فشل نظام المنقلب عبد الفتاح السيسي في حكم مصر فشلا ذريعا، مع بداية الانقلاب علي الرئيس الشهيد محمد مرسي أغلق المجال العام وفتح السجون والمعتقلات لأي معترض، وورط الدولة في قروض غير ضرورية راكمت فوائد تفوق اجمالي الدخل القومي، ولسداد هذه الفوائد أخذ في بيع الشركات والمصانع والأراضي والسواحل والشواطئ والمنتجعات، وأخيرا أصحاب الأملاك الجدد يرغبون في الاستفادة القصوى من املاكهم الجديدة بفرض رسوم واتاوات على قاطني هذه المنتجعات.
وتشهد منتجعات الساحل الشمالي في مصر خلافات متصاعدة بين مطورين عقاريين خليجيين وبعض ملاك الوحدات العقارية والسياحية والفندقية والشاطئية من المصريين، ما فجّر الحديث عن عوار العقود المبرمة بين الحكومة المصرية والمستثمرين الأجانب، ودعوة مصريين "مجلس النواب" لمراجعة عقود المطورين الأجانب.
وكانت أحدث الأزمات في هذا الإطار تتعلق بإدارة شركة "إعمار مصر" المملوكة لرجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، وفندق "العلمين" الملحق بمنتجع "مراسي" الشهير، حيث كشف مستند رسمي نشره موقع "بصراحة" ، فرض عضوية شهرية قيمتها 3 آلاف دولار خلال موسم الصيف الحالي مقابل 3 زيارات لشاطئ الفندق، ما قيمته نحو 50 ألف جنيه للزيارة الواحدة، بدون طعام أو شراب، في مخالفة للعقود المبرمة مع الملاك وللقانون المصري، بحسب متضررين من القرار.
ويوضح المستند أن تلك المبالغ تُدفع مقدماً وغير قابلة للاسترداد أو التحويل، وأنه يتم خصم 1000 دولار منها عند كل دخول للشاطئ، تزيد إلى 1500 دولار أثناء عطلات نهاية الأسبوع والإجازات الرسمية، دون أي رصيد لخدمات الأغذية والمشروبات، بالإضافة لبندٍ فضفاضٍ وفق وصف البعض، يفتح الباب لقيودٍ إداريةٍ وماليةٍ جديدة، تضمن المستند الإشارة إلى حق إدارة مراسي وفندق العلمين في تقييد أو تعليق أو تعديل أو إلغاء الحجز أو التعاقد، وتغيير شروط العضوية والأسعار والطاقة الاستيعابية وإجراءات التشغيل في أي وقت وفقاً لمتطلبات التشغيل، دون الالتزام باستمرار المزايا الممنوحة وقت التعاقد.
نظام الكفيل
وتحت عنوان: "خائف من القادم"، كتب الإعلامي المصري محمد علي خير، مؤكداً أن فرض "إعمار" ورئيسها العبار، عضوية شهرية قيمتها 3 آلاف دولار مقابل 3 زيارات لشاطئ فندق العلمين، "يخالف القانون المصري الذي يمنع التعامل داخل الجمهورية بعملة غير الجنيه"، ويخالف نص القانون الذي "يقر ملكية الدولة لكل شواطئ الجمهورية، وأن الحكومة تبيع للمطور قطعة أرض فقط".
وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، أشار لشكاوى ملاك "مراسي" ومنهم: الممثلة يسرا، والمخرجة إيناس الدغيدي، ورجال الأعمال: أشرف شيحة، وإيهاب جوهر، وحسام الشاعر، وياسر عبدالمقصود، وشيرين حلمي، ودينا طلعت، وباسل سماقية، من تأخر تسليم وحداتهم لأكثر من عامين، قائلاً إن "إعمار" تعاملت بمنطق "الكفيل"، داعياً البرلمان المصري لـ"مراجعة عقود المطورين الأجانب"، قائلاً إنهم "تصوروا أنهم اشتروا مصر بأرضها وشعبها".
