يعد هدم مبنى هندسة السكة الحديد، ذو دلالات تتجاوز إزالة منشأة قديمة، فالمبنى كان جزءًا من ذاكرة القاهرة الصناعية، ومنطقة رمسيس (قلب وسط البلد) وهي التي شهدت تحولات عمرانية متسارعة خلال العقد الأخير، يرى متخصصون في التراث العمراني أن إزالة مبانٍ حكومية تاريخية في قلب العاصمة يعكس توجهًا لإعادة تشكيل وسط القاهرة وفق رؤية استثمارية وتجارية، خصوصًا مع توسع مشروعات “التطوير” التي رافقها خروج مؤسسات حكومية من المنطقة.
الهدم جاء ضمن سلسلة تغييرات شملت إزالة مبانٍ قريبة مثل أجزاء من مجمع ورش السكك الحديدية القديمة، ومبانٍ إدارية تابعة للهيئة، إلى جانب هدم مبانٍ تاريخية أخرى في نطاق رمسيس والأزبكية خلال السنوات الماضية.
يمثل اختفاء مبنى هندسة السكة الحديد حلقة جديدة في مسار فقدان القاهرة لطبقاتها العمرانية المتراكمة، واستبدالها بوظائف جديدة لا تزال ملامحها النهائية غير واضحة.
وقبل سنوات قليلة وتحديدا في 2023 انهت حكومة عبد الفتاح السيسي محو مبنى الطب الشرعي من على وجه الأرض حيث تشير الوثائق التاريخية إلى أن المبنى أُنشئ في أربعينيات القرن العشرين (1944–1948)، في عهد الملك فاروق، ضمن خطة تحديث منظومة العدالة والطب الشرعي في مصر.
وكان المبنى جزءًا من “مجمع العدالة” الذي ضم؛ دار المحاكم المختلطة ومكاتب النيابة ومصلحة الطب الشرعي وصُمّم بطراز (آرت ديكو) مع لمسات كلاسيكية، وهو ما جعله مميزًا معماريًا في محيط رمسيس.
وعلق "ناشط"، "مش حرام مبني زي ده يتهدم ، أنا بعشق البيوت و المباني القديمة جدا ، عارفة إنكم عايزين توسعوا عشان تعمل موقف جديد للمواصلات ، و هدمت مبني الطب الشرعي و المكان كله اتغير عن ما كان، بس المبني ده بالذات عمره 150سنة من أيام السكة الحديد يعني يعتبر أثر من آثار #مصر الفرعونية".
وعلى غراره، يعود إنشاء مبنى هندسة السكة الحديد في رمسيس إلى الفترة ما بين 1903 و1906، الذي طرح بناؤه ضمن مشروع "توسعة محطة مصر" وتحديث البنية الإدارية للسكك الحديدية في عهد الاحتلال البريطاني. شُيّد المبنى بطراز إداري كلاسيكي يتماشى مع مباني المحطة الأصلية، وكان جزءًا من “المجمع الهندسي” الذي ضم ورش الصيانة ومكاتب التشغيل.
شهد المبنى عدة مراحل تطوير، أبرزها في الخمسينيات مع توسع الهيئة بعد التأميم، ثم في السبعينيات حين أضيفت طوابق جديدة لاستيعاب الإدارات الفنية، وأخيرًا في التسعينيات حين أُدخلت أنظمة أرشفة ومكاتب تصميم هندسي رقمية.
تعليقات السوشيال
وقال شهاب طارق: "مع الأسف رغم المناشدات والاستغاثات وطلبات الإحاطة، البلدوزر يبدأ عملية هدم مبنى هندسة السكة الحديد بميدان رمسيس، ولا حياة لمن تنادي، هنا استحضر ما قاله «محفوظ» في أصداء السيرة الذاتية، سألت الشيخ عبد ربه: كيف تنتهى المحنة التي نعانيها؟ فأجاب:
إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا هالكين فهو العدل".
https://x.com/FattahFattahh/status/2009594201089175992
وأضاف @BabaYssser، "ومبنى السكة الحديد اللي أنتم عايزين تهدوه علشان توسعوا كوبري 6 أكتوبر ده مش مبنى تاريخي من 1910".
