في ظل الأوضاع المأساوية التي تشهدها كل القطاعات في مصر، وفي ظل انهيار المنظومة الصحية والتعامل معهم بأسلوب غير لائق ماديا وإنسانيا واجتماعيا يضطر الأطباء إلى الهروب من مصر والسفر إلى الخارج، من أجل إيجاد بيئة مناسبة لأداء رسالتهم وتحقيق العائد الكافي ومستوى المعيشة الكريم.

ومع تزايد أعداد الأطباء المهاجرين إلى الآلاف سنويا تسبب ذلك في نقص عدد الأطباء في المستشفيات والوحدات الصحية، فالأزمة تتطلب إيجاد حلول عاجلة خاصة تعديل هيكل رواتب الأطباء.

 كانت وزارة صحة الانقلاب والمجلس الأعلى للجامعات قد كشفا أن عدد الأطباء البشريين المسجلين والحاصلين على ترخيص مزاولة المهنة من نقابة الأطباء باستثناء من بلغوا السن القانونية يبلغ حوالي 212 ألفا و835 طبيبا يعمل منهم حوالي 82 ألف طبيب فقط في جميع قطاعات الصحة سواء بالمستشفيات التابعة لوزارة صحة الانقلاب أو المستشفيات الجامعية الحكومية أو القطاع الخاص بنسبة 38% من إجمالي عدد الأطباء المسجلين والحاصلين على تراخيص مزاولة المهنة.

وهذا يؤكد أن هناك نحو 62% من الأطباء تسربوا من المنظومة الطبية لأسباب عديدة ، وتعد الهجرة أحد أكبر الأزمات، وهذه الأزمة تسببت في تراجع متوسط الأطباء بالنسبة لعدد السكان في مصر إلى طبيب لكل 1162 مواطنا في حين أن المعايير العالمية تحدد المتوسط بطبيب لكل 434 مواطنا .

 

تقرير بريطاني

وكشف تقرير المجلس الطبي العام في بريطانيا عن زيادة في أعداد الأطباء المصريين الذين هاجروا إلى بريطانيا، مؤكدا أن عددهم بلغ حوالي 5 آلاف طبيب خلال آخر خمسة أعوام.

وأكد  التقرير أن مصر أصحبت تحتل المركز الثالث بين أكثر الدول التي تورد أطباء إلى بريطانيا، كما أن عدد الأطباء المصريين الذين حصلوا على ترخيص مزاولة مهنة في بريطانيا، منذ عام 2017، وحتى العام الماضي 2021، كشف عن زيادة أعداد الأطباء المهاجرين لبريطانيا بنسبة تزيد عن 200% مقارنة بالفترة بين عام 2017 وعام 2021.

وأشار إلى أن عدد الأطباء المصريين في بريطانيا عام 2017، بلغ 435 طبيبا، ارتفع في العام التالي 2018 إلى 756 طبيبا، ثم زاد إلى 1301 طبيبا في 2019 ثم زاد إلى 1304 طبيبا في عام 2020، ثم ارتفع إلى 1312 طبيبا في 2021 طبيبا.

 

استقالات يومية

وقال الدكتور أحمد حسين، الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء إن "هجرة الأطباء تُمثل أزمة كبيرة داخل أروقة المستشفيات الحكومية، مشيرا إلى أن ملف الصحة يجمع كل الملفات السياسية والمجتمعية والتي تخص المواطنين لأنه عامل مؤشر لأداء أي حكومة ونظام سياسي في إرضاء المجتمع عنه".

وأضاف حسين في تصريحات صحفية أن عام 2016، شهد استقالة حوالي 1044 طبيبا، ثم زاد عدد الاستقالات في عام 2017 إلى 2549 طبيبا، ثم ارتفع العدد في 2018 إلى 2612 طبيبا، وزاد في 2019 إلى 3507 طبيبا وفي عام 2020 تقدم نحو 2968 طبيبا بالاستقالة، وفي عام 2021، ارتفع عدد استقالات الأطباء إلى 4127 طبيبا، بمعدل استقالة 11 طبيبا يوميا .

وأشار إلى أنه لن يتم مواجهة التحديات إلا بزيادة الاستثمار سواء من خلال الشراكة الحكومية مع القطاع الخاص، أو عبر مشروع التأمين الصحي مؤكدا أن بعض المستشفيات لا يوجد بها عدد كاف من الأطباء بسبب ارتفاع معدل الهجرة، لذا لابد من علاج لمسألة هجرة الأطباء.

 

كرامة الطبيب

وقال الدكتور محمد سلامة جاد، عضو مجلس نقابة الأطباء، إن "هناك عوائق حقيقية ضد استمرارية الأطباء في مصر منذ 15 عاما ، مشيرا إلى أن الطالب في سنة رابعة طب يُجهز نفسه للهجرة وهذا أمر في منتهى السوء".

وأكد "جاد" في تصريحات صحفية أن الطبيب يهاجر إلى الخارج هروبا من الواقع الأليم، متابعا لا بد من العمل على حفظ كرامة الطبيب.

ولفت إلى أن مصاريف الدراسات العليا مرتفعة جدًا، وقد يعجز الطالب عن دفع هذه المصاريف، مشيرا إلى أن هناك دول مثل بريطانيا وأمريكا تقوم بإعداد عقود مجزية جدا للأطباء بعد إعادة تأهيلهم.

وكشف "جاد" أن الطبيب المصري يبدع في الخارج مع توفير بيئة العمل المناسبة.

 

مستقبل أفضل

وأكدت الدكتورة ندى فاروق استاذة بطب القاهرة أن هناك 3  أنواع من الأطباء، النوع الأول الأطباء الذين يسعون للهجرة للدول الاوربية بحثا عن مستقبل أفضل والحصول على الجنسية والاستقرار مع الأسرة واستكمال دراستهم للحصول على تأمين يليق بهم ومعاملة آدمية وتقدير لمهنتهم وعقليتهم ، لافتة إلى أن الدول الأوروبية تقدم الكثير من المميزات للأطباء ويتقاضى الزملاء في الدول الأوروبية أكثر من عشرة أضعاف ما نتقاضاه في مصر، وهذه الفئة لا تفكر في العودة لمصر.

وقالت د. ندى في تصريحات صحفية إن "النوع الثاني يضطر إلى السفر لدول الخليج بسبب ظروف العمل الصعبة وتحسين مستوى المعيشة، ويبقى الأمر المهم بالنسبة لهم هو الوصول إلى الحد الأدنى من العيش الكريم وتجميع الأموال حتى يعود إلى مصر بعد ذلك ويقوم بفتح عيادة خاصة له، موضحة أن العامل الاجتماعي والتأمين الصحي واحترام المريض للطبيب أهم الأسباب التي تدفع الأطباء المصريين إلى الهجرة".

وأوضحت أن النوع الثالث ينحصر في الأطباء المستقرين في مصر بسبب الالتزمات واستكمال الدراسة أو المسئولية الأسرية وهؤلاء يضطرون للعمل في أكثر من مؤسسة صحية للوفاء بالتزاماتهم الحياتية، وقد ترغمهم الظروف على العمل 24 ساعة بدون توقف.

وكشفت د. ندى أنه في الفترة الأخيرة أصبحت العلاقة بين المرضى والأطباء بها بعض المشكلات، ويعتقد المريض أن الطبيب هو السبب الرئيسي في تدهور حالته الصحية ، وإذا حدثت حالة وفاة يتم تهديد الطبيب ومع الأسف القانون لا يحمي الأطباء.

Facebook Comments