قدّم الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون واحدة من أكثر المقابلات إثارة للجدل بعد استضافته مايك هوكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل، في حوار امتد لساعتين ونصف الساعة. ورغم أن السفير هو من طلب الظهور للدفاع عن الرواية الإسرائيلية، فإن المقابلة تحولت إلى عبء ثقيل عليه، بعدما بدا عاجزًا عن تقديم أي إجابة مقنعة، وخرج منها بصورة أسوأ مما دخل بها.
وبحسب الكاتب أنس غنايم، فإن كل ما قدمه هوكابي سابقًا من خدمات دعائية للكيان انهار في هذه المقابلة، حتى بدا وكأنه خصم لها لا ممثل عنها. فالإجابات المرتبكة، ومحاولات التهرب، والوقوع في الفخاخ المنطقية التي نصبها كارلسون، جعلت السفير يظهر بمظهر من يدافع عن قضية خاسرة. ومن المرجح أن يكون الغضب داخل الأوساط الصهيونية أكبر من أي انتقاد خارجي، لأن المقابلة كشفت هشاشة الخطاب الرسمي حين يُواجه بأسئلة حقيقية.
إلى جانب بعدها السياسي، اعتُبرت المقابلة درسًا إعلاميًا نادرًا، إذ أظهرت كيف يمكن للصحافة أن تستعيد دورها في المساءلة، بعيدًا عن التواطؤ أو الترويج. ولذلك يرى كثيرون أنها ستصبح مادة تعليمية لطلاب الإعلام، لأنها قدمت نموذجًا حيًا لكيفية إدارة حوار صعب، وكشف التناقضات، وإجبار المسئولين على مواجهة الحقائق التي يحاولون إخفاءها.
ويضيف "غنايم" في منشور متداول على المنصات أن كارلسون استهل اللقاء بمقدمة مطوّلة كشف فيها الضغوط التي تعرض لها ومحاولات تعريضه للخطر بسبب إصراره على إجراء المقابلة، قبل أن يبدأ سلسلة من الأسئلة المحكمة التي صيغت بعناية لتقود الضيف إلى زوايا ضيقة لا يمكن الخروج منها دون تناقض أو اعتراف محرج. كان يبدأ بسؤال يبدو بسيطًا، ثم يضيّق الخيارات تدريجيًا حتى يجد السفير نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: الكذب أو الاعتراف بحقائق لا يريد قولها.
ورأى أن المقابلة كانت استثنائية لأنها المرة الأولى التي يُوضع فيها مسئول رفيع يمثل النظام الصهيوني أمام مساءلة مباشرة بهذا العمق، حيث تناول كارلسون جذور المشروع الصهيوني، وأسسه الإبادية، وتناقضاته الدينية والعرقية والقومية. ومع كل سؤال، كان السفير يتخبط، غير قادر على تقديم رواية متماسكة أو دفاع منطقي، الأمر الذي جعل كثيرين يرون أنه ألحق ضررًا بالغًا بصورة الكيان الذي جاء للدفاع عنه.
لماذا يشعر العسكر بالإهانة الآن؟
أثار تصريح السفير الأمريكي في تل أبيب، هاكابي، موجة استياء واسعة بعدما قال إن “من الجيد أن يأخذ شعب إسرائيل المنطقة كلها من النيل إلى الفرات”، وهو تصريح يعيد إحياء خطاب “إسرائيل الكبرى” ويكشف بوضوح دعم الإدارة الأمريكية لهذا التصور التوسعي. المجلس الثوري المصري اعتبر أن هذا التصريح لم يمر مرور الكرام داخل المؤسسة العسكرية المصرية، بل تسبب في حالة قلق وامتعاض، لأنه يلمّح إلى أطماع إسرائيلية مباشرة في أراضٍ مصرية رغم عقود من التعاون الأمني والسياسي بين القاهرة وتل أبيب.
وفق بيان المجلس الثوري، شعر قادة الجيش المصري بخيبة أمل شديدة من التصريح، لأنه يأتي رغم تعاونهم الطويل مع إسرائيل في ملفات حساسة، بدءًا من التنسيق الأمني في سيناء، وصولًا إلى السياسات المتعلقة بقطاع غزة. ويشير البيان إلى أن المؤسسة العسكرية كانت تتوقع “تقديرًا” أكبر من الجانب الإسرائيلي، لا تصريحات تعيد التذكير بأن إسرائيل ما زالت ترى في مصر جزءًا من مشروعها التوسعي التاريخي.
