شهدت صادرات مصر من قطاع المناجم خلال العام المالي الماضي تراجعًا حادًا بلغت نسبته 25%، إذ انخفضت الكميات المصدّرة إلى نحو 1.53 مليون طن مقارنة بـ 2.06 مليون طن في العام المالي السابق، وذلك رغم التصريحات الحكومية المتكررة التي تحدثت عن توسع في عمليات الاستخراج وزيادة مرتقبة في الإنتاج. هذا التراجع أثار تساؤلات واسعة حول أداء القطاع، ومدى قدرة خطط التطوير الحكومية على تحقيق نتائج ملموسة، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.
وتراجعت صادرات مناجم مصر 25% خلال العام المالي الماضي لتسجل 1.53 مليون طن مقارنة مع 2.06 مليون طن في العام المالي الأسبق، بحسب السردية الوطنية للتنمية الشاملة
وجاء ذلك رغم نمو الإنتاج إلى 26.2 مليون طن مقارنة مع 18.9 مليون طن في العام المالي 2022-2023، وارتفع عدد المناجم إلى 476 منجما مقارنة مع 367 منجما، وارتفعت رخص البحث إلى 35 بدلًا من 12 ورخص الاستغلال إلى 189 رخصة بدلًا من 169 رخصة.
ويشير محللون إلى أن تراجع صادرات المناجم لا يرتبط فقط بالطلب العالمي، بل أيضًا بعوامل داخلية تتعلق بضعف الاستثمار في تكنولوجيا الاستخراج والمعالجة. فبحسب تقارير قطاع التعدين، لا تزال مصر تعتمد على أساليب تقليدية في بعض مواقع الاستخراج، ما يقلل من كفاءة الإنتاج ويزيد من تكلفة التشغيل، وهو ما يُضعف القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق العالمية . كما أن البنية التحتية اللوجستية، رغم تحسنها في بعض المناطق، لا تزال تعاني من تحديات في مناطق التعدين البعيدة، ما يؤثر على سرعة نقل الخام وتكلفة الشحن.
ويرى خبراء اقتصاديون أن تراجع صادرات المناجم قد يؤثر على خطط الدولة لزيادة عائدات النقد الأجنبي، خصوصًا أن قطاع التعدين يُعد أحد القطاعات التي تراهن عليها الحكومة لتعزيز مواردها. ويشير مختصون إلى أن ضعف الصادرات يعكس فجوة بين الخطط المعلنة والنتائج الفعلية، ما يستدعي إعادة تقييم السياسات الحالية، خاصة فيما يتعلق بجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتسهيل إجراءات التراخيص، وتطوير التشريعات المنظمة للقطاع.
سوء إدارة لا نقص موارد
وفي مصر يوجد 141 منجم ذهب و191 حقل نفط، وعاشر أكبر احتياط غاز، وثلثي آثار العالم وأكبر بحيرة صناعية (ناصر) ولا يوجد نقص موارد بل سوء ادارة .
ويُعد الذهب أحد أهم المعادن التي تعتمد عليها مصر في خططها التصديرية، إذ تمتلك البلاد تاريخًا طويلًا في استخراجه، وتؤكد تقارير رسمية أن مصر تتمتع بجيولوجيا غنية وتنوع كبير في المعادن، لكن هذه الإمكانات لا تزال “غير مستغلة بالكامل” وفق تقارير قطاع التعدين لعام 2023، التي تشير إلى أن مناطق واسعة من الصحراء الشرقية لا تزال تحت مستوى الاستكشاف المطلوب . ورغم توسع عمليات البحث والاستكشاف خلال السنوات الأخيرة، فإن الإنتاج الفعلي لم يشهد القفزة التي كانت متوقعة، ما انعكس على حجم الصادرات.
الحديد والصلب
أما الحديد والصلب، وهو أحد أعمدة قطاع التعدين، فقد شهد تراجعًا ملحوظًا في الصادرات خلال الفترة الأخيرة. وتشير بيانات اتحاد الحديد والصلب العربي إلى أن صادرات مصر من الحديد والصلب انخفضت بنسبة 15% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025، متراجعة إلى نحو 801 مليون دولار مقارنة بـ 938 مليون دولار في الفترة نفسها من العام السابق . ويرى خبراء في القطاع أن هذا التراجع مرتبط بعوامل خارجية مثل تهديدات فرض رسوم جمركية أمريكية جديدة، إضافة إلى تباطؤ الطلب في الأسواق التركية، وهما سوقان يمثلان ربع صادرات القطاع. هذا الانكماش في الطلب الخارجي انعكس مباشرة على حجم الإنتاج المحلي، وبالتالي على صادرات المناجم المرتبطة بصناعة الحديد.
الفوسفات
وفيما يتعلق بالفوسفات، الذي يُعد من أهم الموارد التعدينية في مصر، تشير تقارير دولية إلى أن البلاد تحتل المرتبة الثامنة عالميًا في إنتاج الفوسفات بنحو 5 ملايين طن سنويًا . ورغم هذا الموقع المتقدم، فإن صادرات الفوسفات الخام شهدت تراجعًا خلال العام المالي الماضي نتيجة انخفاض الطلب العالمي وتوجه بعض الدول إلى تعزيز صناعات القيمة المضافة محليًا بدلًا من استيراد الخام. كما أن جزءًا من الإنتاج المصري يُوجَّه حاليًا إلى صناعات الأسمدة المحلية، ما يقلل من الكميات المتاحة للتصدير.
ويؤكد متخصصون في اقتصاديات التعدين أن مصر تمتلك إمكانات كبيرة غير مستغلة، وأن تحسين بيئة الاستثمار يمكن أن يُضاعف الإنتاج خلال سنوات قليلة. ويشيرون إلى أن دولًا عديدة في المنطقة استطاعت تحقيق قفزات كبيرة في صادرات المعادن عبر تحديث تقنيات الاستخراج، وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها، وهو ما تحتاجه مصر لتجاوز مرحلة تصدير المواد الخام والانتقال إلى تصنيع المعادن محليًا، بما يرفع القيمة المضافة ويزيد العائدات.
ويعكس تراجع صادرات المناجم بنسبة 25% تحديات هيكلية تواجه القطاع، تتراوح بين ضعف التكنولوجيا، وتراجع الطلب الخارجي، وغياب الصناعات التحويلية، إضافة إلى فجوة بين الخطط الحكومية والنتائج الفعلية. ومع أن مصر تمتلك ثروة معدنية ضخمة، فإن استغلالها بكفاءة يتطلب إصلاحات عميقة واستثمارات كبيرة، حتى يتحول القطاع إلى رافعة حقيقية للاقتصاد بدلًا من أن يبقى رهينًا لتقلبات السوق العالمية.