برنامج صندوق النقد الدولى مع حكومة الانقلاب ينتهى رسميا بنهاية عام 2026، وإذا كان الصندوق هو الذى يدير الاقتصاد المصرى منذ عهد المخلوع حسنى مبارك وزادت سطوته بصورة غير مسبوقة في زمن الانقلاب لدرجة أن حكومات الانقلاب المتوالية أصبحت مهمتها الأساسية هي تنفيذ إملاءات الصندوق مقابل الحصول على قروض لسداد أقساط وفوائد الديون وبالتالي فإن تخلى حكومة الانقلاب عن الصندوق يثير الكثير من التساؤلات …هل تستطيع هذه الحكومة إدارة اقتصاد البلاد؟ وهل تمتلك الصلاحيات والسلطات للقيام بهذه المهمة؟ وماذا عن الديون التي كانت تجبر حكومة الانقلاب على اللجوء صاغرة لصندوق النقد والموافقة على كل شروطه واملاءاته التي تستهدف تجويع الشعب المصرى وتحويل حياته إلى جحيم؟ هل تستطيع السداد أم ستضطر مرة أخرى إلى العودة إلى أحضان الصندوق؟.
كانت حكومة الانقلاب قد زعمت عدم وجود نية لطلب أى برامج تمويل جديدة بعد انتهاء الاتفاق الحالى، والاتجاه نحو تطبيق برنامج اقتصادى وطنى شامل وفق تعبيرها .
نمو احتوائى
في هذا السياق طالبت الدكتورة يمن الحماقى، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، بضرورة استشعار حساسية ودقة الموقف الذى تعانى منه حكومة الانقلاب، وأن تكتفى بالتعاون مع صندوق النقد فنيا بعيدا عن القروض والتمويلات خاصة وأنه يمتلك خبراء على مستوى عالٍ من الكفاءة.
وقالت «يمن الحماقى» في تصريحات صحفية: نحتاج إلى تحقيق ما يُسمى بالنمو الاحتوائى الذى يعالج التحديات الخطيرة التى تواجه مصر حاليا ومستقبلا.
وأشارت إلى أن التحدى الأول هو ارتفاع نسبة الفقر ومعاناة الناس من زيادات الأسعار، وهو تحدٍ يهدد الأمن القومى ويؤثر بشكل كبير على فرص التنمية، لأنه إذا نظرنا إلى تجارب الدول فى التنمية لن نجد دولة نجحت فى هذا الأمر دون مشاركة جميع أفراد المجتمع بشكل متكافئ وبالتالى لا بد من معالجة مشكلة الفقر أولا وأن يكون الكل مشاركًا فى فرص التنمية.
وأشارت إلى أنه منذ 15 عاما ومعدلات النمو ضعيفة لا تتوافق مع عدد السكان، موضحة أن معدل النمو كان يتراوح فى معظم الأحيان بين 4 و5%، وهو معدل نمو هزيل لا يؤدى إلى إحداث تغيير فى أى اقتصاد .
وأضافت «يمن الحماقى» : التحدى الثانى مرتبط بالأوضاع الجيوسياسية فى المنطقة التى من المتوقع أن تشهد نوعا من عدم الاستقرار خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار الرئيس الأمريكى الحالى دونالد ترامب، الذى لا يمكن التنبؤ بما سيقوم به، مطالبة حكومة الانقلاب بالعمل على النهوض بالاقتصاد المحلى من خلال الصناعة وتقوية سلاسل الإمداد وفتح مجمعات إنتاجية فى كل محافظات الجمهورية، وتحريك الطاقات الإنتاجية الراكدة، وتنفيذ حاضنات للصناعات الصغيرة والمتوسطة لزيادة الإنتاج والتصدير.
وشددت على ضرورة أن يكون الإنتاج تنافسيا يتمتع بالجودة العالمية مع ضغط التكاليف لأقل قدر ممكن والبحث عن فرص خفض التكلفة سواء فى القطاع العام أو الخاص، موضحة أننا لن نستطيع تحريك الطاقات الإنتاجية دون تنمية الموارد البشرية وتفعيل استراتيجية التدريب للتشغيل بشكل أكبر .
ولفتت «الحماقى»، إلى ضرورة التعامل مع ملف الديون التى ترتفع باستمرار بسبب فشل دولة العسكر فى زيادة الصادرات .
