خلصت دراسة علمية إلى أن "الدولة المصرية الحديثة التي أسسها محمد علي باشا نشأت لخدمة الجيش النظامي الحديث، وهذا الجيش ما نشأ إلا بهدف واحد هو تحقيق أطماع الباشا (محمد علي) التوسعية وحماية نظامه ضد كل التهديدات والأخطار
واستقرت الدراسة التي جاءت بعنوان "الجيش المصري .. النشأة والتكوين والعقيدة القتالية" ونشرها موقع "الشارع السياسي" إلى أن "الدولة المصرية خادمة للجيش والجيش خادم للحاكم  وأداته لإخضاع الشعب وقهره إذا طالب بالحرية والإصلاح".
وتحدث الورقة عن هلاك الجيش قبل نحو “3200” سنة في عهد رمسيس الثاني، لدى غرقه وهو يطارد موسى وبني إسرائيل وأن الامتداد الحالي ساهم فيه الغرب عامة والفرنسيون تحديدا بشكل خاص مستندا إلى مصدر وحيد هو كتاب "كل رجال الباشا" لمؤلفه خالد فهمي الذي أعتبر أن الباشا (محمد علي باشا) الذي حكم مصر ما بين 1805 حتى 1848م، يعتبر هو مؤسس الجيش المصري بشكله الحديث والنظامي على النمط الغربي، والذي يمكن أن يمثل امتدادا للجيش الأول في عهد الفراعنة.

الدولة خادم
وتحدثت الدراسة عن أن الدولة باتت في خدمة الجيش، وأن ذلك يستند إلى "فكرة تأسيس جيش حديث تتطلب بالضرورة تأسيس دولة حديثة، تستطيع أن تدوّن الواقع وتضع الحياة في القوالب المكتبية، وخطوط إمداد الجيش تحتاج إلى أسطول ضخم من البيروقراطيين؛ لتسجيل أحوال الجيش وإمداده بكل شيء من طعام وشراب وذخيرة وحتى الزي العسكري".
وأضافت أنه "هكذا كانت الدولة التي أنشأها محمد علي مهيأة لخدمة الجيش، فأنشأ إحصاء عاما ليس لمصلحة الناس وإنما لكي يعرف عدد من يصلح للتجنيد من شبابها ورجالها، وأنشأ المستشفيات لكي يعالج الأمراض التي  أصابت الجنود  نتيجة الحروب، وأنشأ الدواوين والدفاتر  للتسجيل والتوثيق؛ لكي يسيطر على خدمة الجيش،  وأنشأ البطاقات الشخصية لكي يكافح التهرب من الجيش، حتى نشأ الجهاز الإداري للدولة والكتاب والإداريين والأطباء، والإعلام والوعاظ لإقناع الناس بفضل الجندية، وطاعة الحاكم، وهذه القناعة لازالت موجودة حتى عصرنا هذا، فهم يرون أن الدولة خادمة للجيش وليس الجيش خادما للدولة، ويخضع لسيادة شعبها ككل الجيوش الاحترافية في العالم المتحضر".

العقيدة القتالية

وأضافت أن "الجنرال الفرنسي اتجه في بناء عقيدة الجيش النظامي الجديد عبر تغيير الأفكار وصناعة عقيدة جديدة خلاصتها أن تكون الطاعة المطلقة للحاكم وحده، والضباط باعتبارهم نواب عن الحاكم. وعبر عمليات التربية العسكرية على الضبط والربط والانضباط للأوامر ثم الوحشية التي جرى بها التعامل مع المجندين حتى يصبحوا عجينة قابلة للتشكيل الذي يريده الحاكم".
وكشفت الدراسة أنه "لذلك جرى كسر نفوسهم واستعبادهم وتمت عمليات غسيل مخ عبر أدوات القهر والتلقين والأوامر، وجرى ترسيخ هذه المفاهيم في عقولهم وأذهانهم بهدف إنتاج جندي كالآلة يطيع وينفذ الأوامر دون نقاش أو تفكير أو حتى مرجعية أخلاقية أو دينية".

وأشارت إلى أن "الأوامر الصادرة هي بحسب هذه التربية  العسكرية أعلى قدسية من الأحكام الدينية والقيم والمبادئ الأخلاقية ذاتها، وكانت العقوبات الغليظة التي جرى إيقاعها بالمخالفين للأوامر هي التي مهدت الطريق لتكوين مثل هذه النوعية من المجندين الغلاظ الشداد الذين لا يعصون الحاكم فيما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون".

وأكدت أن "عقيدة الجيش لم ترتبط بأي قيمة إسلامية أو وطنية، بل على العكس فإجراءات التأسيس وطرق التجنيد تخالف قيم الإسلام وأحكامه بصورة كبيرة، ولم يَدّعِ محمد علي نفسه أنه يجند المصريين لنصرة الإسلام أو حتى لحماية الوطن؛ لأن الدولة الوطنية لم تكن معروفة وقتها على النحو الذي هي عليه الآن".
وأوضحت أن "الهدف الأساسي هو تنفيذ أوامر ولي الأمر دون نقاش أو تفكير. فهذا الجيش قتل المسلمين من أنصار الشيخ محمد بن عبدالوهاب في بلاد الحرمين؛ لدعوتهم إلى الإصلاح الديني من جهة، ورفضهم  الانحرافات التي ظهرت على السلطنة العثمانية من جهة ثانية، وقضى الوالي على هذه الحركة باعتبارها تمردا حتى يتقرب إلى السلطان ويحظى بضم بلاد الشام لتكون تحت حكمه ويوسع ولايته".

وسيلة قهر
وقالت الدراسة أنه "بهذا الجيش جرى قهر المصريين وإذلالهم على نحو رهيب رصدنا بعضه في هذه الورقة البحثية. وعندما تعارضت المصالح شنَّ الباشا بهذا الجيش حربا على السلطان والجيش العثماني الذي كان يمثل رمزا للمسلمين وقتها رغم ما بالسلطنة من انحرافات".
ولفتت إلى أنه "من الناحية الساسية فإن محمد علي هو أول من أخضع الأزهر للسلطة وأول من عيّن شيخا للأزهر وقبل ذلك كان شيخ الأزهر يُنتخب من كبار علمائه من كل المذاهب الإسلامية".

ونبهت إلى أنه "وفقا لاتفاقية “لندن” سنة 1840م فقد جرى تخفيض عدد الجيش، وأُوكل له حفظ الأمن الداخلي وحماية نظام الحكم فقط بقمع الشعب إذا طالب بالإصلاح، أما حماية الحدود فليست من اختصاصه، وإنما كانت دائما وظيفة الغرب، ونصت الاتفاقية على أن “يكون الإنجليز هم المسؤلون عن الحدود وأن يكون دور الجيش حفظ الأمن الداخلي".

 

https://politicalstreet.org/4107/4107/
 

Facebook Comments