في القاهرة او الإسكندرية او حتى في الصعيد ومدن القناة والدلتا، أفضل وسيلة لسد جوعك ان تدخل لأقرب محل كشري الذي لن يكون البحث عنه صعبا لأنه منتشر بكثافة لا ينافسه فيها طعام آخر، وهو ليس مجرد وجبة طعام سريعة بل شاهد علي العشوائية التي نعيشها في ظل ظرف اقتصادي متردٍ، القمح من روسيا والزيت من أوكرانيا والأرجنتين وعدس من كندا وتركيا الوحيد البصل مزروع في حقول الصعيد والدلتا.
لا يزال صدي كلام الرئيس محمد مرسي يتردد على مسامع الجميع عندما أراد لهم تأمين طعامهم ودوائهم وسلاحهم، فكيف بنا نحن نبذل الجهد في تجميع طبق الكشري من أكثر من دولة وكأننا نقوم بتجميع مركبة فضاء، ما يدل دلالة واضحة على الفشل الذي نعيشه.
الوهن الاقتصادي
لقد طالته تداعيات الوهن الاقتصادي، الذي لم يرحم حال المصريين ولا غذائهم، ولا طبقهم الوطني المفضل، أسعار في ارتفاع لطبق صغير الحجم فقد تجانسه، لا أزال أذكر حين كانت العشرون جنيهًا كافية للحصول على علبة متوسطة الحجم، تسدّ الرمق، اليوم أقف أمام نفس البائع، لأدفع ستين جنيهًا مقابل علبة تضاءل حجمها، واختفى منها العدس، وكأن التضخم لم يأكل قيمة العملة فحسب، بل أكل معها مكونات الطبق.
الوجبة الغذائية التي ظننت أنها متوفرة ومُتاحة للجميع، تكاد اليوم تخلو من الأرز، أصبح الطبق يملؤوه نشا المكرونة منخفضة الجودة، مفتقدًا الحمص في الكثير من الأحيان، ما الذي حدث ويحدث لغذاء المصريين؟ ولماذا يملأ النشا فمي، مُزيحًا الطعم الذي اعتدتُ عليها؟
لمحة تاريخية
تعود الجذور طبق الكشري الي الهند حيث وصفه الرحالة ابن بطوطة في إحدى رحلاته، ولكنه في مصر مر بمراحل من التطوير والتمصير من إضافة صلصة الطماطم والبصل المقلي والدقة والمكرونة وطرق تقديمه.
كل مكون من مكونات هذا الطبق تروي فصلًا في قصة السيادة المسلوبة؛ قصة أرضٍ حُرمت يومًا من قمحها وبقولها مقابل الاستيراد الأرخص، لتجد نفسها بعد عقود تزرع الفراولة والبرتقال لتزيّن موائد الشمال العالمي، بينما تستجدي القمح والعدس من بورصاتهم ليُقيم أود أبنائها، إنه ليس مجرد نظام عالمي، بل هندسة اقتصادية حوّلت الكشري خاصتنا من منتج محلي، إلى رهينة لتقلبات الدولار وحروب الآخرين.
بين الأمن الغذائي والسيادة الغذائية
القصة ليست قصة وجبة طعام بل إنها صراع بين مفهومين غالبًا ما يتم الخلط بينهما الأول هو الامن الغذائي، وهو ما تركز عليه السياسات الرسمية، ويعني قدرة الدولة على توفير الغذاء لسكانها، سواء من الإنتاج المحلي أو عبر الاستيراد، وهو الأهم في الحالة المصرية، أما المفهوم الثاني، الأعمق والأكثر جذرية، فهو السياسة الغذائية، هذا المفهوم، الذي صاغته حركات الفلاحين الدولية، ولا يتعلّق فقط بتوفير الطعام، بل بـ حق الشعوب في غذاء صحي وملائم ثقافيًا، يُنتج بأساليب مستدامة وسليمة بيئيًا، وحقهم في تحديد نظمهم الغذائية والزراعية الخاصة.
لفهم أبعاد أزمة السيادة الغذائية في مصر، لا بد من تفكيك طبق الكشري إلى عناصره الأولية. فكل مكون ليس مجرد عنصر غذائي، بل هو مؤشر اقتصادي وسياسي يكشف عن مواطن القوة والضعف في السياسات الغذائية المصرية. هذا الطبق، الذي يبدو متجانسًا، يكشف كيف أن السعي وراء «الأمن الغذائي» القائم على الاستيراد قد أتى على حساب السيادة الغذائية الحقيقية.