مستغلة اليمن وعبر سنتكوم .. ضغوط واشنطن وتل أبيب وأبوظبي بوابة لدفع السعودية نحو التطبيع

- ‎فيعربي ودولي

تزامنت خلال الأيام الأخيرة ثلاثة مسارات تستحق القراءة معاً: تصاعد الضغط الحوثي على السعودية والملاحة في البحر الأحمر، طلب سعودي معلن في تقارير صحفية للمساعدة العسكرية الأميركية، ثم ظهور تقارير صهيونية عن اتصالات أمنية بين الرياض والكيان عبر القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، وفي الخلفية يتحرك المسار السياسي الأميركي لإدخال السعودية في اتفاقيات أبراهام، بينما تظهر في الخطاب الإعلامي الإماراتي أصوات تدعو صراحة إلى أن يصبح التطبيع السعودي الصهيوني جزءاً من إعادة ترتيب الأمن الإقليمي.

 

 المؤكد حتى الآن أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان طلب مساعدة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مواجهة الحوثيين، وأن واشنطن لم توافق على تنفيذ ضربات أميركية مباشرة، لكنها عرضت تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف، ونقلت رويترز أن قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر توجه إلى السعودية لإجراء مباحثات استبقت مؤتمر ميونخ الذي جمع رئيس أركان جيش الاحتلال زامير بقادة 7  جيوش عربية.

 

 وهذه النقطة مهمة لأنها تضع أساساً واقعياً للنقاش: هناك بالفعل فجوة بين ما تريده الرياض من واشنطن وبين مستوى التدخل العسكري الأميركي الذي تقبله إدارة ترامب حالياً، أما الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول "إن واشنطن تستخدم الحرب لإجبار السعودية على التطبيع".

الاتصالات السعودية الصهيونية

 في 15 سبتمبر ظهرت تقارير صهيونية متزامنة تتحدث عن اتصالات بين السعودية والكيان بوساطة القيادة المركزية الأميركية، وعن طلب سعودي غير مباشر للحصول على مساعدة استخباراتية في مواجهة الحوثيين وحماية باب المندب. صحيفة "إسرائيل هيوم" قالت إن الطلب السعودي وصل إلى تل ابيب بصورة غير مباشرة عبر سنتكوم، بينما نقلت جيروزاليم بوست عن دبلوماسي إقليمي أن محادثات جرت بالفعل بوساطة القيادة المركزية الأميركية. 

 لكن هذه النقطة يجب ضبطها بدقة، فالمصادر المتاحة تتحدث عن تقارير ومصادر دبلوماسية وأمنية غير مسماة، ولم يصدر حتى الآن إعلان سعودي أو إسرائيلي أو أميركي يثبت قيام علاقة أمنية معلنة أو اتفاق تطبيع. كما أن تقريراً من «المونيتور» نقل عن مصدر استخباراتي إسرائيلي أن المؤسسة الأمنية الصهيونية نفسها تعارض الانخراط في هجوم استباقي على الحوثيين، وهو ما يعكس أن داخل إسرائيل أيضاً حسابات مختلفة بشأن حجم الانخراط.

 

 ومن هنا يمكن القول إن الاتصالات، إذا تأكدت، تمثل تعاوناً أمنياً وظيفياً في ملف محدد، لكنها لا تساوي تلقائياً تطبيعاً سياسياً.

المقترح الإبراهيمي من أبو ظبي

الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبدالله، مستشار سياسي لمحمد بن زايد، ظهر خطابه في الأيام الأخيرة ضمن سجال أوسع حول وضع التحالفات السعودية.

 

 وفي تغريدة نشرها في 14 سبتمبر، قال، بحسب ما نقلته مصادر صحفية: "التحالف العربي انتهى مفعوله، تحالف البحر الأحمر ولد ليموت، حلف مكة فص ملح ذاب عندما أزفت ساعة الحقيقة، مجلس التعاون الخليجي أخفق في تفعيل الدفاع الخليجي المشترك خلال العدوان الإيراني، التحالف مع أمريكا لا يعول عليه، محور الاعتدال العربي اختفى. ما العمل؟".