وفي أزمة مماثلة، وفي 8 يوليو الحالي، أثارت شكوى السيدة المصرية حنان الشعراوي، الموجهة إلى رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، ورئيس الإمارات محمد بن زايد، ورئيس شركة "إعمار مصر" رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، حول منع أمن منتجع "مراسي" دخول الضيوف إلى وحدة مملوكة لها، جدلاً واسعاً حول ما تفرضه الشركات الإماراتية على المصريين من قوانين إدارية خاصة بما يخالف الاتفاقات والعقود المبرمة، ويقيد حريات المالكين ويحرمهم من حقوق تكفلها القوانين المصرية.
وأقام 22 من ملاك منتجع "مراسي" دعاوى قضائية ضد شركة "إعمار مصر"، نتيجة القيود المفروضة عليهم وحجب بعض الامتيازات السابقة، وصعوبة دخول الشواطئ وازدحامها بنزلاء الفنادق الخمسة داخل المنتجع، متهمين الشركة بالإخلال بالعقود والانتقاص من حقوقهم، فيما لفت البعض إلى أزمة زيادة قيم "الغرامات والرسوم والصيانة"، ومعاملة الملاك وكأنهم مستأجرون، وعدم إبلاغ الشرطة المصرية بأية حوادث إلا بعد تحرير محضر خاص بالشركة.
وتلزم "المادة 45" من الدستور المصري لعام 2014، الدولة بـ"حماية بحارها وشواطئها وبحيراتها وممراتها المائية ومحمياتها الطبيعية، وحظر التعدي عليها، أو تلويثها، أو استخدامها فيما يتنافى مع طبيعتها، ولكل مواطن حق التمتع بها على النحو الذي ينظمه القانون".
ويرى مراقبون للأزمة ان من أسبابها وفق رؤيتهم، " ان نهم الدولة إلى جمع الأموال كان سبباً في منح الخليجيين امتيازات وأراضي وعقوداً دفعتهم للتغول على المصريين ومخالفة قوانين البلاد وفرض قوانينهم"، مؤكدين أن أزمة ملاك "الساحل الشرير" تؤشر على أزمات أكبر نتيجة للاستحواذ الأجنبي والخليجي على قطاعات الصناعة والسياحة والصحة والتعليم والموانئ والأراضي الاستراتيجية وغيرها.
القادم أكثر رعباً
قال ممول عقاري مصري إن "نتائج ما تم منحه للخليجيين من أراضٍ واستحواذ وامتيازات وتسهيلات لم تظهر كلها بعد، ولننتظر السنوات المقبلة ستتفاقم الأزمة، وكما تواجه مصر الآن أزمة الدين الخارجي التي كانت سبباً في منح شركات وصناديق الخليج تلك الامتيازات، يتوجب علينا تحضير الدفاتر والأوراق والعقود للدخول في صراع قانوني مع أولئك المطورين".
وأضاف المهندس المصري، الذي فضل عدم ذكر اسمه ومقر شركته، "نحن كشركات وطنية نعاني مع الدولة بكل قطاعاتها ولا نحصل على أي امتيازات وتسهيلات في تخصيص الأراضي أو الدفع أو إسناد المشروعات، وأغلب شركات المعمار الخاصة المحلية تعمل من الباطن إما للشركات الخليجية أو لشركات الجيش، وذلك في الوقت الذي تستجدي فيه الحكومة المستثمر الخليجي وتقدم له كافة التسهيلات وتخضع لكل شروطه، لافتا إلى أن "اضطرار الحكومة ورغبة الدولة في الحصول على الأموال جعلها تفرط في الأرض وتتساهل في الوضع القانوني لتخصيص الأراضي الذي لا نعلم عن عقوده شيئاً"، ملمحاً إلى أنه "في عهد حسني مبارك، نعم: كان هناك استجداء للشركاء الخليجيين للعمل في مصر، ولكن كانت هناك إدارات قانونية في كل قطاع بالدولة تدرس وتراجع وتقرر".
