت سابق رداً على الانتقادات بشأن ملف حقوق الإنسان خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يعتبر أحد أبرز الداعمين لنظام الانقلاب أن مصر ليست كأوروبا أو أمريكا، وإن الدولة "لن تقوم (تنهض) بالمدونين"، في إشارة إلى النشطاء الفاعلين في الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد. وأضاف السفاح السيسي بمباركة من ماكرون: "لسنا كأوروبا أو أمريكا، الاختلاف بين الدول وبعضها أمر طبيعي، العالم كله لا يسير على نهج واحد، التنوع الإنساني أمر طبيعي وسيستمر ومحاولة تغييره إلى مسار واحد غير جيدة"!

Facebook Comments