وجاءت تغريدته على سبيل السخرية من تصريح لرئيس حكومة السيسي أطلقه في 6 أغسطس 2025 الماضي عندما قال: "إن أي مبنى مُسجَّل على أنه ذو قيمة عمرانية لن يُسمح لمالكيه بالتصرف فيه من خلال الهدم مؤكدًا أن تلك المباني ليست كالمباني العادية".
https://x.com/BabaYssser/status/1953298721157922847
وعن قرار من محافظة القاهرة إخلاء (كوبري الليمون) التراثي تمهيدًا لترميمه ضمن خطة للحفاظ على معالم العاصمة، حيث يعود إنشاؤه يعود لعام 1889.. تساءل @Wesomania_، ".. يعني هتهدوا مبنی هندسة السكة الحديد الأثري وتسيبوا كوبري اللمون؟؟؟؟ .. أليس بينكم رجل رشيد!؟؟؟ حرام عليكم شوهتوا البلد منكم لله!!!!".
https://x.com/Wesomania_/status/1962866185315164335
وأضاف حساب @Nino_Ossama639 واصفا عهد السيسي " عهده عهد انبطاح و تعمد إهانة لمصر و للمصرين وتعمد طمس و تحريف التاريخ المصري و التراث المصري بدليل هدمه لمبنى أثري، وهو مبنى هندسة السكة الحديد تم تشييده سنة ١٩٠٨م علشان هيبيعوا أرضه لليهود، وإمبارح شوفتهم بعيني وهما شاغلين هدم فيه، عهد كله خراب في خراب.. عهد الهكسوس و الهكسوسي @AlsisiOfficial".
https://x.com/Nino_Ossama/status/1958415938811806016
تعددت مهام مبنى هندسة السكة الحديد عبر تاريخه، إذ احتضن إدارات: هندسة السكة، وصيانة المنشآت والإشارات الميكانيكية قبل الانتقال للأنظمة الإلكترونية، والتخطيط الهندسي، ومتابعة مشروعات التطوير، ولجان السلامة الفنية ، وكان مركزًا لتدريب المهندسين الجدد قبل توزيعهم على المناطق.
بلغ عدد العاملين في المبنى قبل الهدم ما بين 900 و1200 موظف، وفق تقديرات موظفين سابقين، موزعين على إدارات هندسية وفنية وإدارية، ومع بدء الإخلاء، جرى نقل الموظفين إلى مبانٍ بديلة في السبتية والعباسية ومخازن الفرز، بينما نُقلت بعض الإدارات إلى المقر الجديد للهيئة في العاصمة الإدارية.
يحمل هدم المبنى دلالة واضحة على إعادة تشكيل وسط القاهرة، إذ يأتي ضمن موجة إزالة مبانٍ حكومية تاريخية لإعادة توظيف الأراضي ذات القيمة العالية، ورغم عدم إعلان رسمي بأن الأرض معروضة للبيع، فإن موقعها—الملاصق لمحطة مصر وعلى محور رمسيس—يجعلها هدفًا محتملًا ضمن خطط “تصفية” أو إعادة استثمار أصول وسط البلد.
الهدم جاء بعد إزالة مبانٍ قريبة مثل أجزاء من ورش الفرز القديمة، ومباني الهندسة الميكانيكية، ومخازن تابعة للهيئة، ما يعكس تحولًا جذريًا في هوية المنطقة التي كانت قلب الصناعة الحديدية في مصر لأكثر من قرن.
وقال مراقبون: إنه "ورغم عدم صدور إعلان رسمي بأن أرض المبنى معروضة للبيع، فإن موقعه—الملاصق لمحطة مصر وعلى مقربة من محور رمسيس—يجعل احتمالات إدخاله ضمن عمليات إعادة توظيف أراضي وسط البلد أمرًا مطروحًا بقوة، خاصة في ظل بيع أو إخلاء مبانٍ حكومية أخرى في المنطقة".
