وسط ملاحقات رقابية ومقاطعة نقابية.. عائلة “مؤمنة كامل” تستعيد الأغلبية في معمل “البرج” و”المختبر”!

- ‎فيتقارير

شهدت الأوساط الاقتصادية والطبية الإقليمية تحولاً جوهرياً في قطاع الرعاية الصحية، إثر إعلان شركة "هينا هولدينغز المحدودة" (Hena Holdings)، المملوكة بالكامل لعائلة الدكتورة مؤمنة كامل وابنتها الدكتورة هند الشربيني، عن صفقة استحواذ كبرى نجحت من خلالها في استعادة السيطرة برفع حصتها إلى 49.62% في "شركة التشخيص المتكاملة" (IDH) المسجلة تنظيماً في دبي والمدرجة في بورصة لندن، وذلك بعد شراء حصة المستثمر الأجنبي "أكتيس".

وفي الوقت الذي يرى فيه محللون هذه الصفقة كنجاح مالي في استرداد الأصول العائلية وخروج رأس المال الأجنبي، تتوجه الأنظار في الداخل المصري إلى أزمة حادة تتعلق بمدى تأثير هذا التمركز التشغيلي على المريض، وسط اتهامات نقابية بوجود ممارسات احتكارية تستدعي تدخل الأجهزة الرقابية في عهد الإدارة الإماراتية.

 

الصفقة المالية وقانون الاستحواذ البريطاني

ونُفذت الصفقة عبر شراء 126 مليون سهم (تعادل 21.67%) بسعر نقدي بلغ 0.50 دولار أمريكي للسهم الواحد، وبقيمة إجمالية بلغت نحو 63 مليون دولار. وبإتمامها، قفزت حصة الإدارة المصرية (عائلة التأسيس) من 27.94% إلى 49.62%، بينما تظل النسبة المتبقية (50.38%) أسهم حرة متداولة في بورصتي لندن والقاهرة.

ونتيجة لتجاوز حصة "هينا هولدينغز" حاجز الـ 30%، ألزمتها المادة 9 من قانون الاستحواذ والاندماج البريطاني بتقديم عرض نقدي إلزامي لشراء بقية الأسهم المتداولة بالسوق بنفس السعر، وهو ما وصفته الشركة بأنه "امتثال قانوني فني" وليس قراراً استثمارياً جديداً للاستحواذ الكامل. ورغم أن الأصول والمعامل (مثل المختبر والبرج) تتركز في مصر، إلا أن الشركة مسجلة في مركز دبي المالي العالمي (DIFC) لأغراض التحسين الضريبي وتسهيل القيد الدولي.

ممارسات احتكارية ومقاطعة نقابية

على الجانب الآخر من هذا الصعود المالي، يواجه الكيان الطبي انتقادات حادة في السوق المصري حول سياسة التسعير. فقد فجّرت نقابات "الصحفيين، والمحامين، والمهندسين" خطوة تصعيدية في 2025 بإعلان إلغاء التعاقد مع ثلاث من كبريات سلاسل معامل التحاليل وهي: (المختبر، والبرج، وألفا)، وذلك بعد فشل مفاوضات طويلة للوصول إلى أسعار عادلة لشروط الخدمة لصالح أعضاء تلك النقابات.

وفي هذا السياق، كان نقيب الصحفيين، خالد البلشي، قد أشار إلى وجود ممارسات احتكارية واضحة في قطاع الخدمات الصحية، مؤكداً أن بعض السلاسل الطبية الكبرى تبيع الخدمة للمواطنين بأكثر من 5 إلى 10 أضعاف تكلفتها الحقيقية، وترفض أي تفاوض اجتماعي لتحسين الشروط، مما يؤسس لاستفرادها بالجمهور. وطالب البلشي بضرورة تأسيس جماعات ضغط وتفاوض مجتمعي للحفاظ على منافسة حقيقية تحمي حقوق المواطنين وتضع شروطاً عادلة للتنافس.

https://x.com/AlArabiyaBN_EG/status/2069427076130615404

 

التمدد التاريخي وسعر الفحوصات الطبية

وتُعزى هذه القدرة على التحكم في الأسعار إلى سلسلة الاستحواذات التاريخية التي بدأت عام 2008، عندما استحوذت شركة "أبراج كابيتال" (ومقرها دبي) على معامل البرج، ثم قامت في عام 2012 بدمجها مع معامل المختبر لتأسيس مجموعة (IDH). هذا الاندماج خلق كياناً عملاقاً يمتلك شبكة فروع ضخمة (حيث ضمت البرج والمختبر مئات الفروع الممتدة عبر المحافظات)، وتُجري المجموعة حالياً نحو 30 مليون اختبار سنوياً لـ 7 ملايين عميل، وتحصل على أكثر من 80% من إيراداتها السنوية من السوق المصري.