أخطاء الماضى
ودعا الدكتور على الإدريسى، أستاذ الاقتصاد بجامعة 6 أكتوبر، إلى ضرورة إعداد برنامج وطنى يعالج أخطاء الماضى القريب، مشددا على ضرورة أن يتحرك هذا فى اتجاه خفض الديون سواء الداخلية أو الخارجية، وتحسين منظومة الأجور، وتقليل معدلات التضخم والبطالة، والوصول إلى المستويات العالمية للاكتفاء الذاتى من الإنتاج وبالذات من قطاعات الاقتصاد الحقيقى مثل الزراعة والصناعة، مع تشجيع الصادرات بشكل أكبر.
وأكد «الإدريسى» في تصريحات صحفية ضرورة أن يحصل المواطن على مزيد من برامج الحماية الاجتماعية بشكل أكثر فاعلية وتأثيرًا، وليس فكرة برامج مخصصات مالية فقط، بل يجب أن يكون لها تأثير مهم.
وطالب بتخفيض معدلات الفقر التى وصلت إلى أن أكثر من 30% من الشعب أصبح تحت خط الفقر، وبالتالى نحن فى حاجة لعلاج هذه المشكلة وتقليل هذه النسبة، فلا يصح أن نقوم بكل ذلك ويستمر ثلث المصريين تحت خط الفقر لأن هذا الأمر لا يستقيم.
وأشار «الإدريسى» إلى أن تنفيذ ذلك كله يتطلب وجود خطة واضحة بجدول زمنى محدد يتراوح بين 3 إلى 5 سنوات، والأهم من ذلك وجود كفاءات تتولى تنفيذ هذا البرنامج ووضع الشخص المناسب فى المكان المناسب، لأن وجود غير الكفاءات يدمر هذا البرنامج.
وشدد على ضرورة أن يكون هناك أولوية للمشروعات الإنتاجية ذات العائد السريع، وعدم الاقتراض من أجل مشروعات عوائدها طويلة المدى، وأن يشعر المواطن بهذا الجهد بحيث نصل لأن يكون لدينا اقتصاد قوى يواجه الصدمات والأزمات المتتالية.
دائرة جهنمية
وقال المستشار الاقتصادى، أحمد خزيم، إن برنامج الإصلاح الاقتصادى مع الصندوق الذى بدأ فى نوفبمر 2016 وصفه البعض وقتها بأنه الدواء المر وسيكون مدته 3 سنوات، حيث كانت الفجوة التمويلية وقتها 21 مليار دولار، معربا عن أسفه لأن تعاون حكومة الانقلاب مع الصندوق استمر 10 سنوات بدلا من 3 سنوات، ووصلنا إلى ما نحن فيه حاليا من ارتفاعات فى الأسعار بشكل كبير، وتزايد قيمة الديون الداخلية والخارجية خاصة الخارجية التى تجاوزت الـ 164 مليار دولار، فضلا عن بيع الأصول.
وأضاف «خزيم» في تصريحات صحفية : كل مرة نتجه فيها إلى الصندوق كانت بسبب اتساع الفجوة التمويلية وبالتالى على حكومة الانقلاب أن تسعى لحل هذه المعضلة وذلك لن يحدث إلا من خلال الاتجاه إلى الزراعة والصناعة من أجل زيادة الإنتاج والتصدير، وبالتالى جلب العملة الصعبة التى من خلالها نستطيع سد الفجوة التمويلية التى تواجهنا كل عام.
وأوضح أن اتساع الفجوة التمويلية مع زيادة الديون تُدخل الاقتصاد المصرى فيما يطلق عليه بـ«الدائرة الجهنمية» التى يصعب معها مجرد إطلاق شعارات براقة من حكومة الانقلاب، بل من خلال برنامج يتم تنفيذه على أرض الواقع .
وأكد «خزيم»، ضرورة التعامل بشكل حاسم مع ملف الديون الخارجية التى تراكمت على دولة العسكر خلال السنوات الماضية، مشيرا إلى أن المشكلة الأكبر التى يعانى منها الاقتصاد المصرى تتمثل فى أن الإيرادات الدولارية التى نتحصل عليها تأتى من خلال إيرادات السياحة وتحويلات المصريين فى الخارج وقناة السويس، وليس قطاعات إنتاجية، وبالتالى أى مشكلة تؤثر على هذه الإيرادات تنعكس مباشرة على الاقتصاد ولذلك لا بد من التحول للاعتماد على القطاعات الإنتاجية وعدم الاكتفاء بالسياحة والتحويلات وقناة السويس.