يربط المجلس الثوري بين هذا التصريح وبين ما يعتبره “خدمة” قدمها الجيش المصري لإسرائيل حين أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي، ووضع مكانه – بحسب البيان – شخصية وصفها نتنياهو بأنها “صديق وزميل”. ويؤكد المجلس أن المؤسسة العسكرية المصرية نفذت خلال السنوات الماضية كل ما طُلب منها في ملفات الأمن الإقليمي، بما في ذلك تشديد الحصار على غزة، وقمع المعارضة الداخلية، وإبقاء الوضع السياسي في مصر تحت السيطرة بما يخدم المصالح الإسرائيلية.
يرى المجلس الثوري أن السؤال الأهم ليس مضمون التصريح فقط، بل توقيته. فبعد أكثر من خمسين عامًا من التعاون الأمني بين مصر وإسرائيل، وبعد سنوات من التنسيق الوثيق، يطرح المجلس سؤالًا مباشرًا: لماذا تصدر تصريحات “جارحة ومحرجة” كهذه الآن؟ ولماذا تُذكّر إسرائيل المؤسسة العسكرية المصرية بأن أطماعها التاريخية لم تتغير، رغم كل ما قدمته القاهرة من تعاون؟
يخلص المجلس الثوري إلى أن تصريح السفير الأمريكي يعكس حقيقة ثابتة: الكيان لا يرى في التعاون الأمني والسياسي ضمانة كافية، ولا يعتبر أن ما قدمته المؤسسة العسكرية المصرية خلال العقود الماضية يغيّر من رؤيتها الاستراتيجية للمنطقة. هذا التصريح، في نظر المجلس، يعيد فتح ملف العلاقة المعقدة بين القاهرة وتل أبيب، ويكشف هشاشة الرهان على التحالفات حين تكون مبنية على المصالح لا على الندية أو الاحترام المتبادل.
بيانات تنديد بلا مردود
ورأى المفكر الجزائري محمد العربي زيتوت أن تصريحات السفير الأمريكي مايك هكابي حول “الحق الكتابي لإسرائيل في جزء كبير من الشرق الأوسط” ليست مجرد زلة لسان، بل تعبير صريح عن رؤية لاهوتية–سياسية راسخة داخل التيار الترامبي. فهكابي، بحسب التحليل، لم يأتِ بجديد، بل كرّر ما رسّخته إدارة ترامب عبر خطوات مثل نقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بضم الجولان، وطرح غزة كـ“فرصة عقارية”، والحديث المتكرر عن توسيع إسرائيل.
وأشار زيتوت @mohamedzitout إلى أنه خلف هذا الخطاب تقف الصهيونية الإنجيلية، التي لا تعتبر دعم الكيان خيارًا سياسيًا بل واجب ديني مرتبط بفكرة “الخلاص الأخير”. وإلى جانب هذا البعد العقائدي، يبرز دور اللوبي المالي المؤثر، حيث موّلت شخصيات بارزة قرارات تمس القدس والجولان وفلسطين. وبهذا يتشكل ما يصفه بـ“ثالوث” يجمع بين لاهوت يشرعن، ومال يموّل، وقرار سياسي ينفّذ.
ويعتبر أن حديث هكابي عن “النيل والفرات” يعكس ما يتردد داخل هذا التيار من تصورات حول “إسرائيل الكبرى”، وهي خرائط متداولة في المخيال الصهيوني–الإنجيلي تمتد لتشمل أجزاء من مصر والسعودية والأردن وسوريا ولبنان والعراق والكويت وحتى تركيا. ويرى أن هذا الخطاب يتجاوز فلسطين ليطال شرعية وجود دول وشعوب بأكملها، باعتبار المنطقة فضاءً قابلًا لإعادة التشكيل وفق رؤية توراتية.
وفي المقابل، ينتقد زيتوت ما يعتبره ضعفًا في ردود فعل الأنظمة العربية والإسلامية، التي اكتفت ببيانات تنديد دون اتخاذ خطوات دبلوماسية أو سياسية أو اقتصادية. ويشير إلى أن بعض الدول تواصل مسار التطبيع رغم الخطاب الذي يُعلن صراحة أن أراضيها جزء من مشروع توسعي متخيّل.
ويخلص إلى أن القضية لم تعد مجرد صراع حدود، بل معركة وجودية تتعلق بمن يملك حق رسم الخريطة، وبقدرة شعوب المنطقة على الدفاع عن تاريخها وكياناتها أمام خطاب توسعي يتوسع ويتجذر.
https://x.com/mohamedzitout/status/2025686372623765652