لا شك أن الحكم بإعدام أي قاتل ارتكب جريمته مع سبق الإصرار والترصد هو أمر محمود في معظم الشرائع والأديان والقوانين، وبالتالي فإن الحكم بإعدام المتهم بقتل كاهن الإسكندرية في منتصف إبريل 2022م لا يمكن الاعتراض عليه  إذا كانت المحاكمة شفافة والأدلة قاطعة. لكن الحكم الذي أصدرته محكمة الجنايات بمحافظة الإسكندرية الأربعاء 18 مايو 2022م، بإحالة أوراق المتهم بقتل الكاهن القبطي الأرثوذوكسي أرسانيوس وديد رزق الله، طعناً بسلاح أبيض، في 7 إبريل الماضي 2022، إلى مفتي الجمهورية لإبداء الرأي الشرعي في قرار إعدامه، وتحديد جلسة 11 يونيو 2022 المقبل للنطق بالحكم،  يثير كثيرا التساؤلات؛ أولا لأن  الحكم  صدر في وقت قصير، وفي الجلسة الثانية من المحاكمة فالمدة بين الجريمة والحكم نحو 50 يوما فقط، رغم أن الحكم في جرائم القتل عادة ما يستغرق سنوات!

من جهة ثانية، فإن الحكم بالإعدام صدر بعد مشاهدة مقاطع فيديو تظهر لحظة مقتل الكاهن، رصدتها كاميرات المراقبة، واستماع المحكمة إلى مرافعة النيابة العامة التي استشهدت باعتقال المتهم نهرو عبد المنعم توفيق، لمدة 20 عاماً؛ بسبب انتمائه للفكر المتطرف. وخلال المرافعة قال ممثل النيابة: إنّ "المتهم سار على نهج الشيطان بانضمامه إلى الجماعات المتطرفة، واعتقل 3 مرات على خلفية انضمامه لها"، لكن المتهم قطاعة نافيا ذلك مؤكدا أن هذا كذب، مضيفا: لست متطرفاً. أرغب في الدفاع عن نفسي"، وهو الطلب الذي رفضته المحكمة؛ كما رفضت المحكمة أيضا طلب دفاع المتهم بتعديل القيد والوصف الوارد في أمر الإحالة من النيابة، من القتل العمد إلى ضرب أفضى إلى الموت، باعتبار أنّ المتهم مريض نفسي، ويعيش حياة غير سوية، إذ لا يملك عملاً أو مسكناً، وكان يأكل من القمامة. الأمر على هذا النحو يبرهن على أن المحاكمة والحكم مدفوع برغبة السلطة في إنهاء الملف سريعا من أجل استرضاء الكنيسة والدوائر الغربية والأمريكية.

من جانب ثالث فإن اعترافات المتهم تدين النظام وأجهزته الأمنية من الألف إلى الياء؛ فقد ذكر المتهم أنه جاء إلى مدينة الإسكندرية قبل الحادث بأيام بحثاً عن عمل، وعثر على سكين في مجمع للقمامة، فاحتفظ به للدفاع عن نفسه، وحينما رأى المجني عليه أمامه لم يشعر بما فعله، حتى ألقى المتواجدون القبض عليه، مشيراً إلى أنه يفقد السيطرة على أفعاله أحياناً بسبب معاناته من اضطرابات نفسية من جراء اعتقاله سنوات طويلة، دخل على إثرها مستشفى للصحة النفسية لتلقي العلاج. وكان الكاهن الراحل (56 سنة) قد نُقل إلى أحد المستشفيات التابعة للجيش في الإسكندرية لتلقي العلاج بعد طعنه من جانب المتهم، إلا أنه توفي أثناء محاولات إسعافه.  

من جهة رابعة، فإن الحكم بإعدام المتهم يتجاهل مطلقا التقارير التي تثبت أنه مريض نفسيا وهي التقارير التي نشرتها صحف السلطة وفضائيات النظام في الأيام التي تلت الجريمة مباشرة؛ الأمر الذي يستوجب معه وفقا لنصوص القانون نقله إلى مستشفى الأمراض العقلية وليس الحكم عليه بالإعدام؛ الأمر الذي يبرهن أن الحكم سياسي بامتياز ويدوس على نصوص القانون دون اكتراث.

