تقارير حديثة نشرتها صحف "فاينانشال تايمز" ووسائل إعلام أخرى، تناولت قرارا إماراتيا باستبعاد الجامعات البريطانية من قائمة المنح الحكومية. ورغم أن الإمارات بررت القرار بأنه جزء من “إصلاحات أكاديمية” تهدف إلى توجيه التمويل نحو أفضل المؤسسات أداءً، فإن مصادر مطلعة أكدت للصحيفة البريطانية أن السبب الحقيقي يرتبط بمخاوف أبوظبي من “انتشار التطرف الإسلامي” داخل الجامعات البريطانية، وبالتحديد تأثير جماعة الإخوان المسلمين.
ونشرت وزارة التعليم العالي الإماراتية، في يونيو، قائمة بالجامعات العالمية التي ستُعتمد لها المنح الدراسية وتُصادَق مؤهلاتها، وذلك في إطار إصلاحات هدفت إلى حصر التمويل في أفضل المؤسسات من حيث الأداء الأكاديمي.
وضمّت القائمة جامعات في دول من بينها الولايات المتحدة وأستراليا و"إسرائيل" وفرنسا، لكنها لم تشمل المملكة المتحدة، رغم أنها تحتضن عددًا كبيرًا من أرقى المؤسسات الأكاديمية في العالم.
وهذا التفسير يعكس توترًا متصاعدًا بين البلدين، خاصة بعد رفض لندن تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، رغم ضغوط إماراتية وسعودية متواصلة منذ عام 2014.
وعاد ملف جماعة الإخوان المسلمين إلى واجهة النقاش السياسي في بريطانيا خلال الأسابيع الأخيرة، لكن هذه العودة لم تأتِ نتيجة تحوّل جوهري في موقف لندن، بل بسبب موجة من التغطيات الإعلامية والتصريحات السياسية التي غذّتها ضغوط إقليمية، خصوصًا من دولة الإمارات العربية المتحدة.
وروّجت بعض المنصات العربية (التابعة للإمارات مثل العين وإرم وحفريات وغيرها) لفكرة أن بريطانيا “اعترفت بخطئها” في عدم التعامل بجدية مع “تهديد الإخوان”، تكشف الوقائع أن هذا الادعاء يفتقر إلى الدقة، وأن الموقف البريطاني لم يشهد أي تغيير فعلي.
اللافت أن قائمة الجامعات التي اعتمدتها الإمارات شملت مؤسسات في الولايات المتحدة وأستراليا وفرنسا وإسرائيل، لكنها استبعدت بريطانيا بالكامل، رغم أنها تضم بعضًا من أعرق الجامعات في العالم. هذا الاستبعاد أثار تساؤلات واسعة، خصوصًا بعد أن نشر نائب الرئيس الأمريكي منشورًا على منصة “إكس” يصف القرار بأنه “عنوان في منتهى الخطورة”، معتبرًا أن الإمارات تقدم مادة دعائية مجانية لليمين المتطرف في الغرب عبر تصوير الجامعات البريطانية كمراكز “تطرف إسلامي”.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=2121302255310295&set=a.142598706514003
الباحث والأكاديمي د.خليل العناني ذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن القرار الإماراتي يحمل ثلاثة أهداف رئيسية: تشويه صورة المسلمين في بريطانيا عبر ربط وجودهم بالتطرف، والضغط على لندن لتصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية، وتكريس سردية أن الإمارات “تحارب الإرهاب”، رغم تورطها – بحسبه – في دعم جماعات مسلحة في اليمن والسودان وليبيا. هذا الطرح يتقاطع مع تحقيق استقصائي نشره موقع Dark Box، كشف عن حملة تشويه سرية موّلتها الإمارات في أوروبا، استهدفت مساجد ومنظمات مدنية وشخصيات عامة، بهدف خلق مناخ من الشك تجاه المسلمين وتبرير سياسات التضييق عليهم.
في موازاة ذلك، شهد مجلس اللوردات البريطاني نقاشًا موسعًا حول موقف الحكومة من الوثيقة التي أصدرها البيت الأبيض بشأن تصنيف بعض فروع الإخوان كمنظمات إرهابية. ورغم أن هذا النقاش أعاد الملف إلى الواجهة، فإن الحكومة البريطانية لم تُبدِ أي نية لتغيير موقفها، الذي يستند إلى تقرير “جينكينز” الصادر عام 2015. هذا التقرير، الذي استغرق إعداده عامًا كاملًا، خلص إلى أن الجماعة “غير متورطة في الإرهاب”، وأنه لا توجد مبررات قانونية لحظرها، مع التوصية فقط بمراقبة بعض أنشطتها.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=10166591884933332&set=a.10150931826358332
فريق “صحيح الإخوان” الذي راجع الادعاءات المتداولة، أكد أن الحديث عن “اعتراف بريطاني بالخطأ” هو تضخيم إعلامي لا يستند إلى أي خطوة رسمية. فالموقف البريطاني ثابت: الجماعة ليست محظورة، ولا تُعد تهديدًا أمنيًا مباشرًا، وأن التعامل معها يتم وفق قواعد القانون البريطاني التي تضمن حرية التنظيم والمشاركة المدنية. ويشير الفريق إلى أن تصوير الإخوان كقوة تسعى لاختراق الغرب هو جزء من خطاب سياسي تقوده حكومات عربية معادية للجماعة، إضافة إلى جماعات ضغط غربية تخشى تنامي الحضور الإسلامي.
التحقيق يلفت أيضًا إلى أن ما يُسمّى بـ“الاختراق الناعم” الذي يردده بعض الإعلاميين هو في الواقع ممارسة طبيعية لحقوق المواطنة في الدول الديمقراطية. فالجاليات المسلمة – بمن فيهم من يتبنون فكر الإخوان – ينشطون ضمن الأطر القانونية، عبر جمعيات خيرية ومراكز ثقافية ومنظمات مجتمع مدني. وصف هذه الأنشطة بأنها “خبيثة” يدخل ضمن خطاب الإسلاموفوبيا، لا ضمن تحليل سياسي موضوعي.
أما فيما يتعلق بالديمقراطية والدولة الوطنية، فيشير التحقيق إلى أن الإخوان شاركوا في العملية السياسية في دول عدة، وأن فشل التجارب الديمقراطية بعد 2011 لم يكن بسبب “عدم إيمان الجماعة بالديمقراطية”، بل نتيجة تدخلات عسكرية وانقلابات سياسية أطاحت بالمسار الانتخابي. وبالتالي، فإن القول بأن الجماعة تستخدم الديمقراطية “كجسر مؤقت” هو قراءة ناتجة عن إقصائها من العملية السياسية، وليس عن تحليل موضوعي لسلوكها.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=2121302255310295&set=a.142598706514003
في المحصلة، يكشف هذا الملف أن العلاقة بين الإخوان وبريطانيا ليست في طور التحول، بل في طور إعادة التدوير الإعلامي. الضغوط الإماراتية مستمرة، والحملات الدعائية تتصاعد، لكن لندن – حتى الآن – لا ترى مبررًا لتغيير موقفها. وبينما تستثمر بعض الحكومات العربية في خطاب “الخطر الإسلامي”، تظل بريطانيا متمسكة بنهجها القانوني الذي يوازن بين الأمن والحريات، رغم كل الضغوط.
