“رأس الحكمة” ليست الأخيرة.. أوكازيون تاريخي لبيع الأراضي المصرية

- ‎فيتقارير

جاءت صفقة بيع “رأس الحكمة” للإمارات لتستكمل مسلسل التنازل عن الأراضي المصرية والمقدرات الطبيعية ولاقتصادية للبلد المأزوم بحكم العسكر، بعد أن تسببت السياسات الفاشلة إلى فقدان ميزانية مصر أكثر من 60% من إيراداتها، من ضرائب ورسوم وجمارك وغيرها، نظرا للإعفاءات الواسعة الممنوحة لأنشطة العسكر الاقتصادية؛ ما فاقم الأزمات المالية والديون والعجز واضطر النظام الفاشل للتنازل عن أراضي الدولة وحقوقها لمن يدفع، ظنا منه أن ذلك سيتيح إنقاذ البلاد الغارقة في أزمتها الاقتصادية، رغم أن البيع يساهم في تسريع إغراق مصر عبر المزيد من العجز المالي مستقبلا، حتى لو نجا السيسي ونظامه اليوم من الإفلاس والانهيار، إذ لم يعد أمام المصريين أية إمكانات وأملاك وأصول يستثمرونها، وباتت مقدرات الاقتصاد بيد الأجانب الذين يضعون مصر تحت أضراسهم الخشنة، فلم يرعوا شعبا أو مستقبلا لمواطن في أرضه.

 

ولم تكن رأس الحكمة إلا نموذجا للسيطرة الأجنبية على مقدرات مصر الحيوية؛ إذ ستتحكم الإمارات بمقتضى الاتفاق في خمس مدن مصرية، على الحدود الغربية، ليتمكن الإماراتيون من تمديد نفوذهم من شرق ليبيا، الخاضع تحت يد صنيعتم حفتر وغرب مصر الخاضع لصنيعتهم الانقلابية السيسي، وتشمل أراضي رأس الحكمة، مدن العلمين وجربوب ومرسى مطروح ونجيلة وسيدي براني وامتداداتهم الساحلية،  وما رأس الحكمة إلا اسم الشركة التي ستنفذ مشاريع التطوير في خمس مدن حدودية.

 

مسلسل البيع

جرى الإعلان عن عدة صفقات بيع أراضي مصرية لمستثمرين عرب وأجانب، خلال الأيام الماضية، كما تمت الإشارة إلى صفقات أخرى كبيرة قادمة، وذلك بعد إحجام خليجي مثير عن صفقات الطروحات المصرية لشركاتها العامة العام الماضي، ما يثير التساؤلات عن سر عودة تلك الصفقات وتتابعها، وحجم تنازلات مصر لإتمامها.

 

وفي صفقة تاريخية، وفق تعبير رئيس وزراء مصر مصطفى مدبولي، فقد وقعت مصر والإمارات، الجمعة، عقد بيع واستثمار مدينة رأس الحكمة على ساحل مصر الشمالي الغربي بقيمة استثمار إجمالي يبلغ 150 مليار دولار.

 

الصفقة تأتي مقابل 35 مليار دولار تسددها أبوظبي للقاهرة خلال شهرين، بدفعة أولى 15 مليار دولار تسدد بعد أسبوع، ودفعة ثانية 20 مليار دولار تسدد بعد شهرين مع إسقاط ودائع قيمتها 11 مليار دولار مستحقة للإمارات، 5 منها بالدفعة الأولى، و6 بالدفعة الثانية.

 

“رأس الحكمة”، محل الاتفاق، تبعد 350 كيلومترا تقريبا شمال غربي القاهرة، ونحو 200 كيلومتر غربي الإسكندرية، وبين مدينتي الضبعة والعلمين الجديدة، وتمتد داخل البحر المتوسط كمنطقة منتجعات سياحية راقية وشواطئ تشتهر بالرمال البيضاء يقصدها الأثرياء، ولملك مصر السابق فاروق، ورؤسائها اللاحقين جمال عبدالناصر، وأنور السادات، وحسني مبارك، حضور بها.

