بالتزامن مع جولة “عبدالعاطي”.. الأزهر يكرر إدانة هجمات ايران على الخليج ..والسيسي يحاول احتواء الغاضبين!

- ‎فيتقارير

دخل شيخ الأزهر خلال الأسابيع الأخيرة في موجة متتابعة من البيانات الموجهة ضد إيران، في موقف لافت يختلف عن نهجه التقليدي الذي يتجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية. فمنذ الرابع من مارس، أصدر الأزهر ثلاثة بيانات متتالية تهاجم الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، آخرها قبل ساعات من الثلاثاء 17 مارس الحالي يطالب طهران بوقف عملياتها العسكرية فورًا، وهو تكرار غير معتاد في خطاب المؤسسة الدينية الأكبر في مصر.

 

وكان البيان الأول في 4 مارس الأكثر وضوحًا، إذ دعا إيران إلى “اتخاذ قرار فوري” بوقف الاعتداءات على الدول العربية والإسلامية، مؤكدًا أن هذه الهجمات “لا يقرها الإسلام ولا الأخلاق”. وقد لاقى البيان ترحيبًا واسعًا في الأوساط الخليجية، واعتبره البعض اصطفافًا دينيًا مع الموقف السياسي العربي. وبعد أيام قليلة، أجرى شيخ الأزهر اتصالًا هاتفيًا مع رئيس الإمارات محمد بن زايد ثم ملك البحرين، أكد فيه ضرورة التضامن العربي ورفض انتهاك سيادة الدول، في سياق تصاعد الهجمات الصاروخية الإيرانية على منشآت خليجية.

 

ثم جاء بيان جديد في 7 مارس، أدان فيه الأزهر “عدوان الكيان المحتل على إيران”، محذرًا من توسع الحرب، وهو ما اعتبره البعض محاولة لتحقيق توازن في الخطاب، قبل أن يصدر بيان ثالث في الأيام الأخيرة يعيد التأكيد على إدانة “الاعتداءات الإيرانية غير المبررة على دول الخليج”، وهو ما دفع مراقبين إلى القول إن الأزهر بات يصدر بيانات متتابعة في الاتجاه نفسه، وكأنه يكرر الرسالة نفسها بصيغ مختلفة.

السيسي ومحاولة تبييض ساحته

وفي الوقت الذي كانت فيه بعض العواصم الخليجية تتوقع موقفًا مصريًا أكثر صرامة تجاه إيران، فضّلت القاهرة التزام الحذر، مكتفية ببيانات دبلوماسية عامة تدعو إلى التهدئة وتجنب التصعيد. هذا التريث فُسّر لدى البعض باعتباره تراجعًا عن الالتزام التقليدي الذي عبّر عنه السيسي في بدايات حكمه، حين قال إن أمن الخليج “مسافة السكة”. ومع تصاعد الانتقادات، بدا واضحًا أن مؤسسة الرئاسة تحاول إعادة صياغة الموقف، ليس عبر تغيير السياسة نفسها، بل عبر تعديل طريقة عرضها للرأي العام.

 

وجاء بيان الأزهر الأخير ضد إيران ليعكس هذا التوجه، إذ بدا البيان أكثر حدة من الخطاب الرسمي، وكأنه محاولة لإرسال رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل لطمأنة الرأي العام بأن مصر لا تزال في صف الأمن العربي، والثانية إلى الخارج، وتحديدًا إلى دول الخليج، بأن القاهرة ليست بصدد تغيير تحالفاتها، حتى لو كانت خطواتها العملية أكثر حذرًا. وقد اعتبر مراقبون أن البيان الديني جاء ليملأ فراغًا تركه الخطاب السياسي، وليقدّم غطاءً معنويًا لموقف الدولة في لحظة حساسة.

 

وفي السياق نفسه، جاءت الجولة الخليجية لوزير خارجية السيسي بدر عبدالعاطي لتؤكد أن القاهرة تدرك حجم القلق الخليجي من موقفها الأخير، وأنها تسعى إلى إعادة بناء الثقة مع حلفائها التقليديين. فالجولة لم تكن بروتوكولية، بل حملت رسائل واضحة حول التزام مصر بأمن الخليج، وفي الوقت نفسه محاولة لشرح أسباب التحفظ المصري على الانخراط في أي مواجهة مباشرة. وتدرك القاهرة أن الظروف الاقتصادية الصعبة تجعلها بحاجة إلى استمرار الدعم الخليجي، وأن أي توتر في العلاقات قد ينعكس مباشرة على الوضع الداخلي.

