وصلت أسعار إيجار الفدان إلى ارتفاعات غير مسبوقة في بعض المناطق إلى نحو 125 ألف جنيه، وهو رقم صادم مقارنة بالسنوات الماضية حيث بلغت تكلفة الإنتاج الزراعي للإيجار أصبح يمثل ما بين 35% و45% من إجمالي تكلفة الزراعة، بجانب ارتفاع أسعار التقاوي والأسمدة والجاز أو السولار، ما يجعل المعادلة الاقتصادية للفلاح شبه مستحيلة.
وحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الفلاحين من ضغط مالي خانق يجعل الفلاح يدخل الموسم الزراعي وهو على يقين أن الخسارة شبه مؤكدة، لأن عوائد المحاصيل لا تغطي نصف تكاليف التشغيل.
وأشاروا إلى تهديد الاستمرار في الزراعة حيث كثير من المزارعين يفكرون في ترك الأراضي التي ورثوها عن أجدادهم، بعدما أصبحت مصدرًا للخسارة بدلًا من الرزق.
الإزاحة الناعمة
الصحفية سيلين ساري @celin931 طرحت فكرة تسمية ما يحدث ب "الإزاحة الناعمة للمزارعين" وفي مقال لها على منصات التواصل سلطت الضوء على مسار اقتصادي وسياسي خطير، يقوم على خنق الفلاح المصري تدريجيًا عبر أدوات غير مباشرة، بدلًا من قرارات صريحة بالإقصاء.
وملامح المخطط كما يُطرح تتمثل في؛ الخنق الاقتصادي برفع أسعار الأسمدة والبذور والوقود، إلى جانب زيادة إيجارات الأراضي الزراعية، يجعل استمرار الفلاح في الزراعة معادلة خاسرة.
والخطوة التالية برأيها تهيئة الأرض للشركات الكبرى من خلال إنشاء مراكز إقليمية للأمن الغذائي ومحطات تبريد ضخمة، مثل مشروع شرق بورسعيد، يتطلب أراضٍ واسعة ونظم إنتاجية صارمة لا تناسب صغار الفلاحين.
وأشارت إلى نطاق الانتقال التدريجي للسيطرة يصبح فيه الفلاح مثقلا بالتكاليف إما يترك الأرض، أو يبيعها، أو يدخل في عقود توريد تخدم المستثمرين، لتنتقل السيطرة على الأرض بصمت إلى الشركات.
وأشارت إلى نماذج محيطة وعالمية ففي المغرب؛ استحواذ شركات أوروبية على آلاف الهكتارات بعد رفع التكاليف وخصخصة مياه الري.
وفي إثيوبيا دخلت شركات إماراتية أدى إلى إفلاس الفلاحين وتحولهم إلى عمال يومية في أراضيهم.
وفي كينيا وتنزانيا، فرضت شركات صهيونية عقود إنتاجية عبر مراكز لوجستية، ما أدى إلى خروج المزارعين الصغار تدريجيًا.
وخلصت إلى أن السيناريو المطروح يشير إلى أن رفع الإيجارات وتضييق الخناق على الفلاحين ليس مجرد أزمة عابرة، بل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل القطاع الزراعي بما يخدم الشركات الكبرى والمشروعات التصديرية. النتيجة المتوقعة هي فقدان الفلاح لدوره التاريخي كمنتج وحائط صد أمام الهيمنة الاقتصادية، وهو ما يعني تهديدًا مباشرًا لسيادة مصر على غذائها ومستقبلها.
أزمة الأسمدة
ومنذ نوفمبر الماضي تصاعدت أزمة الأسمدة، حيث يواجه الفلاح على أرض الواقع، نقصًا في السماد المدعوم، فيما ارتفع سعر الشيكارة في السوق الحر إلى ما بين 1300 و1500 جنيه، بينما بلغ سعر طن اليوريا 60 ألف جنيه. ويحتاج الفدان الواحد إلى نحو 13 شيكارة للحفاظ على إنتاجيته، ما يجعل المعادلة الاقتصادية للفلاح شبه مستحيلة.
الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح أن السوق يشهد أزمة حادة بالأسمدة ألقت بظلالها على الفلاحين، الذين يواجهون ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار السماد، وسط تراجع الكميات المتاحة في الجمعيات الزراعية. الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة قرارات اقتصادية غير منضبطة جعلت الأمن الغذائي المصري في مهب الريح.
وأوضح أن شركة أبو قير للأسمدة، أكبر منتج لليوريا في مصر بطاقة تصل إلى 1.2 مليون طن سنويًا، كانت توجه نحو 55% من إنتاجها للفلاحين بأسعار مدعومة. لكن في السنوات الأخيرة تراجعت هذه النسبة بشكل ملحوظ، مع زيادة مخصصات التصدير. منذ عام 2022، باع الجانب المصري 21.5% من أسهم الشركة لصندوق أبوظبي السيادي، وهناك تحركات لرفع الحصة الأجنبية إلى 30% أو أكثر. آخر صفقة بقيمة 1.2 مليار جنيه جاءت لتسوية ديون، لا لتعزيز الإنتاج المحلي.
خلفية الأزمة
ووصلت أزمة الإيجارات الزراعية في مصر لمستويات غير مسبوقة، والفلاحون يرون أن القرارات الحكومية الأخيرة بزيادة الإيجارات تثقل كاهلهم وتدفعهم نحو الخسارة، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت السياسات الحالية تؤدي فعليًا إلى خنق الفلاحين.
ورفعت وزارة الأوقاف القيمة الإيجارية لأراضيها الزراعية إلى أكثر من ثلاثة أضعاف دفعة واحدة، وهو ما وصفه نقيب الفلاحين بأنه "غير واقعي" ويهدد بترك المزارعين أراضيهم.
وكشفت الأزمة هشاشة السياسات الزراعية في مصر، حيث لا توجد رؤية واضحة لدعم الفلاح أو ضمان استقرار أسعار الإيجارات.
خلاصة آرتء المراقبين أن نية مباشرة لخنق الفلاح، يمكن أن تكون نتيجة عملية للقرارات الحكومية هي تحميله أعباءً لا يستطيع تحملها، ما يؤدي إلى تراجع دوره في الإنتاج الزراعي، ويصب في صالح كبار المستثمرين والشركات التي تستطيع دفع هذه الإيجارات المرتفعة.