 

التعذيب هو المتهم الأول

وفقا لهذه الأدلة والشواهد والاعترافات فإن المتهم الأول في الجريمة هو النظام نفسه وأجهزته الأمنية التي مارست التعذيب بحق المتهم واعتقلته ظلما لسنوات طويلة حتى فقد عقله وأصابته العلل النفسية من كل جانب. فسجون ومعتقلات النظام منذ عقود طويلة تشهد انتهاكات موسعة وتعذيبا وحشيا لا يمكن تصوره؛ الأمر الذي حوَّل السجون المصرية إلى مفرخة للإرهاب من جهة وعتاة الإجرام من جهة أخرى. وكان موقع منظمة مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة الأميركية قد نشر تحليلا كتبه مايكل بريكنيل وويل ميرو يحذر فيه من الانتهاكات الوحشية في سجون السيسي باعتبارها مصنعا يخرج أجيال تلو الأجيال من المتطرفين والإرهابيين.  ويؤكد الكاتبان أن السيسي يشرف على بيئة من القمع العميق، كما تغصّ السجون المصرية (التي كانت أرضًا خصبة للتطرف في الماضي) بخصوم النظام، فهناك عشرات الآلاف من السجناء السياسيين المتفاوتين في الانتماءات ووجهات النظر. و بالنظر إلى مزيج العنف والقمع الحكومي، وكذلك استمرار الأيديولوجيات المتطرفة، فإن هناك إمكانية لظهور إصدارات جديدة من الأفكار والمجموعات المتطرفة في مصر.

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية التي يقع مقرها في الولايات المتحدة الأميركية قد حذرت في تقرير لها  الخميس 15 يوليو 2021م من ممارسات التعذيب والانتهاكات داخل السجون المصرية وأكدت أنها تساعد في تغذية تجنيد السجناء بصفوف تنظيم الدولة "داعش". ووفقاً لمنظمة Human Rights Watch، قُتِل ما لا يقل عن 3076 مسلحاً مزعوماً في الحملة الأمنية الجارية على سيناء، لكن المنطقة تظل بعيدة بنسبة كبيرة عن أعين الصحفيين؛ مما يجعل من شبه المستحيل تجميع إحصائية مستقلة عن الوفيات.  فيما كشف سجناء، لمنظمة Human Rights First، أنَّ الدوافع الأساسية للانضمام إلى داعش هي سعياً للانتقام من السلطات المصرية. وانضم كذلك بعضهم بسبب الحماية التي يتمتع بها أعضاء الجماعة المسلحة في السجون. وتنقل عن يوسف، وهو سجين سابق أُطلِق سراحه في عام 2021، أنَّ أفراد "داعش" كانت لهم حرية الانخراط مع السجناء الشباب المحرومين من حقوقهم والمعرضين للتعذيب باستمرار. وأضاف: "الكارثة هي أنَّ السلطات لم تفصل بين السجناء المرتبطين بقضايا إرهاب حقيقية وأولئك الذين يعارضون النظام لأسباب سياسية". وأوضح: "لم أرَ قط سلطات السجن تتدخل لمنع حدوث ذلك".

معنى ذلك أن المتهم الأول في نشر الإرهاب والتطرف والجريمة هي الآلة الأمنية الوحشية للنظام، الأمر الذي قد يفهم منه أن النظام حريص على بقاء الحالة الداعشية وتغذيتها على نحو يخدم الأجندة السياسية للنظام  على المستويين الداخلي والخارجي؛ فعلى المستوى الداخلي تمثل الحرب على الإرهاب غطاء للتنكيل بكل  خصوم النظام والزج بهم في السجون والمعتقلات بتهم باطلة وبالغة التلفيق، ويكفي وصفهم بالإرهاب حتى يكون ذلك مبررا للتهرب عن الحقوق المدنية لآلاف المظلومين في سجونه ومعتقلاته. وعلى المستوى الإقليمي والدولي، فإن هذه   الحرب المزعومة تمثل برهانا من النظام على ولائه لأجندة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإرهاب(بوصفه حالة إسلامية كغطاء للحرب على الإسلام ذاته)؛  وبهذه الحرب القذرة يقدم السيسي نفسه للغرب باعتباره رأس الحرب ضد الإرهاب والحركات الراديكالية؛ دون اكتراث لعواقب هذه السياسية على المجتمع ومستقبل البلاد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

Facebook Comments