 

انتقائية الأزهر

تكرار إدانات الأزهر كانت لافتة وأثارت نقاشًا واسعًا، خصوصًا بعد أن نشر بعض النشطاء تعليقات تنتقد ما وصفوه بـ“الانتقائية” في التعاطف، مشيرين إلى أن الأزهر أدان الاعتداءات على الإمارات والسعودية والبحرين، لكنه لم يصدر بيانًا مماثلًا يدين الهجمات الأمريكية–"الإسرائيلية" على إيران، رغم سقوط عشرات المدنيين، بينهم 160 تلميذة في اليوم الأول للحرب، بحسب ما ورد في المرفقات. وذهب البعض إلى القول إن النخب المصرية—من سياسيين وإعلاميين—تتخذ الموقف نفسه، إذ تستنكر الاعتداءات على الخليج لكنها تتجنب إدانة استهداف الشعب الإيراني.

 

في المقابل، يشير آخرون إلى أن الأزهر أصدر بالفعل بيانًا في 7 مارس (بعد انطلاق الحرب بأيام) أدان فيه “عدوان الكيان المحتل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، محذرًا من جر المنطقة إلى حرب شاملة، وهو ما يعني أن المؤسسة الدينية حاولت الحفاظ على قدر من التوازن، وإن كان هذا البيان لم يحظ بالانتشار نفسه الذي حظيت به بيانات إدانة إيران.

 

ويرى مراقبون أن بيانات الأزهر جاءت لتدعم هذا التوجه السياسي، وتمنح الموقف المصري غطاءً دينيًا يعزز رسائل الطمأنة التي يحملها عبدالعاطي في جولته. فالأزهر، بما يمثله من ثقل رمزي، قادر على إرسال إشارات قوية إلى العواصم الخليجية بأن القاهرة لا تزال في صفها، حتى لو كانت السياسة العملية أكثر حذرًا مما كانت عليه في السنوات الأولى من حكم السيسي.

 

لكن في المقابل، تكشف المرفقات أيضًا عن جانب آخر من العلاقة بين الأزهر والدولة. ففي يوليو 2025، سحب شيخ الأزهر بيانًا كان قد أصدره لمناشدة إنقاذ أهل غزة، بعد تواصل من وزير الخارجية بدر عبدالعاطي، بحسب ما نقلته «مدى مصر». هذا الحادث يعكس أن بيانات الأزهر ليست دائمًا مستقلة، وأنها قد تتأثر بالاعتبارات السياسية والدبلوماسية للدولة، وهو ما يفسر ربما تكرار البيانات الأخيرة ضد إيران في توقيت يتزامن مع تحركات مصرية مكثفة في الخليج.

 

مسافة السكة

وفي المجمل، يبدو أن السيسي يحاول أيضًا احتواء الهجوم الداخلي الذي تصاعد بعد ارتفاع أسعار الوقود، وتزايد الضغوط المعيشية، واتهامات بأن الحكومة تمرر تأثيرات الأزمات الخارجية إلى المواطن دون حماية كافية. وفي ظل هذا المناخ، يصبح من الضروري للرئاسة أن تظهر بمظهر الدولة التي تتحرك بنشاط على الساحة الإقليمية، وتحافظ على تحالفاتها، وتدير الأزمات بحكمة، حتى لو كانت القرارات الفعلية أكثر تحفظًا مما كان عليه الحال في السنوات الماضية.

هذا في وقت يشير فيه محللون إلى أن التخلي عن شعار "مسافة السكة" لم يكن خيارًا سياسيًا بقدر ما كان ضرورة فرضتها الظروف. فمصر اليوم تواجه تحديات اقتصادية غير مسبوقة، وتدرك أن أي انخراط عسكري أو سياسي مباشر في صراع إقليمي قد يفاقم أزماتها. كما أن القاهرة تحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعددة، بما في ذلك القوى الدولية التي تتعامل معها اقتصاديًا. هذا التوازن الدقيق يجعل من الصعب تبني مواقف حادة كتلك التي كانت تُعلن في السابق.

ومحاولة لملمة الهجوم على السياسات الحالية تكشف عن إدراك داخل مؤسسة الحكم بأن الخطاب السياسي لم يعد قادرًا على إقناع الجمهور بسهولة، وأن التحولات في السياسة الخارجية تحتاج إلى تبرير وتفسير، لا إلى شعارات. ولذلك، فإن الجمع بين بيان الأزهر، وجولة وزير الخارجية، وتصريحات رسمية تؤكد أن “ثبات المواقف”، يبدو جزءًا من استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة صورة الدولة في لحظة إقليمية مضطربة.