في الوقت الذي انشغلت فيه الشاشات والمنصات الرسمية بالاحتفال بذكرى "ثورة 30 يونيو"، كانت قرية "أبو تيج" بمحافظة أسيوط تشيع جثامين 9 من أطفالها (6 فتيات و3 أولاد)، أصغرهم الطفلة ندى (10 سنوات) وأكبرهم رحمة (17 سنة)، لم يكن هؤلاء الأطفال ينعمون بإجازة رسمية، بل كانوا مكدسين داخل صندوق معدني لمركبة "تروسيكل" غير مخصصة لنقل الركاب، في طريق عودتهم من يوم شاق في المزارع مقابل أجر لا يتعدى 100 جنيه (3 أطباق كشري حجم متوسط)، قبل أن تنحرف المركبة وتسقط في ترعة نجع حمادي الغربية، لتتحول لقمة العيش إلى فاجعة غرق جماعي.
تسعة من طيور الجنة يودعون عالمنا
حادث أليم تمثل في انقلاب "تروسيكل" بترعة نجع حمادي، أثناء توجه 9 أطفال بملء إرادتهم وكفاحهم للعمل في الأراضي الزراعية، متحملين مسؤولية أكبر من أعمارهم لمساعدة أسرهم وتوفير قوت يومهم الحلال، وقد وصلت جثامينهم الطاهرة إلى مستشفى أبو تيج النموذجي تمهيداً لتشييعهم إلى مثواهم الأخير.
أحلام مصطفى حمدالله (14 سنة)
آية
محمود سيد محمد (17 سنة)
رحمة سيد عبدالرحمن (17 سنة)
ندى حمادة سيد عبدالرحيم (10 سنوات)
يوسف محمود عبود فرغلي (12 سنة)
حامد زين محمد عبدالعليم (17 سنة)
خديجة رجب هاشم فرغلي (15 سنة)
إبراهيم على أحمد عبدالعليم (13 سنة)
رحمة محسن فتحي هاشم (16 سنة)
يقول رضوان عبدالفتاح (Radwan Abdel-Fattah) : ما أثقلَ الفقرَ حينَ يدفعُ الأطفالَ إلى الطرقات، وما أقسى الفاجعةَ حينَ يعودونَ أكفانًا بدلَ الأحلام".
ويضيف: "عندنا في مصر الفقر يتوراث وابن الممثل يبقي ممثل وابن الوزير يبقي عميد وهكذا… اطفال لا يتعدى عمرهم الـ ١٠ سنوات يسعون إلى لقمة العيش يومية بـ ١٠٠ج ومن المفترض أن يكونوا يستمتعون بالحياة واللعب واللهو والملاهي والخروجات مع اصدقائهم الصغار، ولكن أنت في مصر إزاي دا يحصل رغم أنه الطبيعي ".
وتساءل: "توفوا 9 أطفال من أصل 16 طفلا تقريباً 9 أطفال ملهمش ذنب يموتوا بالشكل ولا ليهم ذنب حتى أنهم يلاقوا نفسهم في مجتمع مليء بالفساد ومليء بالظلم بالشكل دا، رحمة الله عليهم
https://www.facebook.com/radwanelprincel/posts/pfbid0iUGrwV5WcCkYTyUsieo1vGAjg5i476CM6enrUUqYDBcB88c467N8bN7op9FkLD1Pl
وفاجعة أسيوط هي حلقة جديدة في سلسلة مآسي مفتوحة تمتد عبر محافظات مصر، حيث تتشابه التفاصيل والضحايا دائمًا ففي حادث الدائري الإقليمي بالمنوفية (يونيو 2025) فاجعة راح ضحيتها 18 فتاة من العاملات بالزراعة باليومية إثر تصادم سيارة ربع نقل كانت تقلهن.
وفي حادث طريق الجيزة الإقليمي أسفر عن وفاة 12 عاملًا وعاملة (بينهم 5 أطفال) أثناء عودتهم من موسم جمع محصول الطماطم.
