مما لاشك فيه أن القضاة فى ظل النظام الانقلابي يتعرضون لضغوط سياسية وإعلامية غير مسبوقة جعلت البعض منهم يتماهى مع منظومة الفساد السائدة حفاظاً على مكتسباته وامتيازاته .

ولكن الأدهى والأمر أن هذا البعض أصبح ملكيًا أكثر من الملك، فصار يصدر الأحكام دون توجيه من رؤسائه، ولذلك.. فليس غريبًا أن نسمع قائد الانقلاب وهو يتغنى باستقلال القضاء وعدم التدخل فى شؤونه _ وقد صدق في ذلك وهو كذوب _ لأن بعض قضاة الانقلاب اليوم وفروا عليه التدخل، ورفعوا عنه الحرج، لأنهم أصبحوا جزءًا من المنظومة الانتقامية التي يستخدمها النظام لعقاب من يعارض ولو بشطر كلمة !! .

والأصل أن تكون السلطة القضائية مستقلة ولاتخضع لأي سلطة أخرى، ولكن السلطة التنفيذية كما هو معلوم فى النظم الدكتاتورية لابد لها من أن تهيمن على سائر السلطات .

فقل لي بربك: كيف تكون السلطة القضائية مستقلة ورئيس السلطة التنفيذية هو رئيس المجلس الأعلى للهيئات القضائية؟ وهو من يعين رؤساء الهيئات القضائية ويجدد لمن يشاء ويستبعد من يشاء؟ .

لذلك رأينا قائد الانقلاب يقول مخاطباً الشوامخ : “إنتوا مش هتسمحولي بالتدخل.. لن أتدخل أبدًا في أحكام القضاء .. وليس لي دور في هذا المجال .. وأنتم تتحملون المسئولية أمام الله في أحكامكم “.

وكأنه يستشعر مدى جرم هذه الأحكام الجائرة التى يصدرها هؤلاء الشوامخ فأراد أن يتبرأ منها ! ، وهي أحكام يعلم الجميع أنها ظالمة وتفتقد أبسط قواعد العدالة فضلاً عن أنها أحكام بتهم ملفقة .

وكأننا بأحد مشاهد يوم القيامة حينما يتبرأ الطاغية من الأتباع الذين انصاعوا لأوامره كما قال الله تعالى : {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ }.

فهل يثوب هؤلاء الشوامخ بعد هذه البراءة منهم ومن أحكامهم إلى رشدهم؟ وتستيقظ ضمائرهم؟ ويتوقفوا عن قتل الأنفس المعصومة إرضاء للطاغية الذى تبرأ منهم فى الدنيا قبل الوقوف بين يدي الله عز وجل في الآخرة ؟؟ !!

وأين سيذهب هؤلاء الشوامخ من تبرئتهم للمخلوع مبارك وولديه جمال وعلاء ووزير داخليته والعديد من مساعديه رغم ما اقترفوه في حق الوطن والمواطن … في مقابل ما أصدروه من أحكام ظالمة جائرة بإعدامٍ وسجنٍ مؤبدٍ _ بالجملة والقطاعي _ بحق كل من عارض النظام الانقلابي؟ حتى ولو كان ممن نادوا بعودة العسكر لحكم مصر والتخلص من حكم الإخوان؟؟ .

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول : ( القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار ، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار ) .

ومن أين يأتي الشموخ.. والتعيين في سلك القضاء قائم على الرشوة و المحسوبية ؟! ، حتى أصبح مجتمع القضاة أشبه بالعائلة الواحدة التي تحتكر هذا المنصب؟ ، فابن المستشار يلتحق بالنيابة وجواز مروره ليس التقدير ولكن القرابة، ومن لم يكن له صلة قرابة بأحد القضاة فالمال عِوَضًا عن القرابة ! .

وهو الذى سماه الزند “الزحف المقدس” ليس لتحرير القدس.. ولكن لاحتلال المناصب القضائية !! .

الشوامخ الذين ساهموا فى تزوير إرادة الشعب من خلال تزوير الانتخابات بطريقة فجة وممجوجة في كثير من الانتخابات خاصة انتخابات 2010 التي كانت سببا في اندلاع ثورة يناير ولَعلَّنا نذكر جيدًا شهادة المستشارة نهى الزيني على تزوير انتخابات 2005 عندما قالت : “لقد صدعتم رؤوسنا بالحديث عن القضاء الجالس والقضاء الواقف وبالتشكيك في ذمم الناس على أساس من الجلوس والوقوف ، ولكنكم نسيتم نوعًا ثالثًا أخشى أن يزداد انتشارًا وأن يسود وهو «القضاء المنبطح» ولن أعتذر عن الكلمة، ولن أسحبها فأنتم تعلمون أنها كلمة حق ، لقد خرج القضاة من مذبحة 1969 متطاولي القامة شامخي الهمة، لم يزلزلهم اغتيال حصانتهم وقطع أرزاقهم، بل ظلوا خير سياج للعدل والحق، غير أنه مع الأسف من لم يرهبهم سيف المعز تراخت إرادتهم أمام ذهبه وبدلاته ومكافآته وانتداباته في السلطة التنفيذية ، حيث يتحول الجميع (جالسون وواقفون) إلي مرءوسين لوزراء تنفيذيين، منبطحين أمام توجيهاتهم حريصين على مكتسبات مادية مغرية استبدلوها باستقلالهم وشموخهم وترفعهم عن الشبهات” .

لقد تواطأ بعض الشوامخ في قضية تهريب المتهمين الأجانب في قضية التمويل الأجنبي .

وعندما ذُكِرَ أمام ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا انتشار الرشوة والفساد فى بلاده سأل: “هل وصلت الرِّشوة للقضاء؟ قالوا: لا ، قال: إذن بريطانيا بخير” .

وحسب رؤية “تشرشل” فنحن في خطر عظيم نسأل الله تعالى أن ينجينا منه !! .

والحقيقة التي لا مراء فيها أن قادة الانقلاب يتدخلون في عمل القضاة وتوجيههم حسب ما يريدون – ومن اعترض انطرد – وقد ثبت ذلك من خلال تسريبات عباس كامل مدير مكتب قائد الانقلاب مع اللواء “ممدوح شاهين” وهو يطلب منه التدخل لتبرئة ضابط الشرطة القاتل “إسلام عبدالفتاح حلمي” ابن اللواء “عبدالفتاح حلمي ” ضابط الجيش السابق الذى قتل 37 معتقلًا في سيارة “ترحيلات أبو زعبل” فى أغسطس 2013 أو قضية (الحاجة وتلاتين واحد اللى كانوا في عربية الأمن المركزي) والتي اصطلح عليها المصريون يومها “الحكم بعد المكالمة” !!

ونذكُر أيضًا مرافعة الشاب محمود المحمدي ، أمام قاضي الإعدامات ، فقد قال القاضي لمحمود في المحكمة :”أنت اعترفت يا محمود”

فردّ محمود: “إدّيني صاعق وأنا أخلي أي حد في القاعة يعترف حتى بقتل السادات ! ، إحنا اتكهربنا كهربا تكفى مصر عشرين سنة”!! ورغم ذلك حكم عليه القاضي الظالم بالإعدام !! .

وبعد كل هذه المآسي هناك من يتحدث عن الشامخ والشوامخ واستقلالهم و لامعقب على أحكامهم !.

فويل لقاضي الأرض الذى غرته الألقاب والأوشحة من قاضي السماء سبحانه وتعالى !!

Facebook Comments