جهاز أمني جديد وانتزاع ملكية عقارات في محيط الاتحادية.. قراءة تحليلية

- ‎فيتقارير

في سابقة خطيرة تتكرر للمرة الثانية خلال عام واحد، أصدر رئيس الوزراء بحكومة الانقلاب مصطفى مدبولي، الثلاثاء 05 إبريل 2022م، قراراً برقم 1125 لسنة 2022 بنزع ملكية العقار رقم 21 في شارع إبراهيم اللقاني بحي مصر الجديدة، وإخلاء العقار من جميع السكان، تحت ذريعة تأمين الموكب اليومي لرئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي. 

انتزاع ملكية العقار سبقه في 2021، انتزاع ملكية عقارين آخرين بمحيط قصر الاتحادية، ضمن إجراءات تأمين موكب السيسي؛ ويعد القرار الأخير هو أول تنفيذ لقرار أصدره مدبولي نفسه في 17 فبراير2022 بإضافة أعمال تأمين وحماية المناطق والمباني والمنشآت الحيوية إلى أعمال المنفعة العامة المنصوص عليها في قانون نزع الملكية الصادر عام 1990، والذي حدد أغراض المنفعة العامة في إنشاء الطرق. حيث أصدر مدبولي تشريعا -بعد موافقة مجلس النواب- يمنحه الحق في نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، أو من يفوضه، بحجة تسريع وتيرة إجراءات نزع الملكية من المواطنين بشكل جبري، للانتهاء من مشروعات الطرق والجسور الجاري تنفيذها في بعض المحافظات، مع منح المحافظ المختص سلطة إصدار قرارات الاستيلاء المؤقت على بعض العقارات المملوكة للمواطنين في حالات الضرورة. ونشر القرار بالجريدة الرسمية يوم 21 فبراير 2022م، حيث أضاف رئيس الوزراء أغراض «تأمين وحماية المناطق والمنشآت الحيوية» إلى أعمال المنفعة العامة التي تستوجب نزع ملكية العقارات من مُلاَّكها بعد تعويضهم عنها بسعر السوق مُضافًا إليه 20% من قيمة التقدير. وبموجب القرار الجديد يكون لرئيس الجمهورية أو مَن يفوضه إصدار قرارات بنزع ملكية العقارات من المواطنين لثمانية أغراض هي التخطيط العمراني، وتحسين المرافق العامة، وإنشاء الطرق والشوارع والميادين أو توسيعها أو تعديلها، أو إنشاء أحياء جديدة وكذلك الكباري والمزلقانات والممرات، ومشروعات النقل والمواصلات، والمياه والصرف الصحي، والطاقة، والري.

ورغم أن المادة 35 من الدستور تنص على أن الملكية الخاصة مصونة، وحق الإرث فيها مكفول، ولا يجوز فرض الحراسة عليها إلا فى الأحوال المبينة في القانون، وبحكم قضائي. ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل يدفع مقدماً وفقاً للقانون". إلا أن السيسي ضرب بهذه الحقوق عرض الحائط وراح  يعربد كما يشاء ويفسد كما يريد؛ حيث ينص القرار الرئاسي على أن  يُستولى بطريق التنفيذ المباشر على كامل أرض ومباني العقار، مستنداً في ذلك إلى أحكام المواد 1 و2 و14 من القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، المُعدل بالقانون رقم 187 لسنة 2020، والذي يجيز نزع ملكية العقارات لتحقيق منفعة عامة. وأجاز القانون إصدار رئيس الجمهورية، أو من يفوضه، قراراً بنزع ملكية العقارات لـ"المنفعة العامة"، مرفقاً به مذكرة موضحاً بها قيمة التعويض المبدئي لقاطنيها، وإيداع هذا المبلغ في حساب الجهة القائمة بإجراءات نزع الملكية.

 

جهاز أمني جديد بصلاحيات مطلقة

اللافت في الأمر أن تقارير عربية نقلت عن مصادر مطلعة بنظام السيسي أن الأخير قام بتشكيل جهاز أمني جديد يختص بالأمن الشخصي للسيسي في ظل تخوفاته المستمرة وهلعه من محاولة اغتياله أو الانقلاب عليه. ويضم الجهاز نخبة من الضباط الأكفاء من الجيش والشرطة تحت مسمى "G.I.S"، وهي عبارة عن الأحرف الأولى لـ"General Intelligence Security"، أي قوات أمن الاستخبارات العامة. وكان قضاء النظام قد أصدر حكما بإعدام ثلاثة ضباط في الجيش سنة 2015م، بدعوى تورطهم في مخطط لاغتيال السيسي والتمهيد لحراك في الشارع تقوده أطراف من القوات المسلحة.

