بدأ القلق يتصاعد بصورة كبيرة في تونس، تجاه التهديدات المتوالية التي يبعثها الرئيس المنتخب قيس سعيّد، في مواجهة المؤسسات الدستورية، خصوصاً سلطات البرلمان والحكومة التي تخضع لتوجهات التصويت من الشعب التونسي. وهاتان الركيزتان مرجعية البرلمان في مراقبة السلطة التنفيذية وضبطها، ودور المشاركة الشعبية في تحديد سمات الحكومة ورئيسها، هما الضامن لبقاء الإرادة الشعبية، وهذه اليوم الفارق فيما تواجهه أقطار عربية عديدة من تغوّل الفساد والاستبداد والقمع الأمني. وهنا تتضاعف المخاوف، حين يؤكّد الرئيس سعيّد مرجعيته الأمنية والعسكرية فوق مراقبة بقية السلطات، وهذا لا يعني نزع الحق الرئاسي في مواجهة ما يطرأ على الأوطان، من ظروفٍ أمنيةٍ أو عسكريةٍ خارج الحدود، وما يرتبط باستقرار الداخل القومي، فهذا مفهومٌ تماماً للرئيس الوطني المنتخب الذي يعلو على نزعات التنافس والصراع الشخصي الحزبي والسياسي.
ولسنا هنا نُقدّم شرحاً للدستور التونسي، فأهله أدرى به، وإنما حديثنا عن الإشكالية السياسية العميقة، في فرز صلاحية السلطات، واستغلالها لقلب الأمور على الإرادة الشعبية، كظاهرة عامة عانت منها دول عديدة، عربية وغير عربية، وقد نُقض الربيع العربي دموياً عبر الحجّة ذاتها.

وهناك جدل مشهود في تونس منذ مدة، بشأن تنظيم الصلاحيات التي تسمح باستقرار أكبر للدولة وللحكومة، مع بقاء قوة الرقابة وسلطة التشريع والاستدعاء، وهو ما كانت تونس تحتاجه بعد مضي الفترة الانتقالية، وتمكّن الاستقرار الاقتصادي الذي يساعد القاعدة الشعبية على تأمين رزقها، وحياة أجيالها اليومية بالعموم، ودفع عجلة الاقتصاد للتقدم لتغطية العجز القومي للتنمية، وهو من أهم أسباب الإحباط الذي نقرأه في معاناة أبناء تونس.
هذا الاستقرار والانطلاق نحو التقدّم التنموي تبرز مسببات إعاقته في وجود قوة إقليمية عربية مناهضة لأيّ استقرار ديمقراطي وتعزيز لتداول الحكم في الدول العربية، ولا يزال هذا التوجه فاعلاً بين مصر والمحور الخليجي الحليف لها، وآثاره ظاهرة على الساحة العربية. وقد برزت قدرته في التمكّن من شريحة داخل الوطن التونسي حتى في البرلمان، وهذا لا يعني نزع حق التدافع بين التيارات السياسية ضد حركة النهضة أو معها، والتحفّظ على أيّ تدخل عربي أو إقليمي آخر ترفضه هذه التيارات. لكنّ المشكلة ليست في التدافع السياسي المنضبط بالمصالح القومية، وإنما في حجم قدرة هذا المحور العربي على استغلال عنف الصراع السياسي في تونس، وجذوره الفكرية الشرسة المتداخلة مع مصالح لوبيات فساد أو استبداد قديمة. وبالتالي، لا يغطي تحريك المسرح المباشر اليوم كلّ الحراك الخفي لتعطيل مستقبل تونس التنموي والديمقراطي، فهناك مشروع أعمق وأخطر من ظاهرة صخب النائبة عبير موسى.

