مرحلة جديدة من نمط الحياة السياسية والاقتصادية التي تعتمد على اقتصادات الشركات كمتحكم في معايير الحياة الجديدة وأنماط الحكم في العاصمة الجديدة، بعيدا عن قواعد المسئولية الاجتماعية للدولة، والتي يبدأ نحو 50 ألف موظف في العمل بها في يوليو المقبل على أن يجري الانتقال إليها نهاية العام الجاري. حيث تستهدف الصين المستثمر الأكبر في مصر حاليا الإبقاء على حكم الطاغية عبدالفتاح السيسي لأكبر فترة زمنية ممكنة، عبر تقديم الدعم المالي والمشروعاتي لنظام السيسي المأزوم اقتصاديا، دون اشتراطات أو تهديدات أو تلميحات بشأن الديمقراطية والحقوق والحريات أو غيرها كما تفعل واشنطن وأوروبا أحيانا.
وفي هذا السياق، ووفقا لمبادرة أبحاث الصين وإفريقيا في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، تلقت مصر من الصين نحو 5 مليارات دولار بين عامي 2015 و2019، مقارنة بحوالي 280 مليون دولار بين عامي 2002 و 2014م. وهو ما تعتبره "ليزا بلايدز"، أستاذة العلوم السياسية بجامعة ستانفورد الأمريكية، شكلا من أشكال الحماية للنظام وأن "الاستثمارات الصينية في البنية التحتية المصرية لديها القدرة على دعم نظام السيسي بطريقة تحمي القيادة من الضغط الشعبي".

الحماية من الضغط الشعبي

وتضيف: «"نسبيا، تقلل العاصمة النائية، التي شيدت حديثا، الضغط على الحاجة إلى ترقية البنية التحتية المتهالكة في القاهرة، مع عزل الحكومة في الوقت نفسه عن سكان المدن الحاليين الذين أظهروا استعدادا للمشاركة في احتجاجات».
ووصف "صموئيل راماني"، وهو باحث في العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد البريطانية، العاصمة الإدارية الجديدة بأنها "استثمار الصين الرائد في مصر". لكنها، وفق "راماني"، ليست المشروع الوحيد الذي تتقدم به الصين؛ حيث إن بكين "تلعب دورا رئيسيا في تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تشرف عليها منطقة تيانجين للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية، وهي شركة صينية رائدة مملوكة للدولة".
وتستضيف "منطقة السويس الاقتصادية" العديد من الشركات الصينية، بما في ذلك "تشاينا جوشي"، عملاق الألياف الزجاجية. وتعد الصين أكبر مستثمر في مشروع محور قناة السويس؛ لذا فإن هذا يمثل حجر الزاوية الحاسم للشراكة الصينية المصرية، وينظر إليه السيسي على أنه مشروع إرث أكثر أهمية من العاصمة الإدارية الجديدة. كما أن الأهمية الإستراتيجية لهذا المشروع تعززها رغبة مصر في أن تكون قوة متوسطية وإفريقية وشرق أوسطية، وقد قام المسؤولون الصينيون بتوجيه استثمارات قناة السويس بطريقة تلبي هذه الأهداف.
وقد تعززت العلاقات الصينية المصرية بشكل كبير في عهد السيسي، وهو ما يحمل المزيد من الأبعاد الإستراتيجية، وهو ما يصفه "جون تسيه هان تشين"، أستاذ التاريخ في جامعة "نيويورك شنغهاي" الأمريكية: "مصالح الصين في مصر واضحة نسبيا ولا تتغير: الوصول إلى قناة السويس وامتلاك نفوذ ملموس جراء الشراكة مع حليف أمريكي قديم، وعلى ما يبدو، فإن السيسي طمأن الصين على ما يبدو بأن تكرار الربيع العربي، الذي أدى إلى الإطاحة بحسني مبارك، أمر غير مرجح في وقت قريب. وتابع: "تأمل الصين أن تتجنب مصر الصراع السياسي أو الاضطرابات الاجتماعية التي قد تؤثر على استثماراتها هناك أو علاقاتها مع منتجي النفط المجاورين". ورأى "تشين" أيضا أن الصين و"السيسي" يأملان في أن يقلل الانتقال إلى عاصمة جديدة من خطر الاحتجاجات التي تؤثر على عمل الحكومة والشركات.
ضد الربيع العربي

وقال: "قد يرى السيسي التنمية الاقتصادية على أنها تعزز شرعيته المحلية؛ لأنه وصل إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري وقمع داخلي، وكذلك في خضم تباطؤ اقتصادي". وتابع: "حقيقة أن السيسي يمثل رد فعل ضد الربيع العربي هي على الأرجح السبب وراء رغبته في الصين، والسبب الذي يجعل الصين تريده".
يشار إلى أنه في السنوات الأخيرة، منحت الصين مصر، الشريك الأمريكي القديم، مليارات الدولارات لتمويل مشاريع كبيرة تشمل عاصمة جديدة خارج القاهرة، والمنطقة الصناعية لقناة السويس، ومناطق تجارة حرة ومراكز مالية.
وقال "جون كالابريس"، مدير مشروع الشرق الأوسط وآسيا في "معهد الشرق الأوسط" بواشنطن: "سعت بكين إلى تعزيز علاقتها مع مصر لتدعيم مبادرة الحزام والطريق، بينما نظرت القاهرة إلى بكين كشريك مهم في إنعاش الاقتصاد المصري".
وتقوم الصين بتمويل وبناء منطقة أعمال في العاصمة الجديدة بقيمة 3 مليارات دولار، والتي من المقرر تسليمها إلى الحكومة بحلول نهاية العام المقبل.
كما تقوم شركة "هندسة البناء الحكومية الصينية"، مقاول المشروع، ببناء برج من 80 طابقا بارتفاع 385 مترا كجزء من المشروع، والذي سيكون عند اكتماله أعلى ناطحة سحاب في إفريقيا. كما يمول "بنك الصين للاستيراد والتصدير" (حكومي) خط قطار خفيف يربط القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة بمصر بتكلفة تصل إلى 1.2 مليار دولار.

وزعم السيسي، مؤخرا، إن الانتقال إلى العاصمة الجديدة سيكون "بمثابة ميلاد دولة جديدة" لمصر. وزادت بكين استثماراتها في مصر بشكل كبير منذ عام 2014. ولعل الأهداف الصينية في السيطرة على الاقتصاد والمجتمع المصري والتي تصب في صالح بقاء نظامم الانقلاب العسكري، قد يتصادم مع السياسات الأمريكية بالشرق الأوسط وهو ما قد يفجر صراعا يدفع ثمنه المصريون.

Facebook Comments