كان حلم قائد "الحركة الشعبية لتحرير السودان" الجنوبية الراحل "جون قرنق" هو فصل جنوب السودان عن شماله، وعلمنة السودان وإبعاده عن الشريعة الإسلامية التي تم النص عليها في دستور السودان عقب تحالف العسكر والاسلاميين عام 1989.

انتهي الأمر باستقلال تيار قرنق بالجنوب وإنشاء دولة جنوب السودان المسيحية 9 يوليو عام 2011.

ونجح بقية تيار قرنق (الحركة الشعبية لتحرير السودان – جناح الشمال)، في فرض العلمانية وإبعاد الشريعة على تحالف العسكر واليساريين الحاكم في السودان منذ الانقلاب على البشير 10 إبريل 2019.

الاتفاق (وثيقة إعلان مبادئ) الذي وقعه المشير عبد الفتاح البرهان بنفسه، ممثلا لعسكر السودان، مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (جناح الشمال) في 28 مارس 2021، حدد هوية البلاد دون موافقة شعبية بإقرار العلمانية وإبعاد الشريعة.

وفقا للاتفاق في بنده الرابع يصبح السودان، وفق رغبة العسكريين الذين يمثلون السلطة الانتقالية غير المنتخبة ودون استفتاء أو تصويت شعبي، دولة علمانية تفصل الدين عن الدولة" و"لا تتبنى دينا رسميا".

سبق هذا إصدار تحالف العسكر واليساريين الحاكم فرمانات قانونية متتالية بغرض التخلص من أي مواد تخص الشريعة الإسلامية في القوانين السودانية، وأصدروا سلسلة قوانين تبيح الخمر وتسمح بالردة وترفض ملابس المرأة المحتشمة.

وصادق رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، على حزمة تعديلات قانونية ألغى بموجبها حد الردة وأباح شرب الخمر لغير المسلمين، وألغي تحديد زي المرأة وأقر تجريم ختان النساء وسمح لهن باصطحاب أطفالهن في السفر بدون إذن الزوج.

ما بعد الانقلاب على البشير

القصة بدأت عقب انقلاب إبريل 2019 ضد الرئيس السابق عمر البشير، وتولي خليط من اليساريين والعسكر الحكم، حيث تم إعداد "وثيقة دستورية" أغفلت النص على الشريعة الاسلامية كمصدر للتشريع على غرار ما كان قائما في دستور 2005.

الوثيقة التي جرى التوقيع عليها 4 أغسطس 2019 أغفلت تحديد مصدر التشريع، ولم تحدد العربية اللغة الرسمية للبلاد.

وبرغم فضح المتحدث باسم المجلس العسكري، الفريق الركن شمس الدين كباشي، قادة الاحتجاج، واتهامهم في مؤتمر صحفي بإقصاء الشريعة كمصدر للتشريع من الاقتراحات التي قدّمتها بشأن المرحلة الانتقالية المقترحة، فقد وافق المجلس العسكري على الوثيقة في 4 أغسطس 2019 وعلى إقصاء الشريعة منها.

ولأنه لا مجال للشريعة في هذه الفترة الانتقالية في الوثيقة الدستورية، فقد سعي اليساريون الذين يشكلون حكومة السودان باسم "قوى الحرية والتغيير"، مؤخرا، لتمرير سلسلة تشريعات مخالفة للشريعة، مثل إباحة شرب الخمر والردة، فضلا عن إلغاء قوانين تتعلق بزي المرأة المحتشم.

الوحدة مقابل العلمانية

رغم التفاؤل بتوقيع اتفاق المبادئ بين الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال، فإن مخاوف عديدة تسيطر على قوى سياسية وشعبية من خلق أزمة جديدة حول هوية الدولة ونظامها السياسي.

وطالبت الحركة الشعبية لتحرير السودان بتخلي الخرطوم عن تطبيق الشريعة في السياسة وأن تصبح دولة علمانية ديمقراطية.

ومنذ بدء المفاوضات مع الحركة الشعبية-شمال، عمدت دائما لإثارة قضايا العلمانية وفصل الدين عن الدولة، وهي قضايا بالغة الحساسية وكانت دوما تثير حفيظة الجماعات المحافظة وتقطع الطريق أمام استمرار المفاوضات بين الحكومة والحركة، فضلا عن إصرار الأخيرة على الاحتفاظ بجيشها وعلى طرح خيار حق تقرير المصير، الذي بدوره يثير حفيظة السودانيين من واقع انفصال جنوب السودان عقب استفتاء على تقرير المصير في يوليو 2011.