 

الحكومة العميقة

القرار تقف وراءه أجهزة السيسي الأمنية وإن كان صدر عن رئيس حكومة الانقلاب؛ ذلك أن الحكومة عبارة عن سكرتارية السيسي وأجهزته الأمنية؛ فمصر منذ انقلاب 23 يوليو 1952م، تدار بحكومتين: حكومة عميقة هي التي تدير البلاد فعليا وتصدر القرارات وتوجه مؤسسات الدولة وتشرف علي أعمالها، وهي حكومة مصغرة تتكون من مكتب الرئيس وقادة أجهزته الأمنية (المخابرات العامة ــ الأمن الوطني). والثانية هي الحكومة الظاهرة التي يعينها الرئيس وتتشكل من رئيس الوزراء والوزراء والمحافظين، وهي دورها شكلي وتخضع فعليا للحكومة العميقة الخفية التي تدير كل شيء في البلاد.

ويقف مكتب رئيس الانقلاب وراء انتزاع ملكية هذا العقار؛ حيث استند قرار حكومة الانقلاب إلى طلب تقدم به رئيس ديوان الرئاسة أورد فيه أن السيسي سبق أن أصدر قراراً جمهورياً برقم 289 لسنة 2018، بتفويض رئيس الوزراء بمباشرة اختصاصاته المنصوص عليها في قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، وبناءً على ما تم عرضه من شركة "مصر لإدارة الأصول العقارية" (إحدى شركات وزارة قطاع الأعمال العام)، وما تضمنه كتابها من تسليم المبنى لرئاسة الجمهورية. وادعى طلب رئيس الديوان أن إجراءات نزع ملكية العقار تعتبر من أعمال المنفعة العامة، في إطار تنفيذ متطلبات تأمين المنطقة المحيطة بالمقر الرئاسي، بحسبان أن أغراض تأمين وحماية المناطق والمباني والمنشآت الحيوية من أعمال المنفعة العامة.

 

الانتقال للعاصمة الجديدة!

العجيب أيضا أن انتزاع ملكية هذه العقارات بدعوى تأمين موكب الديكتاتور السيسي، يأتي في ظل اقتراب السيسي وحكومته من الانتقال إلى حصنهم الجديد في العاصمة الإدارية الجديدة؛ فلماذا ينتزع السيسي إذن ملكية هذه العقارات ويتسبب في تشريد عشرات السكان والعاملين بهذه العقارات منذ سنوات طويلة؟

إضافة إلى ذلك فإن العقار المستهدف (رقم 21 بشارع إبراهيم القاني بحي مصر الجديدة تبلغ مساحته ألف و846,45 م مربعا) هو أقدم العقارات الموجودة بالحي حيث يوجد به فندق هليوبوليس هاوس ومحلين "جروبي" و"عرفة للملابس"، وتسليمه إلى رئاسة الجمهورية لتنفيذ متطلبات تأمين المنطقة المحيطة بقصر الاتحادية، يراه منسق مبادرة تراث مصر الجديدة شكري أسمر بالقرار غير المنطقي في ظل الاستعداد للانتقال إلى مقرها الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة. بحسب موقع "مدى مصر".

فالعقار المنزوع ملكيته ــ وفق منسق مبادرة مصر الجديدة ــ هو من أقدم مباني مصر الجديدة إن لم يكن أقدمها على الإطلاق، مضيفًا أن فندق هليوبوليس هاوس افتتح وبدأ العمل الفعلي منذ بداية القرن العشرين عام 1907 أو 1908 وهو تاريخ سابق عن افتتاح فندق هليوبوليس بالاس الذي تم تحويله بعد ذلك إلى قصر الاتحادية الحالي الذي افتتح عام 1910. وحدد أسمر القيمة التاريخية للفندق الذي انتقلت ملكيته إلى رئاسة الجمهورية بموجب قرار رئيس الوزراء، في كونه مسجل ضمن المناطق التراثية من الفئة «أ» وهو ما يعرف بالمناطق التي تستوجب من الدولة حماية قصوى، وسبق وأقام فيه الموظفين الكبار البلجيكيين اللي بنوا مصر الجديدة، ووقت الحرب العالمية الأولى والثانية كان يقيم فيه عدد كبير من الضباط المشاركين فيهما.