في ظل العجز المالي الكبير الذي تغرق فيه مصر، نتيجة لسياسات الفشل الاقتصادي المتواصل الذي يعصف بالبلاد في ظل حكم العسكر، يسارع المنقلب السفيه السيسي ونظامه الزمن لبيع ما تبقى من الأصول المصرية، ولو بأبخس الأثمان، من أجل ستر العجز الاقتصادي وتأجيل إعلان إفلاس مصر وتوقفها عن سداد الديون وأقساطها وفوائدها في المواعيد المحددة.
وقد ولدت الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر رغبة محمومة لدى الحكومة للحصول على الدولار، واعتمادها على الأموال الساخنة المدفوعة بارتفاع هائل في الفائدة على أذون الخزانة والسندات وشهادات الإيداع، مع تأثر الدولة بالمخاطر الجيوسياسية في المنطقة وارتفاع الفائدة على العملات الرئيسية.
وأعدت الحكومة قائمة جديدة لبيع مساحات واسعة من الأراضي في رأس بناس ورأس جميلة على ساحل البحر الأحمر، بالإضافة إلى أصول 35 شركة عامة، لم تُطرح بعضها من قبل ضمن برنامج “وثيقة ملكية الدولة” الذي تعهدت الحكومة بتنفيذه منذ عام 2018.
مزاد للبيع قطاعي وجملة
تشمل القائمة بيع 20% من حصة المال العام في بنك الإسكندرية لمؤسسة “انتيسا سان باولو” الإيطالية، المشتري لأصول البنك، وطرح “المصرف المتحد” في البورصة بعد فشل صفقات الاستحواذ لصالح مستثمرين خليجيين على مدار السنوات الثلاث الماضية.
كما منحت الحكومة كلاً من صندوق الاستثمار الإقليمي “SPE PEF III” المُدار من قبل “إس بي إي كابيتال” والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وشركة “كابيتال فنتشرز للاستثمار المباشر” المصرية و”برتيش إنترناشيونال” البريطانية حق الاستحواذ على شركة “تمويلي” المملوكة لبنك الاستثمار القومي والهيئة القومية للبريد مقابل 2.8 مليار جنيه (57.9 مليون دولار)، وتمت الصفقة في 8 سبتمبر بعد 20 شهرًا من مفاوضات وصفتها رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، بأنها جاءت ضمن خطة الحكومة للتخارج من بعض القطاعات وفسح المجال أمام القطاع الخاص، كما تدرس الحكومة بيع 46.6% من الأصول المملوكة لها في شركة الشريف للبلاستيك “الأمل” في بورصة الأوراق المالية وبنك القاهرة.
تفاوض الحكومة مع مؤسسة “سان باولو”
يتفاوض الجانب المصري مع مؤسسة “سان باولو” المصرفية الإيطالية، التي تستحوذ على 80% من بنك الإسكندرية، لمنحها الـ20% المتبقية المملوكة للدولة، بهدف عدم تفتيت الملكية، وهذا دون النظر إلى خطورة هذه الخطوة على الاقتصاد المصري، حيث يمكن للمستثمر الأجنبي اتخاذ قرارات منفردة قد تؤدي إلى نتائج سلبية، بالإضافة إلى سحب أسهم البنك من التداول في البورصة عقب عملية الاستحواذ.
صندوق النقد الدولي وبرنامج الطرح
يأتي هذا في وقت يدفع فيه صندوق النقد الدولي الحكومة للإسراع في تنفيذ برنامج طرح الأصول العامة قبل إتمام المراجعة الرابعة للصندوق المقررة الشهر المقبل، والتي ستمكن من الإفراج عن قسط رابع مستحق بقيمة 825 مليون دولار من قرض متفق عليه بقيمة 8 مليارات دولار، بالإضافة إلى تمويل بقيمة 1.2 مليار دولار من صندوق الاستدامة والصلابة التابع للصندوق الذي تسعى الحكومة للحصول عليه.
مواجهة انهيار الجنيه
ووفقاً لخبراء التمويل، فإن الحكومة تستهدف طرح الشركات أمام مستثمر رئيسي فور اتفاقها مع صندوق النقد للحصول على الدولار من عوائد البيع على وجه السرعة، واستخدام الحصيلة في ضبط سعر الصرف لتحقيق نحو 30 مليار دولار من عوائد البيع، بالإضافة إلى العائد من بيع رأس الحكمة ضمن صفقة سياسية بعيدًا عن سوق المال أو التفاوض بشأنها مع مستثمرين آخرين.
مخاوف اقتصاديين
وتتصاعد مخاوف الاقتصاديين من عمليات الطرح المتعددة التي تستهدفها الحكومة حاليًا، خاصة في ظل الظروف الجيوسياسية التي تثير مخاوف لدى المتعاملين، حيث تهدد أجواء الحرب التي تقودها إسرائيل ضد غزة ولبنان المنطقة بأسرها، بما في ذلك تأثير الاضطراب في البحرين المتوسط والأحمر على حركة المرور في قناة السويس وسلاسل التوريد، ما ينعكس سلباً على أداء أسواق المال في المنطقة.
الأموال الساخنة
ويرى خبراء أن صعود مؤشر البورصة خلال الفترة الماضية يرجع إلى انخفاض قيمة الأصول المحلية نتيجة تراجع الجنيه وزيادة الدولار، ما دفع المتعاملين إلى مواجهة التضخم بشراء أصول تحفظ لهم القيمة، رغم انخفاضها الكبير.
ويشير خبير التمويل د. وائل النحاس إلى أن خروج الأموال العربية المستثمرة في البورصة بمعدلات كبيرة خلال الفترة الماضية يستهدف تحويل عوائد استثماراتها في البورصة وبيع الأصول التي اشتراها البعض من الطروحات العامة، مستفيدين من الانخفاض الكبير في قيمة الأسهم والأصول، وجني الأرباح واسترداد قيمة ما دفعوه بالدولار وتحويلها إلى الخارج، مما يعني أن الحكومة تساعد الأجانب على تحقيق ثروات كان يمكن للمصريين الاستفادة منها بشكل أفضل.
ويضيف النحاس أن بعض المستثمرين الأجانب يستهدفون شراء الأصول العامة لتبييض أموالهم التي تدخل من مصادر مشبوهة وتخرج باعتماد رسمي من الدولة، حتى وإن تعرضوا لخسائر، خصوصًا مع إدراج الدول القادمين منها ضمن القائمة الرمادية التي وضعتها المنظمات الدولية المكافحة لغسل الأموال الناتجة عن تهريب المخدرات وشبكات الدعارة والذهب والألماس وبيع الأسلحة للمليشيات في مناطق الصراع بالمنطقة.