ويرى مراقبون وحقوقيون، من بينهم المركز المصري لحماية الحق في الدواء، أن هذا الحجم الضخم يمنح المستحوذ قدرة فائقة على التحكم -بدرجة ما- في أسعار الفحوصات الطبية في مصر، مما أدى لارتفاع الأسعار بشكل متناسق ومبالغ فيه دون وجود ضرورة اقتصادية موازية لتكلفة الخدمة.

الملاذات الضريبية

من الناحية الاقتصادية والقانونية، يُعتبر تأسيس الشركات القابضة في مراكز مالية أو مناطق ذات نظم ضريبية منخفضة أو مرنة (التي تُعرف أحياناً بالملاذات الضريبية أو المراكز المالية الخارجية) وسيلة متعارفاً عليها دولياً لتحقيق عدة أهداف إستراتيجية، وليس مجرد هروب.

تسعى الشركات بشكل قانوني لتخفيض نسبة الضرائب المفروضة على أرباح الأسهم، أو الأرباح الرأسمالية الناتجة عن عمليات البيع والاستحواذ الضخمة (مثل الصفقة الأخيرة)، وهو ما تتيحه التشريعات في مناطق مثل دبي أو جزر العذراء مقارنة بنسب الضرائب المرتفعة في دول أخرى.

كما أن بورصة لندن (LSE) تفرض شروطاً وحوكمة صارمة جداً؛ وتأسيس الشركة القابضة في مركز مالي عالمي مثل (DIFC) في دبي يُسهل تلبية هذه المتطلبات القانونية والتشريعية البريطانية (مثل الخضوع لقانون الاستحواذ والاندماج البريطاني)، نظراً لأن القوانين هناك مستمدة من القانون الإنجليزي العام.

تضمن هذه المراكز المالية سهولة تحويل العملات الأجنبية (مثل الدولار والإسترليني) دون قيود محلية على الصرف، مما يسهل توزيع أرباح الأسهم على المساهمين الأجانب والدوليين بمرونة كاملة.

وتوفر هذه الهياكل حماية قانونية متطورة للملكية العائلية أو الشراكات الدولية ضد أي تقلبات اقتصادية أو تشريعية محلية. لذلك، في عالم المال والأعمال، لا يوصف هذا الإجراء قانونياً بالهروب طالما يتم وفق الأطر التشريعية الرسمية، بل يُصنف كـ"هندسة مالية وقانونية" مشروعة لتعظيم قيمة الشركة وحماية استثماراتها الإقليمية.

 

هل إرجاع المعامل حماية المريض؟

ويشير الواقع الاقتصادي إلى أن تغير هوية الملاك لا يعني بالضرورة تغير السياسة التجارية، فالشركة، ورغم عودة حصة الأغلبية فيها لعائلة الدكتورة مؤمنة كامل، لا تزال تعمل تحت مظلة آليات السوق المفتوح والشركات المقيدة في البورصات العالمية المطالبة بتعظيم أرباح المساهمين. وبالتالي، فإن عودة السيطرة للإدارة المصرية قد تضمن استقرار الإشراف الطبي والجودة التشغيلية التاريخية للمعامل، لكنها لا تضمن انخفاض الأسعار طالما بقي الهيكل التشغيلي للمجموعة محتفظاً بوضعه المسيطر في السوق.

إلا أن الأزمة تضع جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية في مصر أمام مسئولية مباشرة للتحقيق في ممارسات هذه السلاسل. ويرى خبراء قانونيون أن رفع الأسعار بشكل متناسق وفوق تكلفة الخدمة بعدة أضعاف، قد يقع تحت طائلة المادة 6 من قانون منع الممارسات الاحتكارية، التي تحظر أي اتفاق أو تعاقد بين أشخاص متنافسين يؤدي إلى رفع أو خفض أو تثبيت أسعار البيع أو الشراء للمنتجات محل التعامل.