 

 وهذه التغريدة لا تدعو في نصها صراحة إلى التطبيع، لكنها تكتسب أهمية عندما توضع بجانب الخطاب الإقليمي المتزامن الذي يقدم إسرائيل باعتبارها مصدراً محتملاً لقدرات استخباراتية ودفاعية تحتاجها السعودية.

 

 والأهم أن عبد الله دخل في سجال مباشر مع الباحث الأميركي من أصل مصري مأمون فندي حول أمن السعودية، حيث رد عبد الله على فندي داعياً الرياض إلى مراجعة سياساتها وعلاقاتها مع دول الخليج الأقرب إليها بدلاً من الاندفاع نحو تحالفات لا تؤخذ على محمل الجد في إشارة إلى تحالف مكة.

 

 وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزال موقف عبد الله الحالي في الدعوة إلى التطبيع وحدها؛ فقد نقلت عنه واشنطن بوست في يوليو 2026 تصريحات أكثر تعقيداً بشأن اتفاقيات أبراهام، إذ قال "إن إسرائيل جعلت الاتفاقيات صعبة؛ بسبب سياسات نتنياهو"، لكنه أشار في المقابل إلى أهمية المساعدة الصهيونية للإمارات في الدفاع الجوي خلال الحرب.

والخطاب الإماراتي المؤيد للتطبيع لا يظهر فقط في دعوة صريحة واحدة، وإنما في بناء سردية تقول إن شبكة التحالفات التقليدية غير كافية، وإن الترتيبات الأمنية الجديدة يجب أن تتجاوزها.

الأزمة اليمنية والحاجة للتطبيع

 

 أكثر المواقف وضوحاً في هذا الاتجاه جاء من الإعلامي اللبناني المقيم في الإمارات نديم قطيش، في تغريدة/مقال على منصة إكس بتاريخ 16 سبتمبر 2026، بعنوان:

"التطبيع السعودي الصهيوني هو الطريق الوحيد للمضي قدماً" وكأنه ينصح السعودية (التي يكن لها بن زايد كل الشر) ويذهب قطيش إلى أن التطبيع سيؤدي، بحسب طرحه، إلى خلق بيئة أفضل للاستقرار والردع الإقليميين وتأسيس بنية أمنية إقليمية، ويربط ذلك مباشرة بالأزمة الحالية مع الحوثيين وإيران.

 

 ثم يبني حجته على أن السعودية كانت قبل 7 أكتوبر 2023 على وشك عقد صفقة سعودية ـ أميركية كبرى وتطبيع علني مع إسرائيل، وأن الحرب عطلت ذلك المسار، وبعد ذلك ينتقل إلى القول "إن السعودية تتعرض اليوم لهجمات حوثية وهجمات من فصائل عراقية، وإن هذا يجعل بناء منظومة أمنية عربية ـ صهيونية أمراً ضرورياً من وجهة نظره".

 

 الأكثر دلالة في طرح قطيش أنه لا يكتفي بالدعوة إلى التطبيع، بل يقترح مضمونه الأمني: دمج منظومات الإنذار المبكر والاعتراض الصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وبناء استراتيجية عربية صهيونية لمواجهة إيران ووكلائها، ثم قيادة السردية السياسية والأمنية للمنطقة.

 

 وبالتالي فإن طرحه لا يقدم التطبيع باعتباره ملفاً دبلوماسياً منفصلاً، بل باعتباره جزءاً من حل أمني إقليمي.

 

التقارير الصهيونية تتحدث عن قناة أمنية محتملة عبر سنتكوم، بينما قطيش يدعو علناً إلى تحويل هذا النوع من التعاون إلى مسار تطبيع متكامل. الفرق بين الأمرين كبير، ولا يصح دمجهما كأن أحدهما يثبت الآخر.