وأشار إلى أنه "بسبب قيام الإدارات القانونية حينها بأعمالها في الوزارات تمكنت مصر من استرداد الكثير من الأراضي الساحلية التي لم يوفِ المطورون بتعاقداتهم حولها، وذلك إلى جانب استرداد شركات عامة مثل عمر أفندي، من المستثمر السعودي جميل القنيبط بعد ثورة يناير 2011، لمخالفة بعض البنود القانونية في العقد، لكنه حالياً كل البيوع والتخصيصات والإسنادات تتم بأمر مباشر ولا دور للإدارات القانونية".
البائع الخاسر
قال مدير تحرير مجلة "أكتوبر"، الصحفي ماجد بدران، إن "صفقات البيع تتم تحت ضغوط فوائد وأقساط الديون الخارجية على الحكومة ومواعيد سدادها، والمطور الخليجي يريد شراء مساحات كبيرة بمواقع متميزة، هذه الأراضي كانت عليها ملكيات أو بناء بمختلف مراحله، ومرت بمراحل الشراء من البدو واضعي اليد، ثم من أملاك الدولة، كالمعتاد".
وأوضح أن "البعض منهم قام بالبناء وإدخال المرافق، لكن الحكومة من أجل إتمام صفقات البيع نزعت هذه الملكيات، دون منح التعويضات بقيمة سوقية عادلة، وقامت بتسليم الأرض للمطور الخليجي".
وحول مخاوف المصريين من نتيجة الاستحواذ الأجنبي والخليجي في قطاعات الصناعة والسياحة والصحة والتعليم والموانئ والأراضي الاستراتيجية، أكد أن "بيع المصانع كارثة كبرى، أولاً: لأن المستثمر الأجنبي لا يشتري إلا المصنع الذي يحقق ربحاً، وإنتاجه يُباع ومطلوب محلياً أو يصدر معظم إنتاجه، مضيفا "لو أخذنا "الشرقية للدخان" كمثال، فهي شركة تحتكر إنتاج السجائر المحلية والأجنبية في مصر، وإنتاجها مُباع وتُحقق أرباحاً مهولة، وتوصف بأنها دجاجة تبيض ذهباً في وجود 19 مليون مدخن"، متسائلاً: "كيف نبيع 30 بالمئة من الشركة لمستثمر إماراتي بـ 600 مليون دولار فقط؟"
وشدد الكاتب الصحفي علي أنه "لو عُرضت "الشرقية للدخان" على المستثمرين المصريين بشرط تمويل الصفقة من بنوك أجنبية خارج مصر، حتى لا يحدث طلب زائد على الدولار في الداخل، كانوا سيشترونها، وبقيم أعلى مما دفعه الإماراتي، الذي من حقه تحويل أرباحه للخارج بالدولار كمستثمر أجنبي، لافتا إلى أنه مثلاً في مجال الصحة والمستشفيات ومعامل التحاليل والأشعة، "فهناك كارثة أكبر تمس حياة المواطنين، فالحكومة اتجهت لتأجير بعض المستشفيات التي تقدم الخدمة العلاجية مجاناً أو بأسعار رمزية لمستثمرين"، متسائلاً: "فكيف سيستقيم الأمر؟"
ويرى أنه "إذا كانت الحكومة عاجزة أو فاشلة في الإدارة، فالحل اللجوء لشركات تشغيل، تدفع لها الحكومة مقابل الإدارة، لتحسين الخدمة الطبية والارتقاء بها، وتظل أسعار الخدمة كما هي للمواطن، أما حل التأجير لمستثمرين، فمن سيدفع الثمن للمستثمر؟ بالطبع المرضى".
