بسبب اعتماد سياسة الأمر المباشر في المناقصات والمشاريع التي اتبعها قائد الانقلاب العسكري منذ انقلابه، أصبح الأمر مستساغًا ومتبَعًا في كل الوزارات والدوائر الحكومية، التي تعتمد الآن الأمر المباشر في الشراء والمناقصات، حتى لو كانت الأرقام المالية كبيرة وتتجاوز حدود التكليف بالأمر المباشر، وهو ما تكشف عنه قضية فساد التضامن الاجتماعي في تأثيث المساكن البديلة للعشوائيات التي تشرف عليها الوزارة مؤخرًا.
وقد أحال رئيس هيئة النيابة الإدارية، عبد الراضي صديق، أمس الأربعاء، تسعة مسؤولين من العاملين السابقين والحاليين بوزارة التضامن الاجتماعي ومديرية التضامن بالقاهرة للمحاكمة التأديبية بتهم فساد، على خلفية مسؤوليتهم عن مخالفات مالية وإدارية جسيمة شابت عملية تأثيث الوحدات السكنية المخصصة كمساكن بديلة للمناطق العشوائية والخطرة، والتي تجاوزت قيمتها ثلاثة مليارات جنيه، بهدف التربح وتربيح الآخرين.
وبحسب بيان صادر عن هيئة النيابة الإدارية، فقد تم تحريك قضية فساد هؤلاء المسؤولين بناءً على بلاغ قدمته وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة، نيفين القباج، استنادًا إلى تقرير صادر عن هيئة الرقابة الإدارية واللجان المُشكّلة لفحص كافة الإجراءات التي تم اتخاذها بشأن عمليات تأثيث تلك المساكن.
وتوصلت التحقيقات في هذه القضية إلى ثبوت عدد من المخالفات المالية والإدارية الجسيمة بحق خمس قيادات سابقة بوزارة التضامن، وأربع قيادات حالية بالوزارة ومديرية التضامن بالقاهرة.
من بين تلك المخالفات: التقاعس عن وضع ضوابط فنية دقيقة للمواصفات القياسية الواجب توافرها في كراسة الشروط الخاصة بعقود تأثيث وتجهيز الوحدات المشار إليها، وعدم الاستعانة بمتخصصين فنيين، مما نتج عنه توريد أثاث غير مستوفٍ للمواصفات القياسية الفنية المطلوبة للاستخدام الشخصي، إزاء ذلك، أوصت النيابة الإدارية وزارة التضامن باستكمال استبدال الأثاث الذي تم توريده لـ 8804 وحدات سكنية، والتي كشفت تقارير اللجان الفنية والرقابية وتحقيقات النيابة عدم صلاحيتها، وتجاوزت قيمتها ثلاثة مليارات جنيه.
كما تضمنت الاتهامات فساد المسؤولين لتقاعسهم عن تشكيل لجان تضم تخصصات فنية وقانونية ومالية لإعداد القيمة التقديرية للعملية، وإجراءات التعاقد والفحص والاستلام بالمخالفة للقانون، وعدم الالتزام بنماذج كراسات الشروط والمواصفات والعقود النموذجية الموضوعة من قبل الهيئة العامة للخدمات الحكومية، كما خالفوا أحكام القانون باللجوء إلى تجزئة التعاقدات موضوع التحقيق، رغم كونها جزءًا من مشروع متكامل يخضع لنفس الإجراءات والقواعد المنصوص عليها قانونًا.
وأشارت التحقيقات إلى مسؤولية المسؤولين المحالين عن منح عمليات تأثيث لبعض الشركات بالأمر المباشر، رغم تجاوز قيمة تلك التعاقدات للحد الأقصى المقرر للتعاقد بآلية الأمر المباشر، بالإضافة إلى تقاعسهم عن إعداد دراسة تقييمية تسعيرية عادلة للأثاث المورد للمشروعات موضوع التحقيق، وعدم تحري الدقة في فحص واستلام الأصناف الموردة، مما نتج عنه توريد أثاث يفتقر للمواصفات القياسية ومواصفات الجودة التي تجعله صالحًا للاستخدام الشخصي.
وقد أخطرت النيابة الإدارية رئيس مجلس الوزراء بنتائج التحقيقات في القضية، كما أخطرت نيابة الأموال العامة العليا بصورة من مذكرة التصرف لترفقها بتحقيقاتها الجارية في هذا الشأن. وأوصت النيابة الإدارية وزارة التضامن الاجتماعي بضرورة استمرار عمل اللجنة المُشكّلة لفحص كافة عمليات تأثيث الوحدات السكنية المعدة لسكان المناطق العشوائية، وإجراءات الطرح والترسية والتعاقد والصرف، وإبلاغ النيابة الإدارية عن أي مخالفات تتكشف عن أعمال الفحص.
كما أوصتها بالاستعانة بفنيين متخصصين من أقسام التصميم الداخلي بالجامعات المصرية الحكومية عند وضع المواصفات والتعاقد، مع مراعاة الالتزام بالكود المصري للمواصفات القياسية للأثاث، والالتزام بحدود النصاب القانوني للتعاقد بطريق الأمر المباشر.
فساد حمادة الصاوي
يأتي هذا التحرك ضد الفساد في وقت يتراكم فيه فساد النائب العام السابق حمادة الصاوي ونجله المستشار أحمد الصاوي في مشروع مساكن أعضاء النيابة، الذي رصدته تقارير رقابية وأشارت إلى أنه يتجاوز نحو مليار جنيه، حيث يجري التصالح بشأنه دون ضجيج وبعيدًا عن هيئة الرقابة الإدارية، التي شل السيسي يدها في تلك القضية التي تمس العديد من أعضاء النيابة ومكتب النائب العام، بدعوى الخوف من تلويث سمعة النيابة، وحتى لا يتشفى فيهم المعارضون ورافضو الانقلاب العسكري، الذين لم يسلموا من قراراته وقضاياه التي أعدم بسببها مئات المصريين.