 

وبهذا يكون صندوق الاستثمار السيادي في أبوظبي، (إيه.دي.كيو)، قد استحوذ على مساحة نحو 40,600 فدان (170 مليون متر مربع) بالمدينة، لبناء مناطق استثمارية ومواقع سكنية وتجارية ومشروعات سياحية وترفيهية، قد تدر في النهاية بـ 150 مليار دولار، فيما سيكون للدولة المصرية 35 % من أرباح المشروع، وللإمارات 65% .

 

لكن، يبدو أن صفقة رأس الحكمة التي قلبت أسواق السندات السيادية المصرية المقومة بالدولار، ولن تكون الصفقة الوحيدة القادمة.

 

4  صفقات بيع بالطريق

ومساء الجمعة، وعبر فضائية “أون” المملوكة لجهات سيادية كشف الإعلامي المقرب من الأجهزة الأمنية  خالد أبو بكر، عن وجود 4 مشروعات جديدة ستعلن عنها الدولة قريبا، وذلك في أعقاب صفقة رأس الحكمة مع الإمارات.

 

مشروع سعودي على البحر الأحمر

من بين تلك المشاريع،  مشروع كبير للسعودية على البحر الأحمر، وهو ما كشف عنه الإعلامي خالد أبو بكر،  خلال برنامجه كل يوم على قناة أون، الجمعة، أن مشروع مدينة رأس الحكمة مجرد بداية لسلسلة من المشروعات التي ستقام في الساحل الشمالي الغربي.

 

وأضاف: “إحنا لسه في مشروع واحد وقع عليه من ضمن 4 مشروعات، لسه في صفقات سيعلن عنها في الساحل الشمالي الغربي على البحر المتوسط”.

 

 وأكد أن مشروع رأس الحكمة هو جزء من مجموعة مشاريع ستُقام على البحر المتوسط والبحر الأحمر، مشيرا إلى أن هناك مشروعا خليجيا آخر قيد الإعداد على البحر الأحمر.

 

وكانت دوائر اقتصادية تحدثت في وقت سابق عن مخطط بيع السيسي لأرض واسعة على البحر الأحمر بمنطقة رأس جميلة، بشرم الشيخ، للسعودية.

 

فندق “ريجال هايتس” بمدينة العلمين الجديدة

والسبت، وعقب توقيع اتفاق رأس الحكمة، جدد رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور رغبته في الاستثمار بفندق “ريجال هايتس” بمدينة العلمين الجديدة في مصر، وفق ما أعلنه موقع “اقتصاد الشرق”.

 

الحبتور زار مصر الصيف الماضي ووسط احتفاء إعلامي كبير طاف منطقة الساحل الشمالي ومدينة العلمين الجديدة، وقال: إنه “سيستثمر بمبالغ طائلة ولكن حديثه لم يتم ترجمته إلى فعل حقيقي” لكنه وبعد صفقة رأس الحكمة عاد للحديث مجددا عن الاستثمار في مصر وشراء فندق “ريجال هايتس” الذي تم افتتاحه بحفل أسطوري في أغسطس 2022 بحضور رئيس الإمارات محمد بن زايد، وملك البحرين حمد بن عيسى، والعاهل الأردني عبدالله الثاني، ورئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي.

 

إعلان الحبتور، رغبته الاستثمار في مصر مجددا بعد صفقة رأس الحكمة، وبعد دعوته الحكومة المصرية للتراجع عن الأسعار الخيالية التي تم طلبها للبيع من قبل، تؤشر جميعها على تقديم القاهرة تنازلات جديدة وضخمة.