ويعتبر التغاضي عن مراجعة الحصة السوقية لهذه المجموعة بحجة وجود معامل صغيرة أخرى في السوق قد يمهد الطريق لفرض وضع احتكاري كامل، مما يستلزم تدخلاً رسمياً عاجلاً من الأجهزة الرقابية لضمان التزام الكيانات الطبية الكبرى بالقوانين، وحماية المواطنين من الارتفاعات العشوائية في أسعار الخدمات الحيوية المرتبطة بصحة الإنسان مع العلم أن 80% من الإيرادات السنوية للشركة القابضة مصدرها السوق المصري ومعدل الاختبارات السنوية يصل لنحو 30 مليون اختبار طبي وعدد العملاء المستهدفين 7 ملايين عميل سنوياً.

وقبل تنفيذ هذه الصفقة، كانت شركة "هينا هولدينغز" تمتلك بالفعل حصة تشغيلية وتأسيسية تقدر بنحو 162.45 مليون سهم في "التشخيص المتكاملة"، وهو ما كان يعادل 27.94% من رأس المال المصدر للمجموعة. وبموجب إتمام الشراء الجديد، قفزت الحصة الإجمالية لـ"هينا هولدينغز" (الممثلة للملاك وعائلة التأسيس) إلى 288.45 مليون سهم، لتصبح النسبة الإجمالية لسيطرتهم المباشرة تعادل نحو 49.62% من إجمالي رأس المال المصدر للشركة. في المقابل، تبقى النسبة المتبقية البالغة 50.38% عبارة عن أسهم حرة متداولة لمستثمرين ومؤسسات مختلفة في بورصتي لندن والقاهرة.

وأوضح البيان الصادر عن الشركة أن تقديم هذا العرض الشامل لا يأتي انعكاساً لقرار استثماري جديد أو رغبة فورية في الاستحواذ الكامل، بقدر ما هو امتثال صارم للالتزامات والحدود القانونية التي فرضها التشريع البريطاني المنظم للشركات المدرجة في بورصة لندن عقب تجاوز النسب المقررة.

يثير الهيكل القانوني للمجموعة اهتمام المراقبين؛ فرغم أن الأصول التشغيلية والمستشفيات والمعامل الطبية (مثل معامل المختبر والبرج) تتركز إدارياً وتشغيلياً في مصر وأسواق إقليمية كالأردن والسودان ونيجيريا والسعودية، إلا أن شركة "التشخيص المتكاملة" (IDH) ككيان قابض تأسست وسُجلت كشركة مساهمة عامة في مركز دبي المالي العالمي (DIFC) في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وهذا الكيان الإماراتي يتخذ من دبي مقراً تنظيمياً رئيسياً له للاستفادة من الهياكل التشريعية المرنة والحوكمة العالمية المتوافقة مع القوانين الإنجليزية، وهو السبب المباشر وراء خضوع الصفقة لقواعد بورصة لندن وقانون الاستحواذ البريطاني الصارم. وبذلك، تعتبر IDH قانونياً شركة إماراتية-إقليمية بهوية وإدارة تشغيلية مصرية واستثمار دولي مشترك.

وبدأ دخول رأس المال الإماراتي بشكل مباشر في هذا القطاع عام 2008، عندما قامت شركة "أبراج كابيتال" الإماراتية (وهي شركة إدارة ملكية خاصة كان مقرها دبي) بالاستحواذ على حصة حاكمة بلغت نحو 76.8% من أسهم معامل البرج، وتم شطب أسهم المعامل من البورصة المصرية لاحقاً في عام 2010 لتوسيع التواجد الإقليمي.

المحطة الأهم التي شملت معامل الدكتورة مؤمنة كامل (معامل المختبر) حدثت في أغسطس 2012؛ حيث اتفقت إدارة "معامل المختبر" (بقيادة الدكتورة مؤمنة كامل وابنتها الدكتورة هند الشربيني) مع مجموعة "أبراج كابيتال" الإماراتية على دمج معامل البرج والمختبر معاً.

هذا الاندماج أسفر عن تأسيس كيان عملاق جديد يضم السلسلتين تحت اسم شركة التشخيص المتكاملة القابضة (IDH)، وتم تأسيس وتسجيل هذه الشركة القابضة قانونياً في مركز دبي المالي العالمي (DIFC) بدولة الإمارات العربية المتحدة. بقيت الإدارة التنفيذية والطبية تحت إشراف الدكتورة هند الشربيني، بينما دخلت الصناديق الإماراتية والدولية (مثل أكتيس لاحقاً) كشركاء ماليين في الشركة المسجلة في دبي، قبل أن يتم إدراج المجموعة في بورصة لندن عام 2015 وبورصة مصر عام 2021.