أظهرت الوثائق المسربة حول جيفري إبستين أسماء مصرية بارزة، من بينها خديجة الجمال زوجة جمال مبارك، والناشط في ثورة يناير وائل غنيم، ورجل الأعمال ومدير كازينو الجونة نجيب ساويرس.
وجاءت الإشارات إلى هذه الأسماء في سياقات مختلفة: رسالة سياسية لطلب دعم خارجي منسوبة إلى جمال مبارك عبر زوجته، ودعوات اجتماعية مرتبطة بوائل غنيم، ومشروعات بحثية وخيرية متصلة بنجيب ساويرس، الذي وُصف في بعض المراسلات بأنه "ملك الاتصالات في أفريقيا" و"رجل التعدين".
ورغم أن هذه الأسماء لم تظهر حتى الآن في سياق تورط مباشر بجرائم إبستين، فإن الحساسية السياسية والاجتماعية جعلت من ورودها مادة واسعة للجدل في مصر. ويرى البعض أن إبستين كان يسعى لتوسيع شبكة نفوذه عبر جمع قوائم بأسماء بارزة للتباهي بصلاته وصنع صورة عن قدرته على الوصول إلى صناع القرار. بينما يرى آخرون أن مجرد ورود اسم في هذه الوثائق لا يعني بالضرورة علاقة متكررة، لكنه يكشف حجم الشبكة التي حاول إبستين بناءها عبر النفوذ والمال واستغلال العلاقات العلمية والسياسية عالمياً.
خديجة الجمال وجمال مبارك
أثارت الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأميركية حول الملياردير الراحل جيفري إبستين جدلاً واسعاً في مصر، بعد أن تضمنت إشارات إلى أسماء مصرية بارزة. ومن بين هذه الأسماء مراسلات منسوبة إلى خديجة الجمال، زوجة جمال مبارك، نجل الرئيس الراحل حسني مبارك.
وأشارت الوثائق إلى رسالة إلكترونية أرسلتها خديجة عام 2011 إلى الدبلوماسي النرويجي تاريه رود لارسن، تضمنت طلب دعم خارجي عقب توقيف جمال مبارك بعد ثورة 25 يناير. وتناولت الرسالة الأوضاع الصحية والنفسية الصعبة التي مرت بها الأسرة، وشككت في الاتهامات الموجهة لمبارك وولديه.
اللافت أن لارسن قام بتحويل الرسالة إلى إبستين، ما جعل اسم خديجة يظهر في أرشيفه. ويُعد هذا السياق سياسياً بحتاً، ولم يرتبط بجرائم إبستين الأخلاقية، لكنه أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقات التي حاول إبستين استغلالها لإظهار نفوذه.
وائل غنيم… 20 مرة
ظهر اسم الناشط المصري وائل غنيم، أحد أبرز رموز ثورة 25 يناير، في الوثائق أكثر من عشرين مرة. وغنيم، الذي اختارته مجلة "تايم" ضمن قائمة المائة شخصية الأكثر تأثيراً في العالم عام 2011، ورد اسمه في سياق دعوات إلى مناسبات اجتماعية عامة نظمتها دوائر إبستين، تجمع رواد أعمال وقادة فكر عالميين، بعيداً عن الأنشطة التي أُدين بها إبستين لاحقاً.
وأشارت حسابات على منصة "إكس" مثل Veteran_Politc إلى أن اسم غنيم كان يتصدر بعض القوائم، وغالباً ما ارتبط اسمه باسم نجيب ساويرس في مراسلات إبستين المتعلقة بالتكنولوجيا والتأثير السياسي بعد الثورة.
وقد أثار ذلك ارتباكاً بين مؤيدي ومعارضي الثورة؛ فالبعض اعتبره دليلاً على تدخل خارجي، بينما رأى آخرون أن وجوده طبيعي بالنظر إلى عمله السابق في "جوجل" وصلاته بالنخبة التقنية الأميركية.
https://x.com/Veteran_Politc/status/2017980779830079788
نجيب ساويرس في الوثائق
ورد اسم رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس في تسع رسائل مرتبطة بمشروعات علمية وخيرية، أبرزها مشروع وثائقي متعدد المنصات بعنوان "CHICKEN the Movie"، يسلط الضوء على الدور التاريخي والبيئي للدجاج في التغذية والطب والتطور. وجمع المشروع بين وثائقيات وأبحاث أكاديمية وموسوعة علمية وموقع تفاعلي، بتمويل خيري وشراكات علمية.
