بعد 13 عاماً على مجزرتى رابعة والنهضة.. الذكرى تعيد فتح ملفات المحاسبة والمعتقلين والعدالة الانتقالية

- ‎فيتقارير

بعد 13 عاماً على مجزرة  فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة ، على يد جيش وشرطة الانقلاب العسكرى ، تعود أحداث 14 أغسطس 2013 إلى واجهة الاهتمام السياسي والحقوقي، وسط دعوات متجددة إلى فتح تحقيق مستقل في وقائع الفض، ومراجعة ملف الأحكام الصادرة بحق المشاركين في الاعتصامين، والإفراج عن من لا يزالون رهن السجن في قضايا مرتبطة بالأحداث، إلى جانب إعادة طرح قضية العدالة الانتقالية باعتبارها أحد الملفات التي لم تُحسم منذ تلك المرحلة.

وتكتسب ذكرى هذا العام أهمية إضافية في ظل مراجعات سياسية صدرت عن شخصيات وقوى كانت جزءاً من المشهد الذي سبق عملية الفض، من بينها القيادي السابق في جبهة الإنقاذ الوطني حمدين صباحي، الذي أعاد نشر مراجعة لموقفه من أحداث تلك الفترة، متضمناً اعترافاً واضحاً بخطأ موقفه السابق من وصف ما جرى في رابعة.

وفي المقابل، تواصل قوى معارضة وحقوقية، من بينها حركة «الاشتراكيين الثوريين» ومركز الشهاب لحقوق الإنسان، المطالبة بفتح الملف من جديد، وتحديد المسؤوليات السياسية والقانونية عن سقوط الضحايا، بينما تطالب رابطة أهالي المعتقلين المصريين "فدا"بالإفراج عن المحبوسين على خلفية قضايا رابعة.

 

صباحي يعيد مراجعة موقفه

تأتي الذكرى الثالثة عشرة في وقت أعيد فيه تداول المراجعات السياسية التي نشرها حمدين صباحي بشأن موقف القوى المدنية من عملية فض اعتصامي رابعة والنهضة.

ووصف صباحي يوم 14 أغسطس 2013 بأنه "اليوم الأسود" في تاريخ مصر، معتبراً أن الدماء التي سالت خلال عملية الفض تركت أثراً عميقاً في الذاكرة المصرية.

وأوضح في مراجعته أن الموقف الغالب داخل جبهة الإنقاذ والقوى المدنية آنذاك كان يؤيد إنهاء الاعتصامين، باعتبار استمرار الاعتصام تعطيلاً للحياة العامة، لكنه شدد على أن التأييد كان لفض سلمي يحقن الدماء، وليس لعملية أمنية واسعة النطاق أوقعت أعداداً كبيرة من القتلى.

وفي أبرز نقاط المراجعة، أقر صباحي بأنه أخطأ عندما سُئل في مقابلة تلفزيونية عما إذا كان يعتبر ما جرى في رابعة "مجزرة" فأجاب بالنفي.

وقال لاحقاً إنه يشعر بالخجل من تلك الإجابة، معتبراً أن توصيف ما حدث بأنه "مجزرة" كان هو الموقف الذي كان ينبغي أن يتخذه منذ اليوم الأول.

ولا يحمّل صباحي المسئولية للسلطة التي قررت ونفذت عملية الفض وحدها، بل يتحدث أيضاً عن المسئولية السياسية والأخلاقية للقوى التي أيدت عملية الفض أو التزمت الصمت أمام سقوط الضحايا.

 

"الاشتراكيون الثوريون": رابعة نقطة تحول

في المقابل، تتبنى حركة "الاشتراكيين الثوريين" قراءة أكثر حدة لأحداث 14 أغسطس، وتصف فض اعتصامي رابعة والنهضة بأنه محطة أساسية في إعادة تشكيل النظام السياسي والأمني في مصر بعد 2013.

وفي مقال نشرته الحركة بعنوان "الدم الذي علّمنا الصمت". رابعة وصناعة الرعب الجمعي"، ربطت بين أحداث الفض وبين مسار أوسع لاستخدام القوة في إدارة الصراع السياسي.