ومن المقلق هنا أنّ حجم الاحتقان في الصراع السياسي في تونس يتفاقم في اتجاه تحوّله إلى كرة ثلج تُستخدم لهدم ما تبقى من ممانعة وطنية داخل بعض التيارات، تمثل الحصن الأخير للحفاظ على تونس، ومستقبل شعبها الذي يجمع بين الحرية السياسية والتنمية، في اتجاه الدولة ونهضتها على المستويين، العربي والأفريقي… هنا بالضبط جاءت تصريحات الرئيس قيس سعيّد، وكأنّها تدفع إلى لحظة قطاف يرعاها المحور العربي المتحد مع الرؤية الفرنسية، وكتل سياسية داخل المشهد التونسي ظاهرة أو باطنة. وتواصُل سعيّد مع مصر والعلاقة معها، باعتبارها دولة عربية مركزية، لا إشكال فيه، لكنّ الخطير التقاطع مع النظام الدموي وتوجهاته، ونقل ثقافة جريمته إلى تونس، وهو ما أثار المخاوف حوله في ظل العبارات الخطابية المشدّدة التي واصل إطلاقها.
وتعود بنا اللحظة هنا إلى الموقف ما بعد انتخاب الرئيس قيس سعيّد، حين بدأ التفاؤل يتقاصر تونسياً، وهو المهم، ثم عربياً، أملاً لتونس، ونموذجاً يُرجى ثباته وتطوّره في الوطن العربي. غير أنّنا كنا وما زلنا ننظر إلى هذا الخلاف بحذر شديد. ويرتكز هذا الحذر على خطورة استباق صراع سياسي عنيف مع عهدة الرئيس سعيّد، تكون فرصةً سانحةً لإسقاط ربيع تونس دموياً.

ولذلك، المرجو لتونس أولاً أن يتنبه الرئيس قيس سعيّد نفسه إلى خطورة هذا التجاذب، وأن يسعى إلى أن يكون الرئيس الجامع للمصلحة الوطنية، فينفتح على التشكيل الحكومي، وعلى المؤسسات السيادية وبالذات البرلمان، ليُحقق لتونس نقلة كبيرة مهمة، في سبيل آمال الشعب التونسي وكفاحه. وأن يدرك، وهذا ما نرجوه له مخلصين، أن التحوّل إلى النزعة الدكتاتورية هو البصمة التي ستلحق به، سواءً أسقطته أصوات الناخبين مستقبلاً، أو منع لو حاول أن يُلغي حقهم في الصندوق، ولن تغنيه في ذلك أرتال من الخطب ولا المسارح البلاغية، فعدالة عُمر كانت روحاً تسعى بين المستضعفين، ودرّة تضرب المستبدّين، وأُذنا تُطرق للمحتجين، وتواضعا بين الفقراء والمساكين.
أما الجدل بشأن حركة النهضة، فهناك مساحة مشروعة عنه، في موقف رئيسها الشيخ راشد الغنوشي من التيار الإصلاحي المتعدّد داخلها، أو في أولوية موقعه ما بين البيت الوطني والمؤسسة الحزبية، أو في التخلّي عن التحالف مع الرئيس المنصف المرزوقي الذي أدّى أمانته، لكنّها أمور اجتهادية قدّرها الشيخ راشد ورفاقه، وكانت كلتا مرحلتي التأسيس مع المرزوقي، الرجل النزيه الأمين، ومع رجل العهد القديم القوي، الباجي قائد السبسي، تخضع لتقدير حساسية المرحلة التي لها ظروفها سيحكم عليها التونسيون. لكنّ ذلك كله لا يمكن أن يُسقط دور الشيخ راشد التاريخي، واعتداله الصلب، وتحمّله المسؤولية الكبيرة، لكي تعبر تونس الوطن وتونس الدولة بكل تياراتها، ولكي يبدأ حلم "النهضة" نحو تونس جديدة. وقد تحمّل الشيخ راشد الكثير من صنوف الأذية والانحطاط، ومن مواسم المزايدة والدفع به، من دون أيّ مبرّر إلا خدمة المحور الإسرائيلي العربي الفرنسي، والتطرّف الفكري المشوّه لبعض الخصوم السياسيين والثقافيين، لكنّه ما زال يُمثل مفصل الثبات للعقل الوطني والصمود التونسي أمام الفتنة.

Facebook Comments