أطباء التكلّيف.. الحبس بدل الحوار وتمهيد الخصخصة على حساب صحة المصريين

- ‎فيتقارير

قررت نيابة أمن الدولة العليا بنظام الانقلاب ،تجديد حبس أطباء التكليف لمدة 15 يوما على ذمة التحقيقات في القضية رقم 945 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، وفقا للجبهة المصرية لحقوق الإنسان.
المعتقلون الثلاثة هم طبيبا الأسنان محمد أسامة ومصطفى عرابي، بالإضافة إلى الصيدلي إيهاب سامح، والذين تم اعتقالهم قبل أكثر من 80 يوما، بسبب مطالبتهم بالإبقاء على نظام تكليف الأطباء اللي قررت وزارة الصحة تقليصه لخريجي دفعات 2023 إلى 40% من الخريجين من كليات طب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي بأثر رجعي، في تمييز غير دستوري بين الدفعات.
أطباء الأسنان زيهم زي باقي الأطباء من خلال التكليف الإلزامي لخريجي كليات الطب، لكن السيد الوزير قرر تقليصه لكي يكون بناءً على الاحتياج اللي هو شيء فضفاض جدا وبلا معايير حقيقية.
وفي مواجهة ذلك لجأ الأطباء الثلاثة بجانب آخرين للقضاء بالطعن على القرار، كذلك نشطوا نقابيا وفي داخل مجموعات مهنية للمطالبة بوقفه واقتراح بدائل له، لكن واجههم الأمن باعتقالهم في فبراير اللي فات، وحبسهم بالتهم الجاهزة "الانضمام لجماعة ونشر أخبار كاذبة".

 طالبت قوى سياسية مصرية ونقابية وحقوقية وشخصيات عامة على مدار حوالي 3 أشهر، بالإفراج عن أطباء التكليف المعتقلين، وتعديل نظام التكليف خصوصا في ظل تهديده بتعميق أزمة الصحة في مصر.
بل وكان فيه توقعات بأنه الأزمة قد تنتهي بعد انتهاء القضية المرفوعة أمام مجلس الدولة لإلغاء قرار الوزير بتقليص نظام التكليف، بل والبعض توقع أنه النهاية سوف تكون مع انتهاء انتخابات النقابة المرشح لها أحد المعتقلين وهو الدكتور محمد أسامة واللي بالفعل خسرها بفارق أصوات ضئيل واللي هي نتيجة واضحة للظلم الواقع عليه الذي منعه عن استحقاق انتخابي.
لكن الواضح أنه الأجهزة الأمنية مصرة على هذا الظلم، وواضح أنه ليس له سقف وكأن الاعتراض على قرار وزاري غير دستوري ثمنه تضييع مستقبل أطباء لسه في بداية حياتهم.
في طريق الخصخصة
بجانب عدم دستورية قرار وزير الصحة، فالقرار في حد ذاته يمثل مشكلة كبيرة، وهذا ببساطة، لأن القرار ظاهره هو سد عجز تخصصات العناية المركزة والطوارئ والتخدير وطب الأسرة مع محاولة سد العجز في المناطق الحدودية والطرفية الذين يتركزون في عواصم المحافظات والمراكز الكبرى على حساب تقليل الزيادة في الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي.
لكن الحقيقة من وراء هذا التعديل، هو المزيد من دعم خصخصة المستشفيات وتأجيرها للقطاع الخاص، وهذا ببساطة لأن المنظومة الجديدة لا تستطيع ان تعالج سوء التوزيع الجغرافي للأطباء في ظل انتشار الواسطة للحصول على تكليف أقرب لمحل إقامة الطبيب.
ولأن الهدف الفعلي هو تجهيز المستشفيات وتخفيف عمالتها لكي تقدمها متقشرة للقطاع الخاص، كوادر أقل وأطباء تكليف أقل وبالتالي مرتبات أقل، هذا بجانب فرصة لاستقدام أطباء من خارج مصر أقل جودة وبتكلفة أقل.
ولكي نفهم أهمية التكليف اللي بدأ في عهد الرئيس عبد الناصر سنة 1961 ومستمر لحد الآن فكان الطبيب أشبه بالمجند يتخرج، لكي يلتحق على الفور بالوحدات الصحية لتقديم الخدمات الصحية للمواطنين وفي نفس الوقت اكتساب الخبرة اللازمة لممارسة الطب.
والحقيقة النظام كان فيه عيوب مقابل مميزاته الكثيرة لكنها كانت مشاكل قابلة للحل زي ضعف خبرة الأطباء في الوحدات الصحية واللي كان فيه حلول كثيرة مقترحة مثلا يبدأ حياته العملية فترة التكليف كمساعد لكبار الأطباء في المستشفيات المركزية قبل ما يتولى الطبيب عمله بالوحدات الصحية.
لكن ما يحدث أن الحكومة لا تعمل على حل مشكلات النظام ولكن إلغاء مميزاته، وهذا ببساطة لأنه الدافع الأساسي هو تقليل النفقات في ظل نظام صحي يعاني من إنفاق ضعيف وكوادر تحارب وعجز شديد في كافة الكوادر الطبية بصفة عامة.
بالتالي الاتجاه لتقليص نظام التكليف في تخصصات الصيدلة والأسنان والعلاج الطبيعي، هو مقدمة واضحة وصريحة لفرض نفس النظام في باقي التخصصات بنفس الحجة تقريبا.
بمعنى أنه الوزارة بتفتح باب جديد لهجرة الأطباء أو اتجاههم للقطاع الخاص أو حتى البطالة، بينما يتم تجهيز المستشفيات بعمالة أقل وبالتبعية بخدمات أقل وإنفاق أقل للخصخصة، هذا التمهيد هدفه دفع أكبر عدد ممكن من المواطنين الذين يعتمدوا على الخدمات الصحية الحكومية للخروج منها بحثا عن خدمات صحية أفضل، وتهيئة الأرض تماما لنظام صحي مخصخص تماما، هذا يحصل بينما تقارير صحفية تؤكد انه من ديسمبر الماضي قامت الحكومة بتجهيز 40 مستشفى لطرحها على القطاع الخاص.
لذلك الإفراج عن الأطباء المحبوسين لحرصهم على حقهم وحقوق المواطنين في خدمات صحية أفضل ضرورة، ضرورة لإنهاء الظلم الواقع عليهم وضرورة لنقاش حقيقي حول أزمة التكليف بما يحمي منظومة صحية تعاني.