وفي فاجعة "بنات غيط العنب" و"الغرانيق" حوادث غرق وتصادم مروعة لسيارات ربع نقل ومعديات نهرية كانت تنقل فتيات بعمر الزهور (عاملات التراحيل بالزراعة والمصانع)، واللواتي يخرجن في الفجر بحثًا عن بضع جنيهات لسد رمق عائلاتهن، لينتهي بهن المطاف ضحايا للإهمال الهندسي للطرق وغياب الرقابة المرورية.
أرقام صادمة ونموذج متكرر
مأساة أسيوط ليست حدثًا عارضًا، بل هي قمة جبل الجليد لظاهرة متجذرة ترتبط بالوضع الاقتصادي وغياب الحماية الاجتماعية حيث يعمل في مصر نحو 1.3 مليون طفل لساعات تتجاوز الحد المسموح به قانونيًا أو في ظروف خطرة، وهو ما يمثل 5% من إجمالي الأطفال.
و70% من هؤلاء الأطفال (نحو 900 ألف طفل) يعملون في بيئات عمل تصنف بأنها خطرة (حمل أحقال ثقيلة، استخدام أدوات حادة، التعامل مع مبيدات، أو التعرض لطقس متطرف).
أما 36% من الأطفال العاملين تنحصر أعمارهم بين (5 إلى 11 عامًا). ويُعد أطفال ريف الصعيد الأكثر عرضة للظاهرة بنسبة 8%، وهي ضعف النسبة المسجلة في الحضر.
وترتفع النسبة إلى 10% بين الأطفال الذين يعيشون في أسر فقيرة، وإلى 13% بين الأطفال الأيتام (فقدوا الأم)، مما يؤكد أن العوز الاقتصادي هو الدافع الأول لحرمان الأطفال من التعليم ودفعهم إلى سوق العمل الشاق كآلية للبقاء.
سيارات النصف نقل
وتتكرر الفواجع نتيجة غياب وسائل النقل الآمنة والمنتظمة التي تربط القرى بالمزارع والمناطق الصناعية، مما يجبر العمال والأطفال على استقلال وسائل نقل غير آدمية.
وتقول الطفلة منة (13 عامًا، عاملة بمزارع العنب بالمنيا): "باحط إيدي على قلبي كل يوم وإحنا خارجين لحد ما نرجع.. العربية مليانة ناس فوق بعض وباموت من الخوف كل ما أسمع عن حادثة لعمال تانيين".
وفقًا لتقرير مؤسسة المرأة الجديدة ("أرواح في الهامش")، رُصد 25 حادثًا خلال أقل من 4 أشهر فقط من عام 2025، أسفرت عن وفاة 44 شخصًا (بينهم 12 طفلًا) وإصابة 305 آخرين (ربعهم أطفال). تتركز هذه الحوادث بنسبة 40% في الصعيد و36% في الدلتا.
ما وراء الخطأ البشري
وتكتفي الجهات التنفيذية عقب كل حادث بمحاسبة السائق (الذي يكون غالبًا ضحية بدوره أو مفقودًا كما في حادث أسيوط)، أو بإصدار قرارات موضعية مثل "تركيب حواجز خرسانية للترعة" كما فعل محافظ أسيوط، إلا أن جذور المشكلة أعمق وتتداخل فيها عدة جهات:
وغياب الرقابة الصارمة على تفتيش المزارع والورش (مثل حالة الطفل "عبد الله" الذي تعرض للتعذيب في ورشة سيارات بأشمون بعد اتهامه بالسرقة)، والسكوت عن تشغيل الأطفال دون السن القانوني وفي ظروف غير لائقة.
وتركيز المليارات على الطرق السريعة والمشروعات الكبرى، في مقابل إهمال الطرق الريفية والترابية وطرق الصعيد والدلتا التي يسلكها الفقراء يوميًا.
كما أن غياب برامج الحماية الاجتماعية الحقيقية والدعم النقدي الكافي الذي يحمي الأسر تحت خط الفقر من التضحية بسلامة وتعليم أطفالها إضافة لعدم إلزام قانون العمل لأصحاب الأراضي والجمعيات الزراعية بتوفير وسائل نقل آمنة وآدمية للعاملين لديهم.
https://x.com/SaheehMasr/status/2072728053654966663