تشهد جزيرة الوراق منذ أيام حالة من التوتر المتصاعد بعد تداول مقاطع مصوّرة وشهادات لأهالي الجزيرة تتهم أفرادًا من الشرطة بالاعتداء على شباب من الأهالي، في واقعة أعادت إلى الواجهة الأزمة الممتدة بين سكان الجزيرة والسلطات منذ سنوات. وقد انتشرت خلال الساعات الماضية تسجيلات على مواقع التواصل الاجتماعي، أبرزها ما نشرته صفحات على مواقع التواصل اتهمت أحد ضباط الشرطة بالبلطجة واستخدام السلطة في الاعتداء على المواطنين.
https://www.facebook.com/reel/1270925515137963/
وتزامن انتشار الفيديو مع روايات أخرى من داخل الجزيرة تتحدث عن اعتداءات طالت عدداً من الشباب، بينهم العامل أحمد راشد، الذي قال أهله إنه تعرّض للضرب والسحل على يد ضابطين من الشرطة المائية أثناء عمله في مشروع الطريق الدائري.
وقد نشر حساب «جزيرة الوراق» تفاصيل الواقعة، متهمًا الضابطين إكرامي ومحمد المحرائي بالاعتداء على أحد أبناء الجزيرة، وسط حالة غضب واسعة بين الأهالي:
https://www.facebook.com/reel/1620789865708663/
وتشير روايات الأهالي إلى أن الاعتداء الأخير لم يكن حادثًا فرديًا، بل جزء من سلسلة تضييقات متواصلة تهدف —وفق تصورهم— إلى الضغط عليهم لإخلاء الجزيرة تمهيدًا لنزع الملكية، وهو ما يتقاطع مع تصريحات حكومية سابقة تحدثت عن استمرار خطة تطوير الجزيرة رغم رفض الأهالي مغادرة منازلهم.
وأعاد هذا التوتر إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا حول مستقبل الجزيرة، التي تُعد واحدة من أكبر الجزر النيلية المأهولة بالسكان، والتي تتمتع بموقع استراتيجي جعلها محل اهتمام مشروعات استثمارية كبرى.
وتصاعدت حدة الغضب بعد نشر شهادة أخرى تتحدث عن اعتداء على أربعة أو خمسة شباب من الجزيرة باستخدام «مادة كيماوية مهيّجة للأنسجة»، في واقعة أثارت قلقًا واسعًا بين الأهالي:
https://www.facebook.com/reel/1382004137062756/
هذه الأحداث تأتي في سياق تاريخ طويل من التوتر بين الأهالي والسلطات. فمنذ عام 2017، حين بدأت الحكومة الحديث عن «تطوير جزيرة الوراق»، دخل الطرفان في سلسلة من المواجهات، كان أبرزها الاشتباكات التي وقعت في يوليو من العام نفسه وأسفرت عن سقوط قتيل من الأهالي وإصابات من الجانبين. ومنذ ذلك الحين، يعيش سكان الجزيرة حالة من الحصار غير المعلن، تتجلى في منع دخول مواد البناء، وتشديد الرقابة على المداخل والمعديات، وفرض قيود على حركة السكان.
وقد وثّقت منصات منها مدى مصر خلال فبراير الماضي سلسلة من الأحداث التي تعكس هذا التوتر. ففي 18 فبراير، أفرجت قوات الأمن عن سيد القرموطي بعد القبض عليه بسبب مشاركته في مظاهرة احتجاجية ضد منع دخول مواد البناء. وجاء الإفراج بعد لقاء بين الأهالي وقيادات من الأمن الوطني، حاولت خلاله الأجهزة الأمنية «تهدئة» الموقف.
وبعد ثلاثة أيام فقط، شهدت منطقة الجزارين في وراق الحضر اشتباكات عنيفة استمرت نحو خمس ساعات، بعد أن اعتدى مجهولون يرتدون ملابس مدنية على خمسة من أهالي الجزيرة عقب منع الشرطة مرورهم إلى المعدية بسبب حملهم طوب بناء. وتطورت الأحداث إلى احتجاز الأهالي داخل جراج وتوثيقهم بالحبال، وفق روايات الأهالي وشهود عيان.
هذه الأحداث ليست معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة طويلة من المواجهات. ففي نوفمبر 2025، وثّق ناشطون اعتداءات بالخرطوش والمطاوي على الأهالي، ضمن ما وصفه بمحاولة لإجبار السكان على ترك الجزيرة. وفي الشهر نفسه، أعلنت النيابة العامة إحالة عشرة من أهالي الوراق للمحاكمة الجنائية، بينهم محامية، رغم أن الأهالي أكدوا أنهم كانوا ضحايا اعتداءات أثناء محاولة اقتحام الجزيرة.
كما شهد أكتوبر 2025 طرح الحكومة خطة جديدة لتقسيم الجزيرة إلى «كتلة سكانية» و«متناثرات»، وهي خطة رأى فيها مجلس عائلات الوراق محاولة لتقسيم الأهالي وإضعاف موقفهم التفاوضي. وفي يناير الماضي، نظرت نيابة أمن الدولة تجديد حبس 18 تاجر مواد بناء من القليوبية، بعد اتهامهم بتوفير مواد بناء لأهالي الجزيرة، في مؤشر على استمرار التضييق على أي محاولة لإعادة إعمار المنازل المتضررة.
وتشير شهادات الأهالي إلى أن التضييق بلغ ذروته خلال رمضان، حين اندلعت اشتباكات بين الأهالي ومجموعة من البلطجية وقوات الشرطة بعد منعهم من مغادرة الجزيرة أو العودة إليها، في ما اعتبره السكان محاولة جديدة لفرض حصار كامل عليهم.
في ضوء هذه التطورات، تبدو أزمة الوراق أبعد ما تكون عن الحل. فالأهالي يصرّون على حقهم التاريخي في الأرض، ويعتبرون ما يحدث محاولة لانتزاع ملكيتهم بالقوة، بينما تصر الحكومة على المضي في مشروع «تطوير الجزيرة» الذي تقول إنه سيحوّلها إلى منطقة حضرية حديثة. وبين هذا وذاك، تستمر الاشتباكات، ويتواصل الاحتقان، في ظل غياب مسار تفاوضي حقيقي يمكن أن يضع حدًا لأزمة ممتدة منذ سنوات.