وترى الحركة أن التعامل مع رابعة باعتبارها واقعة منفصلة عن سياقها السياسي والأمني يؤدي إلى إغلاق الملف من دون بحث في الظروف التي سبقت عملية الفض والقرارات التي أدت إليها.

وتشير الحركة كذلك إلى أن وجود مظاهر عنف داخل الاعتصام، أو صدور تصريحات طائفية من بعض المشاركين، لا يبرر ـ وفق رؤيتها ـ حجم القوة التي استخدمتها قوات الأمن خلال عملية الفض.

وتستند الحركة في عرضها لأعداد الضحايا إلى توثيق منظمة "هيومن رايتس ووتش" التي قدرت عدد قتلى رابعة وحدها بما لا يقل عن 817 شخصاً، مع احتمال تجاوز العدد الإجمالي ألف قتيل.

وترى الحركة أن عملية الفض مثلت نقطة تحول في التاريخ السياسي المصري الحديث، معتبرة أن آثارها لم تقتصر على إنهاء الاعتصامين، وإنما امتدت إلى المجال السياسي والمجتمعي وحرية الاحتجاج والعمل المعارض.

 

مطالب حقوقية بتحقيق مستقل

وبالتزامن مع الذكرى، عادت المنظمات الحقوقية إلى المطالبة بإجراء تحقيق مستقل وشامل في أحداث الفض. وقال مركز الشهاب لحقوق الإنسان إن أحداث رابعة والنهضة تمثل «نقطة تحول فاصلة» في التاريخ المصري الحديث، مطالباً بالتحقيق في المسئولية عن إصدار الأوامر وتنفيذ عملية الفض، وكذلك أي وقائع تتعلق بالتستر على الانتهاكات التي وقعت لاحقاً.

وطالب المركز بضمان حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة والحصول على العدالة وجبر الضرر، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن عمليات القتل أو الاستخدام غير المبرر للقوة، بغض النظر عن موقعه أو رتبته. كما دعا إلى آلية مستقلة لحفظ الأدلة، وتفعيل أدوات المساءلة الدولية، وإصلاح قواعد استخدام القوة ومؤسسات إنفاذ القانون.

وجدد المركز مطالبته بإبقاء ملف رابعة مفتوحاً، وتفعيل مسار العدالة الانتقالية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، معتبراً أن مرور السنوات لا ينبغي أن يحول دون البحث في المسؤولية عن الوقائع محل الجدل.

 

"هيومن رايتس ووتش" وأرقام الضحايا

وتتقاطع هذه المطالب مع مواقف منظمات حقوقية دولية، وفي مقدمتها «هيومن رايتس ووتش»، التي سبق أن قالت إن السلطات المصرية لم تحاسب، بعد مرور أكثر من عقد على الأحداث، أي مسئول عن عملية القتل الجماعي التي وقعت خلال فض رابعة.

وقدرت المنظمة عدد شهداء  رابعة وحدها بما لا يقل عن 817 شخصاً، مع احتمال أن يكون العدد قد تجاوز الألف، ووصفت ما حدث بأنه قد يرقى إلى «جريمة محتملة ضد الإنسانية»، مطالبة بتحقيق دولي.

لكن أعداد الضحايا لا تزال محل خلاف بين الجهات المختلفة. فقد وثق المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر 632 قتيلاً في رابعة، بينما رفعت «هيومن رايتس ووتش» تقديراتها إلى 817 قتيلاً على الأقل، مع احتمال تجاوز العدد الإجمالي ألف شخص.

ويعكس هذا التفاوت في الأرقام استمرار غياب تحقيق مستقل يحظى بقبول الأطراف المختلفة، وهو أحد الأسباب التي تجعل ملف أحداث رابعة والنهضة لا يزال مفتوحاً سياسياً وحقوقياً.

 

دعوات للإفراج عن سجناء قضايا رابعة

وفي سياق متصل، طالبت رابطة أهالي المعتقلين المصريين "فدا" سلطات الانقلاب بالإفراج عن السجناء على خلفية قضايا مرتبطة بأحداث رابعة.

وقالت الرابطة إن مشاركين في الاعتصام انتقلوا، بحسب وصفها، من كونهم مشاركين في احتجاج سياسي إلى متهمين في قضايا جنائية، مشيرة إلى أن أعداداً كبيرة من المشاركين أحيلوا إلى المحاكمات.