 

وهنا تظهر أهمية أبوظبي في قراءة المشهد، ليس من خلال دليل علني يثبت أنها أمرت واشنطن أو إسرائيل بالضغط على الرياض، فهذا غير مثبت، وإنما من خلال كون الإمارات دولة سبقت السعودية في إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل ضمن اتفاقيات أبراهام، وأصبحت جزءاً من ترتيبات أمنية إقليمية تتداخل فيها الولايات المتحدة والكيان ودول عربية.

وانتقال الخطاب من اتفاقيات "أبراهام" الإماراتية إلى طرحها باعتبارها نموذجاً مطلوباً للسعودية يستحق المتابعة.

 

 كما أن وجود الإمارات ومصر والسعودية والكيان والولايات المتحدة ضمن مسارات أمنية إقليمية متداخلة أصبح أكثر وضوحاً خلال الأزمة الحالية. فقد أفادت "أكسيوس" في 15 سبتمبر بأن رؤساء أركان من الولايات المتحدة والكيان وثماني دول عربية، بينها السعودية والإمارات ومصر، شاركوا في اجتماع سري في ألمانيا نظمه قائد سنتكوم لمناقشة الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية.

 

وتعني هذه التسريبات  أن التنسيق الأمني العربي ـ الأميركي ـ الصهيوني أصبح واقعاً في بعض مستوياته، حتى لو لم يكن ذلك دليلاً على اتفاق تطبيع سعودي إسرائيلي.

 

  القاهرة ترى المشهد من زاوية مختلفة

السفير عبدالرحيم شلبي، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، له مقال نشر في "المصري اليوم" بعنوان: "مصر واليمن.. بين سلاسة العلاقة الثنائية وتعقيد الأوضاع الإقليمية".

المقال مهم لأنه يأتي من سياق مصري رسمي ـ دبلوماسي سابق، وليس من الخطاب الصهيوني أو الإماراتي، ويتناول الوضع اليمني من زاوية الأمن الإقليمي، ويرصد تحركات الرياض واتصالاتها بطهران وإسلام آباد وأنقرة ومسقط والقاهرة، ويشير إلى أن أزمة اليمن أصبحت مرتبطة مباشرة بأمن السعودية والبحر الأحمر وباب المندب.

وتظهر نقطة لافتة تتعلق بأبوظبي: غياب اتصال مماثل مع الإمارات عن دائرة الاتصالات التي أجرتها الرياض في الأزمة الحالية، ويقدم الكاتب ذلك باعتباره مؤشراً على مستوى الفتور السعودي الإماراتي.

ويربط المقال بين تداول عبدالخالق عبدالله لعرض "إسرائيلي" يتعلق بدعم السعودية في مواجهة الحوثيين وبين محاولة استثمار لحظة الانكشاف الأمني السعودي.

والقاهرة لها مصلحة مباشرة في عدم تحول البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحة صراع مفتوح، نظراً لارتباط ذلك بأمن الملاحة وقناة السويس.

ولهذا فإن التحرك السعودي باتجاه القاهرة في هذه اللحظة لا ينبغي قراءته فقط باعتباره تحركاً دبلوماسياً عادياً. فمصر تقع في موقع جغرافي واستراتيجي يجعل أمن البحر الأحمر واليمن والملاحة الدولية جزءاً من أمنها القومي المباشر.

وتظهر تقارير تحليلية أن ولي العهد السعودي بحث مع المسؤولين المصريين التعاون الأمني وحرية الملاحة في البحر الأحمر خلال زيارته للقاهرة في 15 سبتمبر.

وبالتالي، فإن مصر حاضرة في المشهد بوصفها طرفاً عربياً كبيراً لا يمكن تجاهله في أي هندسة جديدة لأمن البحر الأحمر، حتى لو اختلف تصور القاهرة عن التصور الصهيوني أو الإماراتي لطبيعة الحل.

اجتماع القاهرة

 في المقابل، انتشرت رواية شديدة الخطورة تزعم أن أخطر اجتماع سياسي في القاهرة انتهى إلى موافقة محمد بن سلمان رسمياً على إقامة علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل" والانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، وأنه أبلغ الرئيس الفلسطيني محمود عباس وقادة فصائل فلسطينية بأنه لم يعد يستطيع الالتزام بحل الدولتين، بل وتذهب الرواية أبعد من ذلك بالقول "إن السعودية ستعترف بالدولة الصهيونية الجديدة من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط،  وستتخلى عن دعم العاهل الأردني عبدالله الثاني".

