تتزايد في "الكيان الصهيونى" خلال الفترة الأخيرة المخاوف من تراجع قدرتها على التأثير في قرارات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع سلسلة من التطورات المتعلقة بدول المنطقة، ترى تل أبيب أنها تجاوزت حساباتها ومخاوفها الأمنية.
ويبرز في هذا السياق ثلاثة ملفات رئيسية تتابعها الأوساط الإسرائيلية بقلق؛ أولها المفاوضات الأمريكية السعودية بشأن اتفاق نووي مدني، وثانيها احتمال عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات إف-35، وثالثها مسار المحادثات بين واشنطن وطهران، وسط مخاوف إسرائيلية من أن تنتهي باتفاق لا يلبي جميع شروطها.
وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إن "إسرائيل" تتابع بقلق المحادثات بين إدارة ترامب والرياض بشأن تعزيز التعاون النووي المدني، خصوصاً بعدما لم يعد الاتفاق مشروطاً بإقامة علاقات تطبيع بين السعودية ودولة الاحتلال، بخلاف النهج الذي اتبعته إدارة الرئيس السابق جو بايدن.
ونقل محرر الشؤون السياسية في الصحيفة إيتمار آيخنر أن هذا التطور يمثل، من وجهة نظر مسؤولين إسرائيليين، "صفعة لإسرائيل"، لأنه يعكس أن البيت الأبيض لم يعد يضع المخاوف الإسرائيلية في مقدمة حساباته كما كان سابقاً.
وأضاف أن مسؤولين إسرائيليين أقروا في نقاشات مغلقة بأن التطور "سلبي"، رغم عدم صدور موقف رسمي علني من حكومة الاحتلال.
وبحسب آيخنر، فإن إلغاء شرط التطبيع السعودي الإسرائيلي يقلل من قدرة تل أبيب على استخدام الملف السعودي كورقة ضغط، ويعكس "تآكلاً إضافياً" في موقعها أمام إدارة ترامب، خصوصاً أن ذلك يأتي ضمن سلسلة خطوات أميركية أخرى تثير تحفظات إسرائيلية.
السعودية.. اتفاق نووي بلا تطبيع
يشكل الملف النووي السعودي أحد أبرز مصادر القلق الإسرائيلي، إذ كانت تل أبيب تنظر خلال السنوات الماضية إلى التعاون النووي بين واشنطن والرياض باعتباره جزءاً من صفقة أوسع تشمل تطبيع العلاقات.
لكن المسار الحالي، وفق "يديعوت أحرونوت"، يشير إلى إمكانية فصل الاتفاق النووي المدني عن ملف العلاقات السعودية الإسرائيلية، وهو ما تعتبره شخصيات إسرائيلية تراجعاً في النفوذ.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي مطلع قوله إن إسرائيل تواجه "تطورات سيئة لأنها تقلل من النفوذ في واشنطن"، لكنه أضاف أن الاتفاق قد يحمل بعض الفوائد، خصوصاً إذا كانت الولايات المتحدة هي التي ستشارك في بناء المنشآت النووية السعودية، بما يسمح برقابة أكبر على تشغيلها.
وأضاف المسؤول أن التطبيع مع الرياض يبقى مرتبطاً بظروف إقليمية أوسع، قائلاً إن "بدون استقرار إقليمي وهدوء في المنطقة، بما في ذلك أي تحرك ضد الفلسطينيين، لا توجد فرصة للتطبيع".
كما أشار إلى أن إدارة ترامب تريد دفع الاتفاق إلى الأمام لأسباب تتعلق بمصالحها الإقليمية، وخصوصاً تعزيز موقع الولايات المتحدة في مواجهة القوى المنافسة.
إف-35 لتركيا
ولا يقتصر القلق الإسرائيلي على السعودية، إذ تشير الصحيفة إلى أن احتمال عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات إف-35 يمثل ملفاً آخر ترى فيه تل أبيب تطوراً غير مريح.
وكانت الولايات المتحدة قد أخرجت تركيا من برنامج الطائرة الشبحية عام 2019 بعد حصولها على منظومة الدفاع الروسية "إس-400"، لكن المباحثات خلال الفترة الأخيرة بشأن إعادة ترتيب العلاقات بين واشنطن وأنقرة أعادت الملف إلى الواجهة.
وترى دوائر إسرائيلية أن حصول تركيا على قدرات جوية متقدمة يعيد تشكيل التوازنات العسكرية في المنطقة، خصوصاً في ظل التوترات السابقة بين أنقرة وتل أبيب.
اتفاق لا يشمل "الخطوط الحمراء"
أما الملف الثالث فيتعلق بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، حيث تخشى إسرائيل من أن تتوصل إدارة ترامب إلى تفاهم مع طهران لا يتضمن جميع القضايا التي تعتبرها تهديداً مباشراً لأمنها.
وبحسب الصحيفة، فإن من بين القضايا التي ترى إسرائيل ضرورة إدراجها:
البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني.
الدعم الإيراني لحلفائها في المنطقة.
وترى شخصيات إسرائيلية أن استعداد واشنطن للتوصل إلى اتفاق يركز على الملف النووي فقط قد يشكل تراجعاً عن الموقف الإسرائيلي التقليدي الذي يدعو إلى معالجة مجمل القدرات الإيرانية.
انتقادات داخل إسرائيل لنتنياهو
ونقلت الصحيفة مواقف معارضة من شخصيات أمنية إسرائيلية، بينها يعقوب ناجال، الرئيس السابق لهيئة الأمن القومي، الذي رفض السماح للسعودية بتخصيب اليورانيوم على أراضيها.
وقال ناجال إن أي قدرة تخصيب سعودية مستقلة تمثل "خطأ"، مضيفاً أنه لا يعارض بناء مفاعلات لإنتاج الكهرباء، لكنه يرفض امتلاك الرياض دورة وقود نووي مستقلة.
كما اعتبر السفير الإسرائيلي السابق وخبير الانتشار النووي جيريمي إيسخاروف أن التطورات الحالية تعكس "تراجع نفوذ إسرائيل في واشنطن"، محملاً رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مسؤولية فقدان جزء من قدرة تل أبيب على التأثير في السياسة الأمريكية.
وقال إن دفع اتفاق نووي سعودي دون اشتراط التطبيع مع إسرائيل يمثل "ضربة قاسية" لها.
ترامب و"أمريكا أولاً"
وتخلص "يديعوت أحرونوت" إلى أن سلسلة التطورات الأخيرة تعكس تحولاً في أولويات إدارة ترامب، التي تركز على المصالح الأميركية المباشرة، حتى لو تعارضت أحياناً مع الحسابات الإسرائيلية.
وبينما ترى تل أبيب أن بعض هذه الخطوات تمثل تجاوزاً لما كان يُعرف بالقدرة الإسرائيلية على التأثير في واشنطن، فإن الإدارة الأميركية تبدو أكثر استعداداً للفصل بين مصالحها الإقليمية وبين المطالب الإسرائيلية، سواء في الملف السعودي أو التركي أو الإيراني.
وبذلك تجد إسرائيل نفسها أمام اختبار جديد لعلاقتها التاريخية مع واشنطن: هل تبقى قادرة على التأثير في القرارات الأميركية الكبرى في المنطقة، أم أن مرحلة جديدة بدأت تتقدم فيها حسابات البيت الأبيض على "الفيتو" الإسرائيلي؟