تكرار لفرمان 1867
وقال الخبير الاقتصادي أحمد البهائي، في إجابته عن التساؤلات السابقة، عبر صفحته بـ"فيسبوك": بينما تسمح الدول المتقدمة، مثل بريطانيا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال، للأجانب بالتملك، إلا أنها "لا تترك الأرض بلا ضوابط، بل تحيطها بسلسلة معقدة من القيود القانونية والضريبية والتنظيمية والأمنية، وتحمي المناطق الحساسة والأراضي ذات الأهمية الاستراتيجية، وتمنع المضاربة التي تهدد المصلحة الوطنية، موضحا أن "المشكلة في بيع الأرض؛ الأصل الدائم الذي تتزايد قيمته"، و"المورد الوحيد الذي لا يمكن للدولة أن تستورده إذا فرطت فيه"، منتقداً التوسع في "منح شركات تعتمد على رءوس أموال أجنبية مساحات واسعة من الأراضي لتطويرها ثم منحها حرية البيع والتصرف"، ما "يفتح الباب أمام تركز الملكية بيد كيانات ضخمة".
وحذر من أن ذلك الوضع "يخلق واقعاً اجتماعياً جديداً"، و"مجتمعات عمرانية مغلقة لا يستطيع المواطن دخولها إلا بإذن مسبق"، مؤكداً أنها "ترسخ واقعاً طبقياً غير مسبوق"، لافتاً إلى مخاوف المصريين من "اتساع نطاق هذا النموذج"، وملمحاً إلى مخاوف البعض من تكرار أزمة "فرمان الخديو إسماعيل"، الذي منح الأجانب حق تملك الأراضي عام 1867، تحت شعارات "التحديث وجذب رءوس الأموال"، موضحاً أنه وضع انتهى إلى "نفوذ اقتصادي أجنبي"، و"تدخل سياسي"، و"هيمنة استعمارية".
ويرى أن "ما يجري اليوم يراه كثيرون إحياءً لفلسفة فرمان 1867 في ثوب قانوني جديد. فالأسماء تغيرت، والآليات تبدلت، لكن الفكرة الجوهرية بقيت واحدة: الاعتماد على الأرض لتعويض عجز الاقتصاد عن إنتاج ما يكفي من الثروة، موضحا إن إعادة النظر بسياسات تملك الأراضي "قضية سيادة"، مؤكداً أن البرلمان في ملف تملك الأجانب للأراضي وتخصيصها للمطورين "أمام مسئولية تاريخية تتعلق بحماية أحد أهم أصول الدولة"، مطالباً إياه بممارسة "دوره بوضع ضوابط واضحة تمنع الخلط بين جذب الاستثمار وبين التفريط بالأصول الوطنية".
مستعمرات عبرية
وأحدثت أزمة المطورين العقاريين في الساحل الشمالي مع الملاك المصريين ردود فعل واسعة، ذهبت حد تحذير الناشط جمال والي من تعديل محتمل للمادة "45" من الدستور، والخاصة بالتزام الدولة بحماية بحارها وشواطئها، مؤكداً عبر صفحته بـ"فيسبوك" أن "هذا تمهيد لعودة الامتيازات الأجنبية إلى مصر عبر مستعمرات الإمارات العبرية، مؤكدا عبر "فيسبوك" أنه طبقاً للدستور فالبحار بشواطئها ومحمياتها ملكية عامة لكل المصريين، والقرى السياحية لها الأرض فقط بعيداً عن البحر وشواطئه، وليس من حق السلطة بيع البحر ولا شواطئه، مبيناً أن استيلاء أصحاب القرى السياحية على أي شاطئ يعد جريمة، محذراً من نتائج إقامة مستعمرات أجنبية على أرض مصر تتحول إلى مستعمرات إسرائيلية عبر الشركات الإماراتية.
ويرى مصريون أن تلك الأموال المفروضة على الملاك المصريين بالدولار لدخول الشواطئ المصرية لا تدخل للخزينة المصرية بل تذهب للإمارات، مؤكدين أن هذا لا يصنف كاستثمار أجنبي بقدر ما يوصف بأنه تفريط في أصول مصر.
وتساءل متابعون حول إمكانية تنفيذ قرارات نزع الملكية من المستثمرين الذين يخالفون القانون المصري والعقود مع الدولة ومع الملاك من المصريين، مشيرين إلى أن الدولة تتجاهل الإجراءات الخليجية على أراضيها بحجة الحرص على الاستثمار الأجنبي، محذرين من خطط المطورين لجذب المالك الأجنبي.