 

حدائق الأندلس على الدائري الأوسطي

وفي صفقة تنازل أخرى خصصت مصر الثلاثاء الماضي، قطعة أرض بمنطقة “حدائق الأندلس” بالقاهرة الجديدة على الطريق الأوسطي تبلغ 665 ألف متر لشركة “يو دي سي” الإماراتية للتطوير العقاري، التابعة لمجموعة محمد عمر بن حيدر القابضة الذي يستثمر في مصر للمرة الأولى، لإقامة مشروع عمراني باستثمارات تتجاوز الـ60 مليار جنيه، على أن يتم الدفع بالدولار.

 

أرض الشروق

وفي اليوم ذاته تم تخصيص قطعة أرض لمشروع طبي عمراني في مدينة الشروق بـ300 مليون دولار لشركة “إن إتش إم سي مصر” للخدمات الطبية – الذراع المحلية لشركة “إن إتش إم سي” العالمية للرعاية الصحية والتمويل والتكنولوجيا ومقرها لندن، على أن يتم سداد قيمة الأرض بالدولار.

 

تتابع تلك الصفقات بعد ركود الطروحات المصرية لنحو 35 من شركاتها العامة والتابعة للجيش طوال العام الماضي بسبب خلافات بين المستثمرين العرب ومصر حول عملية تقييم الأصول التي كانت تريدها القاهرة بالعملة الصعبة، بينما تصر على إتمامها الشركات والصناديق الخليجية بالعملة المحلية.

 

تلك المشاريع والاستحواذات المتتالية،  توحي بأن الحكومة المصرية قدمت تنازلات كبيرة وغير مسبوقة.

 

وترى دوائر سياسية، أن تتابع الصفقات وإعلانها للجمهور والنشر عنها هو لتهدئة الرأي العام، نظرا لتصاعد الأجواء الإقليمية، والمحلية، ومحاولة بقدر الإمكان لوقف ارتفاع الأسعار وخاصة سعر صرف الدولار، وسعر تداول الذهب، بقدر الإمكان.

 

يشار إلى أن منطقة رأس الحكمة بها 50 كيلومتر من أجمل شواطئ العالم بكر وخام وفيروزية بالطبع هناك تنازل، وتضم المنطقة المتنازل عنها للامارات، مساحة 40 ألف فدان، و50 كيلو متر شواطئ، ومدينة متكاملة تقارب أبوظبي أو دبي بمساحتها، كيف يكون مقابلها هذا الرقم الهزيل؟

 

ولعل أخطر ما في الصفقة، أنه ليس  بين تلك المشروعات والاستثمارات الضخمة بالفنادق والمساكن الفخمة والمنتجعات السياحية، مشروع واحد لبناء مصنع واحد يدر ربحا، ومن ثم ينفق على دورة إنتاجه، ويسدد قروضه من الأرباح، وتُسهم مخرجاته في زيادة الناتج القومي الحقيقي.

 

وتبقى الكارثة الأكبر، من الناحية الأمنية، إذ إن الإماراتيين قد يكونوا مجرد واجهة لمستثمرين إسرائيليين.

 

ولعل تهجير سكان رأس الحكمة والمناطق المجاورة لها، يفاقم الأزمات الاجتماعية والتهجير القسري لآلاف المصريين، كما يجري بجزيرة الوراق بوسط نهر النيل، وفي رفح المصرية والشيخ زويد بشمال سيناء، ونزلة السمان بالجيزة، وعمارات ألماظة بالقاهرة، وحي الجميل ببورسعيد، وغيرهم.

 

كما أن أرض رأس الحكمة أملاك الشعب، وعندما تقوم حكومة بعمل صفقة على أملاكه، خاصة مع جهة أجنبية، فمن حقه معرفة تفاصيل الصفقة، فهي مشروع استثماري وليست سرا حربيا، إلا إذا كان في الصفقة أسرارا مشينة يخافون أن يطلع عليها الشعب.

 

ولعل الخطر الأكبر في أن تقوم شركة رأس الحكمة بتأجير قواعد بحرية وجوية للغير في تلك الأراضي الشاسعة التي باعها السيسي.