الرواية تتضمن مجموعة من الادعاءات الكبيرة جداً: موافقة رسمية على التطبيع، التخلي عن حل الدولتين، اعتراف بحدود صهيونية جديدة، والتخلي عن الأردن، وكل ادعاء من هذه الادعاءات يحتاج إلى مصدر رسمي أو أكثر من مصدر مستقل قبل تحويله إلى خبر.

ولكن ظهورها في هذا التوقيت له قيمة تحليلية بحد ذاته؛ فهو يكشف نوع السردية التي يجري دفعها في الفضاء الرقمي: الأزمة الأمنية السعودية، اجتماع القاهرة، التطبيع، ثم إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة في حزمة واحدة.

المؤكد أن واشنطن لا تزال تريد انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام، كما أن ترامب جعل التطبيع السعودي الصهيوني جزءاً من التصور الأميركي الأوسع للعلاقات الإقليمية.

والمؤكد أيضاً أن الرياض طلبت مساعدة عسكرية أميركية في مواجهة الحوثيين، بينما رفضت واشنطن في الوقت الحالي تنفيذ ضربات مباشرة، وقدمت بدلاً من ذلك دعماً استخباراتياً ومساعدة في تحديد الأهداف.

تقارير صحفية أخرى تشير إلى أن واشنطن نفسها تتحدث مع الحوثيين عبر عُمان في محاولة لمنع اتساع الحرب، وقد ذكرت رويترز أن مسؤولين أميركيين التقوا ممثلين للحوثيين في مسقط خلال عطلة نهاية الأسبوع.

 

 أي أن السياسة الأميركية الحالية تبدو مزدوجة: دعم السعودية استخباراتياً، مع محاولة إبقاء باب التفاوض مع الحوثيين مفتوحاً في الوقت نفسه.

 

اليمن هو العقدة

التطور الأخطر في الميدان أن الحوثيين حققوا تقدماً على الساحل الغربي لليمن، فيما تصاعدت الهجمات المتبادلة مع السعودية، وذكرت رويترز اليوم أن القتال تصاعد، مع غارات سعودية وهجمات حوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وأن المعارك تهدد الملاحة في باب المندب وتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن.  Reuters

وتشير تقارير أخرى إلى أن التقدم الحوثي أدى إلى إضعاف القوات المدعومة سعودياً وخلق أزمة في بنية التحالف المناهض للحوثيين.  Financial Times

وهنا تحديداً يصبح اليمن نقطة التقاء المصالح الأميركية والصهيونية والسعودية والإماراتية والمصرية.

فالسعودية تريد منع تهديد مباشر لأراضيها ومنشآتها، ومصر تريد حماية البحر الأحمر وقناة السويس، والإمارات لديها حساباتها الخاصة المشتركة فيها مع الكيان في جنوب اليمن والبحر الأحمر، والكيان معنية بحرية الملاحة وبالتهديد الحوثي، بينما تريد واشنطن منع تحول البحر الأحمر إلى جبهة إضافية تستنزفها.

 

الموقف السعودي المعلن

في مقابل ذلك، ينبغي ألا يُغفل الموقف السعودي المعلن بشأن فلسطين، فالسعودية ربطت في السنوات الأخيرة إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يجعل الانتقال من التعاون الأمني المحدود إلى التطبيع السياسي الكامل مسألة مختلفة جذرياً.

وبذلك يمكن فهم الخلاف الحقيقي على أنه ليس فقط حول "هل تتعاون السعودية مع إسرائيل أم لا؟"، وإنما حول هل يكون التعاون الأمني مقدمة لتطبيع سياسي، أم يبقى تعاوناً محدوداً تفرضه ضرورات مواجهة الحوثيين من دون تغيير الموقف السعودي من الدولة الفلسطينية؟