يرى باتريك وينتور، المحرر الدبلوماسي في صحيفة الجارديان البريطانية، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يتعامل مع العالم وفق قواعد الدبلوماسية التقليدية، بل وفق ما يسميه بـ"القوة القسرية الصرفة"، أو دبلوماسية العصابات، حيث تصبح أدوات السياسة الخارجية قائمة على الابتزاز والتهديد والمساومات المباشرة.
هذا النهج، كما يوضح، لا يهدف إلى فرض قيم أو مبادئ، بل إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية صافية، حتى لو كان الثمن تقويض القانون الدولي أو زعزعة استقرار مناطق بأكملها.
وما طرحه "وينتر" استبق بساعات عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر في سجل التدخلات الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة، بوصفه طرحه إطارًا تفسيرياً يربط بين ما يجري في فنزويلا وبين التحولات الأوسع في نهج إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه القانون الدولي، ومفهوم السيادة، وتوازنات الطاقة العالمية.
ويشير وينتور إلى مثال أوكرانيا، حيث فضّل ترامب – وفق تحليله – خيار إقامة علاقة مربحة مع فلاديمير بوتين على خيار دعم كييف بما يكفي لطرد روسيا من أراضيها. ويضيف أن أوكرانيا، في هذا المنطق، مطالبة بأن تتحمل أي عبء لضمان استمرار "الاقتصاد الترامبي".
فنزويلا: 303 مليارات برميل في قلب الصراع
في هذا السياق، تصبح فنزويلا هدفًا طبيعيًا. فهي تمتلك 303 مليارات برميل من النفط الخام، أي ما يقارب خُمس الاحتياطي العالمي، هذا الرقم وحده كفيل – في نظر مراقبين – بجعلها في صدارة أولويات إدارة ترى العالم من منظور "من يملك الطاقة يملك المستقبل".
هذا المنطق أعلن عنه ترامب، ذاته بعد استحواذه على الاحتياطي الفنزويلي، فقال: إن "20 دولارًا للبرميل هو السعر العادل للجميع، وهو ما وصفته بأنه "خراب على السعودية والخليج" وإعادة إلى ما قبل أكتوبر 1973.".
وعندما سُئل ترامب عمّا إذا كان قد تحدث مع شركات النفط قبل العملية، فأجاب: "هم يريدون الدخول وسينفذون عملاً رائعًا."
وسُئل عن المعارضة الفنزويلية أو تحرير السجناء السياسيين، قال: "لم نصل إلى ذلك بعد، ما نريد فعله الآن هو ترتيب ملف النفط."
https://x.com/tamerqdh/status/2008092676156002606
هذه الإجابة، كما يرى محللون، تكشف بوضوح أن العملية لم تكن مدفوعة بأي اعتبارات ديمقراطية أو حقوقية، بل باعتبارات اقتصادية بحتة.
تآكل القانون الدولي
ومن البحر الكاريبي إلى مجلس الأمن، حذّر حقوقيون من أن قصف القوارب الفنزويلية في البحر الكاريبي قد يرقى إلى جريمة حرب، رد نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس بعبارة صادمة: "لا يهمني إطلاقًا ماذا تسمّونه."
لاحقًا، حاول البنتاغون تبرير ذلك بالقول: إن "البحارة العالقين في الماء مقاتلون يشكلون تهديدًا للأمن الأميركي".
هذا التبرير، كما يرى "وينتور"، يعكس انهيارًا في احترام الإجراءات القانونية الواجبة، ويعيد إلى الأذهان منطق "القوة تصنع الحق".
وعقد مجلس الأمن يعقد جلسة (بدا أنها شكلية) لمناقشة "العدوان على فنزويلا"، متوقعًا أن يطالب بوقف التهديدات الأميركية لدول مثل المكسيك وكوبا وغرينلاند، في ظل "عدم تقبل العالم لسطوة ترامب على القوانين والأعراف الدولية".
إلا أنه من المواقف الأوروبية القليلة التي علقت على دبلوماسية العصابات رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيكو حيث قال بوضوح: "أعطي ترامب فضلًا واحدًا: لم يبرر قراره زورًا بنشر الديمقراطية أو حماية حقوق الإنسان، لقد تحدث بصراحة عن السيطرة على النفط الفنزويلي."
أما رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن فحذرت من أن مهاجمة دولة عضو في الناتو "يعني توقف كل شيء، بما في ذلك الحلف نفسه".
وردًا على تكرار ترامب أن أميركا تحتاج غرينلاند لأسباب أمن قومي، سخرت فريدريكسن قائلة إن الدنمارك عززت أمن الجزيرة مؤخرًا بـ"زلاجة تجرها الكلاب".
ولفت مراقبون عربا إلى أن ترامب كشف نفسه عندما أصدر عفوا عن رئيس هندوراس ورآه الشيخ حامد العلي (@Hamedalalinew) وصف العفو الذي أصدره ترامب عن رئيس هندوراس السابق خوان هيرنانديز – المتهم بتهريب 500 طن من الكوكايين – بأنه "فضيحة بجلاجل".
https://x.com/Hamedalalinew/status/2008192636725928046
وذلك لأنه عندما سُئل ترامب عن سبب العفو، أشار إلى وزير الخارجية ماركو روبيو باعتباره صاحب المشورة، لكن روبيو نفى علمه بالملف في مقابلات مع ABC وNBC، قائلاً إنه لم يطّلع على القضية ولا على مداولات العفو.
النفط الثقيل: لماذا تحتاجه أميركا؟
الخبير محمود وهبة (@MahmoudNYC) يوضح أن الولايات المتحدة، رغم كونها أكبر منتج للنفط، تحتاج النفط الفنزويلي، لأن مصافيها مصممة للعمل على النفط الثقيل، بينما النفط الأميركي والخليجي خفيف الكثافة ولا يناسب هذه المصافي.
هذا العامل التقني، كما يرى اقتصاديون، يجعل السيطرة على النفط الفنزويلي مسألة استراتيجية لا يمكن تعويضها بسهولة.
انعكاسات على الخليج
في سياق متصل، يشير حساب مفتاح (@keymiftah79) إلى تقرير نيويورك تايمز حول أزمة السيولة في صندوق الاستثمارات العامة السعودي، رغم تصريحات ولي العهد محمد بن سلمان عن استثمارات بقيمة تريليون دولار في الولايات المتحدة.
ويضيف التقرير أن المملكة تحتاج إلى عامين أو ثلاثة من ارتفاع أسعار النفط لسداد ديونها، في وقت يضغط فيه ترامب لخفض الأسعار إلى مستويات تهدد موازنات الخليج.
ويلخص المحلل aserasorat14 المشهد بقوله: إن "عام 2026 هو عام "القوة الخشنة" و"السيولة الضخمة"، حيث من يملك النفط الرخيص (أميركا) ومن يملك الكاش (الخليج وشركات التكنولوجيا) سيحدد مستقبل النظام العالمي، بينما يواجه الدولار اختبارًا وجوديًا".