وذكرت الوثائق أن مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية كانت راعياً خيرياً للموقع الإلكتروني التفاعلي للمشروع بتمويل قدره 80 ألف دولار. وتداولت حسابات مثل عائشة السيد وعمار العمري هذه التفاصيل، مشيرة إلى أن ساويرس وُصف في بريد إبستين بأنه "الرجل الكبير السابق في قطاع الاتصالات في أفريقيا الذي دخل الآن مجال التعدين".
https://x.com/aishaalsayed9/status/2018031344018969037
كما أشارت مراسلات أخرى إلى لقاءات محتملة بين ساويرس ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، في سياق مشاريع التعدين، وإلى اختياره ضمن قائمة من عشرة أشخاص لإدارة غزة بعد اتفاق ترامب في شرم الشيخ، وهي قائمة ضمت توني بلير أيضاً.
ردود الفعل والجدل
أثار ظهور هذه الأسماء المصرية صدمة واستغراباً على منصات التواصل الاجتماعي. وتساءل متابعون عن ورود اسم جمال مبارك وزوجته، بينما دافع أنصار مبارك عن نجله مؤكدين أن الرسالة كانت طلباً لمحاكمة عادلة في ظل الأجواء الثورية.
أما بالنسبة لوائل غنيم، فانقسمت الآراء بين من اعتبر وجود اسمه دليلاً على تدخل خارجي في الثورة، ومن رأى أن الأمر طبيعي بالنظر إلى مكانته في عالم التكنولوجيا. وبالنسبة لساويرس، رأى البعض أن ورود اسمه في سياق مشاريع علمية وخيرية يعكس محاولة من إبستين لاستغلال أسماء بارزة للتباهي بنفوذه، دون أن يعني ذلك تورطاً مباشراً.
تحليل السياق
كتب أحمد جلال على فيسبوك أن جانباً كبيراً من الوثائق عبارة عن نشرات إخبارية دورية، أغلبها مقالات رأي لكتاب معادين للإسلام أو الصين أو روسيا، وأن إبستين كان يجمع أسماء بارزة في كل منطقة جغرافية ليعرضها على شركائه، ثم يتم تقييم من قد يكون مفيداً للتقرب منه عبر دعوات اجتماعية.
وأشار جلال إلى أن مجرد ورود اسم شخص لا يعني شيئاً، بل يجب النظر إلى السياق، وضرب أمثلة بذكر أسماء تاريخية مثل النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسيدنا سليمان عليه السلام في بعض الرسائل، ما يوضح أن الأرشيف كان واسعاً ويضم محتويات متنوعة لا ترتبط مباشرة بجرائم إبستين.
في المقابل، تساءل الناشط أسامة رشدي، العضو السابق بمجلس حقوق الإنسان، عن مدى تقاعس نظام العدالة الأميركية لسنوات عن تفكيك شبكة الاستغلال الجنسي المحيطة بإبستين، معتبراً أن القضية تكشف منظومة معقدة تتشابك فيها خيوط النفوذ والمال والفساد، في ظل أشكال من الحماية المتبادلة.
وأضاف أن هذه الدفعة من الوثائق لن تكون الأخيرة، ومعها تتزايد المخاوف من محاولات لطمس الحقائق تحت ذرائع مختلفة، من بينها "حماية الضحايا". وتساءل: هل سيقود نشر الوثائق إلى مساءلة حقيقية، أم سيُستخدم فقط في الضجيج الإعلامي وتصفية الحسابات السياسية؟ وهل سيُعاد الاعتبار للضحايا، أم يُدفن الملف مرة أخرى وتُعقد تسويات خلف الستار؟
وقد أفرجت السلطات الأميركية اليوم عن دفعة ضخمة من الوثائق المرتبطة بقضية جيفري إبستين، تجاوزت 300 ألف صفحة من ملفات التحقيقات والمراسلات والسجلات، في واحدة من أكثر القضايا التي هزّت الرأي العام العالمي خلال السنوات الماضية.