ونص الاتفاق في بنده الرابع على "تأسيس دولة مدنية ديمقراطية  فيدرالية في السودان، تضمن حرية الدين والممارسات الدينية والعبادة لكل الشعب السوداني، وذلك بفصل الهويات الثقافية والإثنية والدينية والجهوية عن الدولة، وألا تفرض الدولة دينا على أي شخص، وألا تتبنى الدولة دينا رسميا".

وأكد القيادي في الحركة محمدين عمر أن اتفاق المبادئ نص على عدم استغلال الدين في السياسة، وألا يكون هناك دين رسمي للدولة، وهو ما يؤسس لعلمانية "كاملة الدسم" لكل السودان. و"ما دام تم النص على إثبات فصل الدين عن الدولة في الاتفاق، فيفهم أنه لا داعي لتقرير المصير".

وأشار، في تصريحات نشرها موقع "الجزيرة نت"، إلى أن الملاحظ أن اتفاق المبادئ غابت عنه أي إشارة إلى حق تقرير المصير أو الحكم الذاتي، مع الإشارة إلى الفيدرالية التي يقرها الدستور السوداني.

وأفادت تقارير بأن "البرهان" وافق على شرط الحركة الشعبية-شمال بعلمانية الدولة مقابل الحفاظ على وحدة الأراضي السودانية.

الحركة الإسلامية تناصر الشريعة

استنفرت "الحركة الإسلامية" بالسودان قواعدها، ودعت الشعب للخروج للتظاهر وإسقاط حكومة عبد الله حمدوك اليسارية التي تحكم البلاد بالتعاون مع المجلس العسكري، مؤكده أن الشريعة خط أحمر وأن حبل الصبر الذي تمسكت به الحركة الإسلامية قد وصل إلى نهايته.

وتشير تقديرات إلى تجاوز عضوية الحركة مليوني شخص، وينقسم التيار الإسلامي في السودان إلى 3 قوى رئيسية قادرة على الحشد والتأثير على الرأي العام في البلاد، وهي جماعة الإخوان المسلمون وحزبا المؤتمر الوطني الحاكم سابقا، والمؤتمر الشعبي (حزب الترابي)، ولكنهم جميعا يشكلون تيار "نصرة الشريعة ودولة القانون".

وبسبب إقصاء اليساريين في قوى الحرية والتغيير للإسلاميين ورفض العسكر مشاركة إسلاميي الحزب الحاكم في أي مفاوضات وتحفظ باقي القوي الإسلامية على الوثيقة الدستورية خصوصا عدم تضمنها مادة الشريعة الإسلامية، بات الطرف الأكثر حركة هم الإخوان والسلفيون وحزب الترابي السابق.

السودان يبتعد عن "الشريعة"

وكان أحد أبرز معالم السودان بعد تحالف الإسلاميين والعسكر عقب 1989 هو الشريعة الإسلامية، التي ظل النص عليها أمرا طبيعيا في كل مواثيق ودستور السودان، ولم يكن يعترض عليها، برغم عدم تطبيقها بالكامل، سوى فريق من اليساريين والعلمانيين والحركة الجنوبية التي استقلت بدولة الجنوب.

لهذا استغرب السودانيون قبل العالم أن تخرج "الوثيقة الدستورية" التي وقع عليها المجلس العسكري، مع القوي اليسارية والعلمانية التي تقود حراك السودان الحالي بدون النص على الشريعة الإسلامية.

ويبدو السودان مهددا في هويته الإسلامية بعد إقصاء الشريعة من الوثيقة الدستورية التي تسير عليها البلاد كدستور مؤقت، وتمرير قوانين معادية للشريعة، وتلوح بوادر صدام بين الحركة الإسلامية السودانية واليساريين والعسكر بعد تعديهم على الشريعة، وهو ما يهدد بأن يستغل العسكر الأمر ويستولوا على الحكم بمفردهم على غرار ما فعله قائد الانقلاب بمصر.

Facebook Comments