ومن أبرز القضايا المفبركة من جانب  سلطات الانقلاب العسكرى ، قضية «غرفة عمليات رابعة»، التي ضمت 51 متهماً، وقضية «فض رابعة»، التي ضمت 739 متهماً. وصدر في قضية فض رابعة عام 2018 حكم تضمن أحكاماً متفاوتة، من بينها الإعدام والسجن، فيما استمرت إجراءات إعادة المحاكمة بالنسبة إلى بعض المتهمين خلال السنوات التالية.

وتقول الرابطة إن الإفراج عن المحبوسين في هذه القضايا يمكن أن يمثل خطوة ضمن عملية أوسع للإفراج عن المعتقلين السياسيين وفتح مسار للمصالحة الوطنية.

 

العدالة الانتقالية تعود إلى الواجهة

وتربط الرابطة مطالبها بملف العدالة الانتقالية، مستندة إلى المادة 241 من دستور 2014، التي تنص على إصدار قانون للعدالة الانتقالية يتضمن كشف الحقيقة والمحاسبة واقتراح أطر للمصالحة الوطنية وتعويض الضحايا وفقاً للمعايير الدولية.

وترى الرابطة أن إحياء هذا المسار يمكن أن يفتح الباب أمام معالجة الملفات التي خلفتها سنوات الصراع السياسي، وفي مقدمتها أحداث ما بعد 3 يوليو 2013 وما ترتب عليها من قتلى ومصابين ومعتقلين.

 

ملف المعتقلين لا يزال حاضراً

ولا يقتصر الجدل حول ذكرى رابعة على المسئولية عن سقوط الشهداء ، وإنما يمتد إلى أوضاع المتهمين الذين صدرت بحقهم أحكام في القضايا المرتبطة بالاعتصام.

وتطالب جهات حقوقية ومعارضة بمراجعة هذه الأحكام، والإفراج عن من لا يزالون خلف القضبان، معتبرة أن استمرار احتجازهم يُمثل أحد الملفات التي ينبغي أن تكون جزءاً من أي مسار للعدالة الانتقالية أو المصالحة السياسية.

وبذلك يبقى الخلاف قائماً بين رواية رسمية تركز على مسؤولية المعتصمين عن أعمال العنف، ورواية حقوقية ومعارضة تركز على حجم القوة المستخدمة أثناء عملية الفض ومسؤولية أجهزة الدولة عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.

 

13 عاماً من الجدل.. وملف لم يُغلق

وبعد مرور 13 عاماً، لا تزال أحداث 14 أغسطس 2013 واحدة من أكثر الملفات حساسية في التاريخ السياسي المصري الحديث. فبينما تزعم سلطة الانقلاب العسكرى أن عملية الفض جاءت في سياق مواجهة اعتصامات مسلحة وأعمال عنف، تعتبر منظمات حقوقية وقوى سياسية معارضة أن حجم الخسائر البشرية واستخدام القوة يستدعيان تحقيقاً مستقلاً لتحديد المسؤوليات.

أما الجديد في ذكرى هذا العام، فلا يرتبط فقط بإعادة استحضار وقائع ذلك اليوم، وإنما بظهور مراجعات من داخل بعض القوى السياسية التي شاركت في المشهد السابق للفض.

ويبرز في هذا السياق اعتراف حمدين صباحي بخطأ موقفه السابق، إلى جانب استمرار مطالب "الاشتراكيين الثوريين" بالمحاسبة، وتجدد دعوات المنظمات الحقوقية للتحقيق المستقل، ومطالب رابطة أهالي المعتقلين بالإفراج عن سجناء قضايا رابعة.

وبين اختلاف الروايات والأرقام والمواقف السياسية، تبدو مجزرتى ،رابعة والنهضة، بعد 13 عاماً، ملفاً لم يُحسم بصورة نهائية؛ إذ لا تزال أسئلة المسئولية عن سقوط الضحايا، ومصير المحكوم عليهم، وإمكان فتح مسار للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، حاضرة في النقاش السياسي والحقوقي المصري.